الرئيسيةأخبار إيرانأزمة الكهرباء في إيران ليست نقصاً في الطاقة.. بل هي فشل في...

أزمة الكهرباء في إيران ليست نقصاً في الطاقة.. بل هي فشل في منظومة الحكم

0Shares

أزمة الكهرباء في إيران ليست نقصاً في الطاقة.. بل هي فشل في منظومة الحكم

قلما تجسد دولة عواقب سوء الإدارة والفساد بشكل أكثر وضوحاً من إيران؛ فبرغم امتلاكها لثاني أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم وواحدة من أكبر ثروات النفط على وجه الأرض، تستمر البلاد في المعاناة من نقص مزمن في الكهرباء يعطل تفاصيل الحياة اليومية، ويشل الإنتاج الصناعي، ويعمق استياء العامة. ومن الناحية النظرية، لا ينبغي لبلد غني بهذا الحجم من موارد الوقود الأحفوري أن يواجه أي صعوبة في توفير كهرباء موثوقة ومستدامة لمواطنيه. ومع ذلك، يتحمل ملايين الإيرانيين انقطاعات مبرمجة ومستمرة للتيار الكهربائي كل صيف—وبشكل متزايد خلال أشهر الشتاء أيضاً. تضطر المصانع إلى تقليص إنتاجها، وتتكبد الشركات خسائر مالية فادحة، وتعمل المستشفيات والخدمات العامة تحت ضغط متزايد، بينما تُجبر الأسر على التكيف مع انقطاعات الطاقة الروتينية والمفاجئة.

إن هذا التناقض الصارخ ليس وليد الصدفة؛ فأزمة الكهرباء في إيران ليست ناتجة عن نقص في الموارد الطبيعية، بل هي الثمرة المباشرة لعقود من الفساد الهيكلي، وغياب الاستثمار المزمن، والعزلة الاقتصادية، ونظام سياسي يضع باستمرار الطموحات الأيديولوجية والعسكرية فوق البنية التحتية الوطنية.

تحليل اقتصادي: التضخم في إيران وحدود ما يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدة

يناقش التقرير الجذور البنيوية للأزمة الاقتصادية والتضخم المفرط في إيران، معتبراً أن النظام السياسي الديكتاتوري ينتج حتماً اقتصاداً مشوهاً ومريضاً. ويشير التحليل إلى أن توجيه موارد البلاد لخدمة بقاء السلطة الحاكمة وتفكيك المؤسسات المستقلة على مدى خمسة عقود جعلا من شبه المستحيل بناء اقتصاد تنموي شفاف، مؤكداً أن الأزمة أعمق من مجرد عقوبات أو قرارات عابرة بل ترتبط بشكل مباشر بهيكل الحكم التوتاليتاري.

التضخم البنيوي | الأزمة الاقتصادية | يونيو 2026

فجوة متسعة بين العرض والطلب

لسنوات طويلة، نما الطلب على الكهرباء في إيران بشكل مطرد، مدفوعاً بالنمو السكاني، والتوسع الحضري، والتمدد الصناعي، وارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف. غير أن الحكومات المتعاقبة تحت وطأة نظام الولي الفقيه فشلت في مواكبة هذا النمو عبر ضخ استثمارات كافية لتوسيع قدرات التوليد وتحديث الشبكة.

ووفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) وخبراء الطاقة الإيرانيين، بلغ نقص الكهرباء نحو 12 غيغاوات خلال ذروة الطلب الصيفي في السنوات الأخيرة. وتحذر التوقعات المحلية الآن من أن عجز الإمدادات قد يتجاوز 20 غيغاوات إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون معالجة جذرية.

ورسمياً، تُعلن إيران أنها تمتلك حوالي 95 غيغاوات من القدرة الإنتاجية المركبة. لكن من الناحية العملية، فإن القدرة التشغيلية الفعلية للبلاد أقل من ذلك بكثير؛ إذ إن المعدات المتهالكة، وتأخر أعمال الصيانة، وقيود الوقود، والأعطال الفنية تعني أن حوالي 70 إلى 75 غيغاوات فقط تكون متاحة بشكل موثوق خلال فترات ذروة الطلب. وتعكس الفجوة الكبيرة بين القدرة الاسمية والإنتاج الفعلي واقعاً أوسع: إن عقوداً من إهمال الاستثمار قد أدت إلى تآكل مرونة نظام الكهرباء في إيران تدريجياً.

إهمال البنية التحتية مقابل إنفاق المليارات في ساحات أخرى

تتطلب البنية التحتية للكهرباء تحديثاً مستمراً؛ إذ يجب تطوير محطات الطاقة، وتوسيع خطوط النقل، واستبدال المحطات الفرعية، ودمج التقنيات الجديدة لتلبية الطلب المتزايد. لكن إيران فشلت بشكل ذريع على كافة الأصعدة؛ فعلى مدى العقدين الماضيين، زاد استهلاك الكهرباء بنسبة تتراوح بين 4% إلى 6% سنوياً، ومع ذلك، عانت العديد من مشاريع محطات الطاقة من تأخيرات استمرت لسنوات أو بقيت غير مكتملة بسبب سوء الإدارة المالية، والبيروقراطية العقيمة، والتداخل السياسي.

وقد تحولت محطة سيريك للدورة المركبة في محافظة هرمزغان إلى رمز صارخ لهذا الخلل الوظيفي؛ فبعد أن أُعلن عنها كأحد المشاريع الريادية في مجال الطاقة في البلاد، واجهت تأجيلات متتالية ناتجة عن نقص التمويل، والنزاعات التعاقدية، والإخفاقات الإدارية. وفي غضون ذلك، جرى توجيه العائدات النفطية والغازية الهائلة—التي كان من الممكن أن تسهم في تحديث بنية الطاقة التحتية—نحو الإنفاق العسكري، والمؤسسات الأمنية، والعمليات الإقليمية للوكلاء، والشبكات الاقتصادية الغامضة التي تسيطر عليها الدولة.

وكانت تكلفة الفرصة البديلة هائلة؛ فالعديد من محطات الطاقة الحرارية في إيران تجاوز عمرها الآن ثلاثة عقود، وتضع الإحصاءات الرسمية متوسط كفاءتها عند حوالي 39% فقط—وهو معدل يقل بكثير عن أداء منشآت الدورة المركبة الحديثة العاملة في العديد من الاقتصاديات المتقدمة. وتستهلك هذه المحطات القديمة وقوداً أكثر بينما تنتج كهرباء أقل، مما يزيد من تكاليف التشغيل والتلوث البيئي على حد سواء.

شبكة متهالكة تهدر كهرباء ثمينة

لا تقتصر المشكلات على توليد الكهرباء فحسب؛ إذ تعاني شبكة النقل والتوزيع في إيران من سنوات من غياب الصيانة الكافية وعدم التحديث. ولا تزال الخسائر الفنية أعلى بكثير من المعايير الدولية المقبولة، حيث تشير التقديرات إلى أن خسائر الشبكة تبلغ حوالي 10% إلى 13% من الكهرباء المولدة، في حين أن خسائر النقل في الأنظمة المتقدمة تظل دون 6%.

ويمثل كل هدر في هذه النسب كهرباء لا تصل أبداً إلى المستهلكين رغم الوقود الذي أُحرق لإنتاجها؛ وإن تقليص هذه الخسائر كان كفيلاً بخلق قدرة توليد إضافية دون الحاجة لبناء محطة طاقة واحدة جديدة، ومع ذلك، جرى تأجيل التحديث مراراً وتكراراً تحت وطأة العجز المالي وسوء التخطيط.

دعم الطاقة وغياب الإصلاح الهيكلي

لطالما تسبب تسعير الكهرباء المدعوم بشكل كبير في إيران في تعقيد الاستثمار في قطاع الطاقة؛ فالتعرفات المنخفضة بشكل مصطنع تثبط الكفاءة، وتقلل من الجدوى المالية لشركات المرافق، وتترك موارد غير كافية للصيانة والتوسع. ورغم أن توفير الطاقة بأسعار معقولة يظل أمراً مهماً لحماية الأسر، إلا أن سياسات الدعم نُفذت دون إصلاحات هيكلية أوسع، مما ترك قطاع الكهرباء يعاني من نقص مزمن في التمويل.

وجاء التضخم الجامح، وانخفاض قيمة العملة المحلية، والعقوبات الدولية ليزيد من تكلفة استيراد المعدات المتقدمة وتمويل مشاريع البنية التحتية، مما أدى إلى تفاقم نقاط الضعف القائمة بدلاً من خلقها.

تعدين العملات الرقمية.. رمز لعدم المساواة في الحوكمة

أصبح تعدين العملات المشفرة أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في نقاش الكهرباء بإيران؛ وقد عزت السلطات مراراً وتكراراً أجزاءً من نقص الكهرباء في البلاد إلى عمليات تعدين غير مصرح بها، وهو أمر يضع بلا شك ضغوطاً إضافية على الشبكة.

ومع ذلك، ركز النقاش العام بشكل متزايد على تقارير تفيد بأن بعض منشآت التعدين واسعة النطاق حظيت بمميزات وصول استثنائية للكهرباء المدعومة وحماية سياسية وأمنية، في وقت تحملت فيه الأسر العادية والمصانع عبء تقنين الكهرباء الظالم. وسواء أكانت كل تهمة قابلة للتحقق بشكل مستقل أم لا، فإن هذا الجدل يعكس أزمة أعمق في الثقة العامة؛ إذ يعتقد الكثير من الإيرانيين أن المؤسسات ذات النفوذ السياسي والروابط الأجنبية تتمتع بامتياز الوصول إلى الموارد الوطنية الشحيحة بينما يدفع المواطنون العاديون الثمن عبر الانقطاعات المتكررة وارتفاع تكاليف المعيشة.

أزمة الكهرباء والمياه في إيران: انقطاعات صيف 2026 تكشف فشلاً بنيوياً للنظام الإيراني

مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة في إيران، يواجه ملايين المواطنين واقعاً قاسياً يتجلى في انقطاع الكهرباء وشح المياه الأساسية. ورغم محاولات المسؤولين الحكوميين للتنصل من المسؤولية وعزو الأزمة إلى الظروف الجوية وتراجع المخزونات، فإن الواقع يؤكد أنها محصلة مباشرة لعقود من غياب الاستثمارات، وتهالك البنية التحتية، وسوء الإدارة المزمن لطاقات وثروات البلاد.

أزمة معيشية | انقطاع الكهرباء | يوليو 2026

الطاقة المتجددة.. فرصة هائلة غير مستغلة

لعل التناقض الأكبر يكمن في فشل إيران في استغلال إمكاناتها الاستثنائية في مجال الطاقة المتجددة؛ حيث تتلقى أجزاء واسعة من البلاد بعضاً من أعلى مستويات الإشعاع الشمسي في منطقة الشرق الأوسط، بينما تمتلك مناطق عديدة موارد رياح كافية لدعم توليد طاقة متجددة على نطاق تجاري واسع.

ورغم ذلك، لا تزال الطاقة المتجددة تشكل حصة ضئيلة للغاية من إجمالي إنتاج الكهرباء في إيران؛ وبدلاً من تنويع مزيج الطاقة وتقليل الضغط على المحطات الحرارية المتهالكة، تظل إيران معتمدة بشكل ساحق على التوليد عبر الغاز الطبيعي. وقد خلق هذا الاعتماد المفرط نقاط ضعف إضافية؛ فخلال أشهر الشتاء، تفرض المنافسة بين الطلب على التدفئة السكنية وتوليد الكهرباء على السلطات تقليص إمدادات الوقود للممحطات، مما يزيد من مخاطر نقص الكهرباء حتى خارج موسم الذروة الصيفي.

يعزو النظام الإيراني بانتظام نقص الكهرباء إلى ارتفاع الاستهلاك، أو الطقس الحار بشكل غير عادي، أو الجفاف، أو العقوبات الدولية. ولا شك أن هذه العوامل تؤثر على شدة الأزمة، لكن أياً من هذه التفسيرات لا يعالج القضية الأساسية؛ فالبلدان التي تمتلك موارد طبيعية أقل بكثير—وفي كثير من الحالات مناخات أقسى—نجحت في توسيع إنتاج الكهرباء من خلال الحوكمة الشفافة والتخطيط طويل الأجل.

تكمن المشكلة الجوهرية في أن الأولويات السياسية والأمنية لنظام الولي الفقيه قد تفوقت باستمرار على الأولويات التنموية والاقتصادية؛ فمنذ عقود، جرى تحويل الاستثمارات التي كان يمكن أن تقوي البنية التحتية الوطنية إلى ساحات الحروب الإقليمية وقمع الداخل، في حين أدى الفساد، واحتكارات الدولة، وضعف المساءلة المؤسسية إلى إحباط الاستثمارات المحلية والأجنبية في قطاع الطاقة.

والنتيجة هي بلد غني بموارد الطاقة ولكنه عاجز بشكل متزايد عن تحويل هذه الموارد إلى خدمات عامة موثوقة. وبناءً على ذلك، فإن الانقطاعات المتكررة التي يعاني منها ملايين الإيرانيين ليست مجرد إخفاقات فنية عابرة، بل هي النتيجة المرئية لنموذج حكم وضع البقاء السياسي فوق التنمية الاقتصادية وحقوق المواطنين. وطالما بقيت هذه العقبات الهيكلية قائمة، فإن الأزمة ستستمر كرمز واضح للفشل البنيوي الشامل.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة