التضخم في إيران وحدود ما يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدة
إن النظام السياسي المريض ينتج حتماً اقتصاداً مريضاً؛ ففي ظل دكتاتورية مطلقة تُقمع فيها الحريات السياسية والاجتماعية، وتُفكك المؤسسات المستقلة، ويُستبدل فيها سيادة القانون بإرادة المتنفذين في السلطة وتوجيه موارد البلاد لخدمة بقاء الحكم السياسي، يصبح من شبه المستحيل بروز اقتصاد سليم، وشفاف، وموجه نحو التنمية. إن الأزمة العميقة التي تطوق الاقتصاد الإيراني اليوم ليست وليدة قرار خاطئ عابر، أو نتاج عجز حكومة بعينها، أو ثمرة فترة منفردة من العقوبات؛ بل هي النتاج المباشر لهيكل توتاليتاري وضع، على مدار قرابة خمسة عقود، مسألة الحفاظ على سلطته فوق مفاهيم الحرية، والرفاه العام، وتنمية البلاد.
وفي إطار هذا الهيكل، لم يجرِ إدارة الاقتصاد الإيراني بناءً على احتياجات المجتمع، أو التنافسية الحرة، أو الاستثمار الإنتاجي والتخطيط بعيد المدى؛ بل صاغته الأولويات الأمنية والسياسية للنظام. وجرى تحويل شطر رئيسي من الموارد العامة، والعوائد النفطية، والموازنة العامة للدولة، والطاقات الاقتصادية للبلاد، بعيداً عن مشاريع البنية التحتية، وخلق فرص العمل، والإنتاجية، والخدمات العامة، ورفع مستويات المعيشة، لتوضع تحت تصرف المؤسسات العسكرية والأمنية، والشركات والمؤسسات الخاضعة لسيطرة النظام، وتمويل البرامج الإقليمية والتسليحية. ويقف في عمق هذا الهيكل حرس النظام ، ومكتب الولي الفقيه، وشبكة واسعة من المؤسسات غير الخاضعة للمساءلة والتي تفتقر للشفافية وتتحكم في شق هائل من الاقتصاد الوطني.
وفي معظم دول العالم، تؤثر السياسة في الاقتصاد، أما في ظل النظام الإيراني، فقد تحول الاقتصاد الإيراني فعلياً إلى رهينة لسياسات النظام. ولا تُتخذ القرارات الاقتصادية لخدمة المصلحة العامة بالمقام الأول، بل لتلبية المتطلبات الأمنية والحفاظ على منظومة الحكم. ولهذا السبب، ظل الاقتصاد قريباً من حافة الانفجار طوال العقدين الماضيين، وعجزت الحكومات المتعاقبة عن حل معضلاته البنيوية؛ فمن دون تغيير الهيكل الأساسي، اكتفت كل حكومة باستبدال حزمة من المسكنات المؤقتة بأخرى، مما أدى في نهاية المطاف إلى تفاقم عجز الموازنة، وتراكم الديون العامة، وتضخم السيولة، وتفشي الفساد وعدم الاستقرار.
تقرير حقوقي: التآكل البنيوي يلتهم طفولة مليوني طفل إيراني مع تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال
كشفت تقارير إعلامية متزامنة مع اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال عن أزمة هيكلية عميقة في إيران، حيث تحولت ظاهرة عمالة الأطفال إلى نتاج مباشر للسياسات الحكومية الفاشلة وانهيار منظومة الرعاية الاجتماعية. ويبرز التقرير حجم الضغوط الاقتصادية الحادة التي تطحن العائلات الضعيفة، دافعةً بمئات الآلاف من الأطفال إلى رصيف الجوع كبديل عن مقاعد الدراسة.
بناءً على ذلك، لا تكمن المعضلة المركزية في استبدال الحكومات أو المسؤولين التنفيذيين، بل في صانع السياسات الأساسي والهيكل الذي يحدد التوجهات الكلية للاقتصاد، والموازنة، والسياسة الخارجية، وتوزيع الثروات. وقد بلغت الأزمة حداً من الوضوح أجبر وسائل الإعلام والخبراء التابعين للنظام على الاعتراف بها؛ ففي 10 يونيو 2026، نشرت صحيفة “جهان صنعت” اليومية الحكومية عنواناً بارزاً ومثيراً للاهتمام يقول: «علاج الاقتصاد الإيراني المريض بتغيير صانع السياسات». وتثبت هذه الاعترافات أنه حتى داخل الأوساط الرسمية، لم يعد من الممكن إخفاء الجذور السياسية للأزمة الاقتصادية إلى الأبد.
ولسنوات طويلة، بدا الاقتصاد الإيراني كجسد شبه حي على طاولة التشريح. ورغم التباينات الفكرية، يجمع الخبراء المستقلون والمحسوبون على السلطة على نقطة جوهرية واحدة: وهي أن هيكل الحكم يضع بقاءه السياسي فوق الاحتياجات الأساسية للمواطنين. وطوال العقود الأربعة الماضية، جرى إخضاع الرفاه العام، والتوظيف المستدام، والأمن الاقتصادي، وحماية القدرة الشرائية، للأهداف الأمنية والعسكرية والإقليمية للنظام؛ وكانت النتيجة بزوغ اقتصاد أوامر موجّه تهيمن عليه السلطة، ويتميز بتمدد الاحتكارات، والفساد المؤسسي، والمحسوبية، وهروب رؤوس الأموال، وتراجع الاستثمارات، والتدمير التدريجي للقطاعات الإنتاجية.
ومن أبرز التداعيات الجلية لهذا الهيكل، بروز عجز مزمن ومتسع في الموازنة العامة؛ فعندما تعجز الإيرادات الحكومية الحقيقية عن تغطية النفقات، وترفض السلطة تقليص إنفاقها غير الإنتاجي والمرتبط بالأجهزة الأمنية والعسكرية، فإنها تلجأ إلى الاقتراض، وتوسيع القاعدة النقدية، والسحب المباشر أو غير المباشر من موارد البنك المركزي. ويؤدي هذا النهج إلى تضخم السيولة، وإضعاف العملة الوطنية، ويدفع الأسعار نحو الارتفاع المستمر، لتتشكل دوامة مفرغة: عجز الموازنة يقود إلى طبع النقود، وطبع النقود يغذي التضخم، والتضخم يلتهم القدرة الشرائية، وتراجع القدرة الشرائية يعمق الفقر، والركود، والاضطراب الاجتماعي.
وفي المقلب الآخر من هذه الدوامة، تستغل أطراف في منظومة الحكم والمقربون منهم قنوات الوصول التفضيلية للعملات الأجنبية، والاحتكارات التجارية، والمعلومات السرية، والموارد العامة لتكديس ثروات طائلة؛ وفي الوقت نفسه، يراقب المواطنون البساطاء تآكل قيمة أجورهم ومدخراتهم يوماً بعد يوم، بينما توظف المجموعات القريبة من السلطة الأزمة نفسها لإثراء أنفسهم بشكل أكبر. ومن هنا، لا يمثل التضخم في إيران ظاهرة نقدية أو إحصائية مجردة فحسب، بل يعمل كآلية ممنهجة لنقل الثروة من أغلبية المجتمع إلى أقلية صغيرة مرتبطة بدوائر السلطة ونفوذها.
ومن بين التداعيات العديدة لهذا الهيكل، يستقر التضخم كالأزمة الأكثر وضوحاً وتأثيراً في الحياة اليومية لملايين الإيرانيين؛ حيث أدى الارتفاع المستمر في كلفة الغذاء، والسكن، والدواء، والنقل، والتعليم، والاحتياجات الأساسية الأخرى إلى توسيع الفجوة بين دخل الأسرة وإنفاقها، ودفع بقطاع واسع من المجتمع إلى ما دون خط الفقر المطلق أو حافته. كما حرم التضخم المزمن الأسر والشركات من القدرة على الادخار، والتخطيط، والاستثمار، ليتحول انعدام اليقين إلى سمة دائمة للحياة الاقتصادية.
تبحث هذه الدراسة حجم التضخم في إيران، وأسبابه البنيوية، وآثاره على مستويات المعيشة، والأجور، والتوظيف، والسكن، وجودة الحياة. ولتجنب المبالغة، وضمان إمكانية تقييم النتائج حتى وفق المعايير المعلنة من قِبل النظام نفسه، يعتمد التحليل حصرياً على الأرقام الرسمية الصادرة عن مؤسسات النظام الإيراني، بما في ذلك مركز الإحصاء الإيراني، والبنك المركزي الإيراني، والمجلس الأعلى للعمل، والجهات الرسمية الأخرى.
ومع ذلك، فإن الاعتماد على الأرقام الرسمية لا يعني قبولها كبيانات دقيقة أو كاملة؛ فنظام الملالي يمتلك سجلاً طويلاً في إخفاء الوقائع الاقتصادية، ونشر البيانات بشكل انتقائي، وتغيير مناهج الحساب، وتأخير التقارير، وتقليل حجم الأزمات. إن غياب الاستقلالية لدى مؤسسات الإحصاء، والتناقضات بين الأرقام المنشورة من قِبل مركز الإحصاء والبنك المركزي، وغياب وصول الجمهور إلى قواع البيانات التفصيلية، وإهمال شق كبير من الاقتصاد غير الرسمي، والضغوط السياسية على الجهات المنتجة للبيانات، كلها عوامل تثير تساؤلات جديّة حول مصداقية الأرقام الرسمية واكتمالها.
بناءً على ذلك، لا ينبغي التعامل مع الأرقام الواردة في هذا التقرير كانعكاس كامل للواقع الاقتصادي، بل يُفضل فهمها باعتبارها الحد الأدنى لحجم الأزمة التي لم يعد بإمكان النظام إخفاءها بالكامل. ومن المرجح أن يكون المدى الحقيقي للتضخم، والفقر، والبطالة، وفقدان القدرة الشرائية -لا سيما بين الفئات ذات الدخل المحدود، والعمال، والمتقاعدين، والمجتمعات الريفية، وسكان المناطق المحرومة- أسوأ بكثير مما تشير إليه التقارير الرسمية. ومع أخذ هذا القيد في الاعتبار، يحلل التقرير التضخم وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية باستخدام البيانات المنشورة من قِبل المنظومة الحاكمة نفسها.
الخلاصة الإحصائية
تظهر البيانات الرسمية لشهر مايو 2026 أن الاقتصاد الإيراني دخل مرحلة من التضخم المرتفع للغاية والآخذ في التسارع؛ حيث سجل مركز الإحصاء الإيراني تضخماً شهرياً بنسبة 8.8%، وتضخماً سنوياً (مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق) بنسبة 83.9%، بينما بلغ متوسط التضخم على مدار اثني عشر شهراً 57.7%، وشملت هذه البيانات كافة الأسر على مستوى البلاد. في المقابل، وأخذًا بعين الاعتبار المنهجيات المختلفة والتغطية الجغرافية، أظهرت بيانات البنك المركزي الإيراني الخاصة بالمناطق الحضرية تضخماً شهرياً بنسبة 8.5%، وتضخماً سنوياً بنسبة 77.2%، ومتوسط تضخم سنوي بلغ 53.9%. وإن وجود هذا التباين بين المؤسستين الرسميتين يفرض بذاته ضرورة الحذر عند تفسير هذه الأرقام.
ولم تتوزع الضغوط التضخمية بشكل متساوٍ؛ إذ سجل التضخم السنوي للأغذية، والمشروبات، والتبغ قرابة 130%. وبلغ المعدل المقابل 101.8% في المناطق الريفية و80.8% في المناطق الحضرية، في حين تجاوز التضخم السنوي للشريحة الإنفاقية الثانية من القاع (الأكثر فقراً) نظيره في الشريحة الأكثر ثراءً. ونتيجة لذلك، تحملت الأسر ذات الدخل المحدود، والتي تنفق شطراً أكبر من ميزانياتها على الغذاء والاحتياجات الأساسية، العبء الأكبر من هذه الضغوط.
وتتمثل النتيجة المركزية لهذه الدراسة في أن أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة قد يقلص وتيرة التضخم على المدى القصير عبر خفض التوقعات التضخمية، وإرساء استقرار نسبي في سوق الصرف الأجنبي، وزيادة الصادرات النفطية، وتقليص تكاليف المعاملات التجارية وتحسين قنوات الوصول إلى العملات الأجنبية؛ غير أنه لن يكون كافياً لحل الأزمة على أساس مستدام. ومن دون الانضباط المالي في الموازنة، والسيطرة على نمو السيولة، ومعالجة الاختلالات المصرفية، وتعزيز الاستثمار، واستعادة الثقة العامة والشفافية الإحصائية، فإن الانفراج الخارجي سيعمل كمسكن مؤقت للألم وليس كعلاج جذري.
تحليل اقتصادي: رواية الأجور الصورية تعزز مؤشرات الانهيار الهيكلي وتفاقم الفقر في إيران
يستعرض التقرير أبعاد الأزمة البنيوية الحادة الناتجة عن اتساع الفجوة بين الأجور ومعدلات التضخم طوال العقود الماضية. ويشير التحليل إلى أن قرارات المجلس الأعلى للعمل بشأن زيادة الرواتب الاسمية لا تعدو كونها مناورات ورقية عاجزة عن مواجهة الغلاء المستمر، مما يضع الطبقة العاملة والشرائح المنتجة تحت وطأة فقر مطلق غير مسبوق نتيجة توجيه مقدرات البلاد نحو أجندات أخرى.
سؤال البحث والمنهجية
تتمثل الأسئلة المركزية لهذا التقرير في: ما مدى خطورة التضخم الحالي في إيران؟ وما هي الفئات الأكثر تضرراً به؟ وما هي الأسباب الرئيسية لاستمراره؟ وإلى أي مدى يمكن لاتفاق خارجي أن يغير مساره؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، يميز التقرير بين ثلاثة مؤشرات رسمية: التضخم الشهري، والتضخم السنوي، ومتوسط التضخم لـ 12 شهراً. ويجري مقارنة بيانات مركز الإحصاء والبنك المركزي بالمعلومات الرسمية المتعلقة بالأجور، وسلة كلفة المعيشة، وسوق العمل.
ويعد هذا التحليل وصفياً وقائماً على السيناريوهات، وليس تقديراً اقتصادياً قياسياً للعلاقات السببية؛ وعند مناقشة الآثار المحتملة لأي اتفاق، أو عقوبات، أو حرب، یا سياسة أسعار الصرف، تُصاغ الاستنتاجات بصيغة مشروطة. كما جرى فصل تصريحات الخبراء عن البيانات الرسمية وعرضها كسلاحف تحليلية أو تقييمات استشرافية بدلاً من تقديمها كتوقعات قطعية ثابثة.
مشهد التضخم الرسمي في مايو 2026
وفقاً لمركز الإحصاء الإيراني، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك للأسر الإيرانية بنسبة 8.8% في مايو 2026 مقارنة بشهر أبريل، وبنسبة 83.9% مقارنة بشهر مايو 2025. وكان متوسط المؤشر خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في مايو أعلى بنسبة 57.7% من الفترة المماثلة السابقة. وبالنسبة للمناطق الحضرية، سجل البنك المركزي تضخماً شهرياً بنسبة 8.5% ومتوسط تضخم لـ 12 شهراً بنسبة 53.9%، بينما أشارت التقارير المستندة إلى بيانات البنك المركزي إلى أن التضخم السنوي بلغ 77.2%.
ولا يمكن مقارنة مستويات المؤشرات المنشورة من قِبل المؤسستين بشكل مباشر نظراً لاختلاف سنوات الأساس والتغطية الجغرافية؛ ولا تعني الاختلافات بالضرورة أن إحدى المؤسسات قد وقعت في خطأ حسابي مجرد، إذ قد تختلف الفئة الإحصائية المستهدفة، وسنة الأساس، والأوزان الممنوحة للسلع والخدمات، والتغطية الجغرافية، وتوقيت جمع الأسعار. ومع ذلك، عندما تسجل مؤسستان رسميتان أرقاماً تفصل بينهما عدة نقاط مئوية، يتعين على البحث العلمي تحديد مصدر كل رقم بوضوح وتجنب دمج المؤشرات دون الإشارة إلى جهة الإصدار.
فهم المؤشرات وتجنب التفسيرات الخاطئة الشائعة
يقيس التضخم الشهري التغير في مستوى الأسعار مقارنة بالشهر السابق، بينما يقارن التضخم السنوي سعر السلة نفسها بالشهر المماثل من العام الماضي. أما متوسط التضخم لـ 12 شهراً، فيقارن متوسط المؤشر خلال آخر اثني عشر شهراً بالمتوسط خلال الاثني عشر شهراً التي سبقتها. وبناءً عليه، يعد التضخم السنوي مقياساً إحصائياً رسمياً ولا ينبغي وصفه ببساطة بأنه “التضخم الذي يشعر به الناس”؛ إذ يعتمد التضخم الفعلي الذي تعيشه كل أسرة على نمط استهلاكها، وموقعها الجغرافي، ومستوى دخلها، وأسعار السلع والخدمات الأكثر شراءً من قِبلها.
وعندما تتسارع الأسعار، عادة ما يرتفع متوسط التضخم لـ 12 شهراً متأخراً؛ لأن الأشهر السابقة ذات التضخم المنخفض تظل داخل المتوسط. ومن ثم، فإن الفجوة بين التضخم السنوي البالغ 83.9% ومتوسط التضخم لـ 12 شهراً البالغ 57.7% لا تمثل تناقضاً بقدر ما تعد مؤشراً على أن الموجة التضخمية قد تكثفت وتسارعت بشكل حاد في الأشهر الأخيرة.
تضخم الأغذية، عدم المساواة الجغرافية والضغط على محدودي الدخل
تتمثل الميزة الأكثر خطورة للموجة الحالية في تركزها في السلع الأساسية؛ فوفقاً للأرقام المنسوبة لمركز الإحصاء، بلغ التضخم السنوي للأغذية والمشروبات والتبغ قرابة 130% في مايو 2026. وبعبارة أخرى، تضاعف مستوى أسعار هذه المجموعة بأكثر من المرتين في عام واحد. وسجل متوسط التضخم لـ 12 شهراً للمجموعة نفسها نحو 83%، مما يبرهن مجدداً على التسارع الأخیر في أسعار المواد الغذائية.
وجاء العبء الجغرافي متفاوتاً بدوره؛ حيث سُجل التضخم السنوي بنسبة 80.8% للأسر الحضرية و101.8% للأسر الريفية. وقد يعكس هذا التباين الاختلافات في تركيبة استهلاك الأسر، والحصة الأكبر للغذاء في ميزانيات سكان الأرياف، وتكاليف النقل، ومحدودية الوصول إلى الأسواق التنافسية، والفوارق في الأسعار المحلية.
وعلى امتداد شرائح الدخل، تراوح التضخم السنوي بين 55.9% للشريحة الإنفاقية الأكثر ثراءً و63.2% للشريحة الثانية من القاع (الأكثر فقراً)، مما خلق فجوة تضخمية بلغت 7.3 نقطة مئوية. ويسلط هذا النمط الضوء على الطبيعة التنازلية للتضخم: فكلما زادت حصة الغذاء والإيجار والطاقة في ميزانية الأسرة، التهمت الأسعار المرتفعة شطراً أكبر من دخلها الحقيقي.
لذا، لا يكفي المعدل الوطني العام لتقييم مستويات المعيشة؛ فقد تعيش أسرتان تختلفان في الدخل والموقع معدلات تضخم متباينة تماماً. وبالنسبة لأسرة ريفية ذات دخل محدود، تكون المؤشرات التفصيلية الرسمية أقرب إلى واقعها المعيشي من المتوسط الوطني العام، رغم أن تلك المؤشرات لا تلتقط بالضرورة كل تغير في الأسواق المحلية.
الأجور، السلة الغذائية وفقدان القدرة الشرائية
رفع المجلس الأعلى للعمل في النظام الحد الأدنى للأجر الأساسي للعام الإيراني 1405 (الذي بدأ في مارس 2026) بنسبة 60% ليصل إلى قرابة 16.625 مليون تومان شهرياً (حيث يعادل المليون تومان نحو 6.50 دولار أمريكي وفقاً لسعر الصرف في السوق الحرة بتاريخ 17 يونيو 2026). وأعلن أن الحد الأدنى للدخل الإجمالي الشهري للعامل الأعزب دون خبرة سابقة يبلغ حوالي 21.826 مليون تومان، بينما بلغ دخل العامل المتزوج الذي يعول طفلين قرابة 26.151 مليون تومان. وخلال المفاوضات نفسها، قدرت كلفة سلة المعيشة الشاملة للعمال بنحو 42.9 مليون تومان شهرياً.
وفي المقابل، أظهرت التقديرات المستندة إلى السلة الغذائية المدعومة من وزارة الرفاه ومتوسط الأسعار المنشورة من مركز الإحصاء، أن كلفة السلة الغذائية المحدودة لأسرة مكونة من أربعة أفراد بلغت 21.212 مليون تومان في مايو 2026؛ ولم تشمل هذه السلة تكاليف الإيجار، والنقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والملابس، أو الاتصالات.
وبناءً على ذلك، التهمت السلة الغذائية المحدودة وحدها نحو 81% من الدخل الأدنى للعامل المتزوج الذي يعول طفلين؛ أما بالنسبة للعامل الأعزب، فقد تساوت كلفة هذه السلة تقريباً مع كامل دخله الشهري. ولم يغطِ الحد الأدنى لدخل الأسرة المكونة من أربعة أفراد سوى 61% من كلفة سلة المعيشة المتوافق عليها في المجلس الأعلى للعمل، مع الإشارة إلى أن هذه النسب حُسبت قبل اقتطاع التأمينات والخصومات الأخرى، ودون احتساب إيجار السكن.
وقد تبدو الزيادة الاسمية في الأجور بنسبة 60% كبيرة في البداية؛ ولكن عندما يبلغ التضخم السنوي العام 83.9% وتضخم الأغذية قرابة 130%، فإن القدرة الشرائية للأجور المخصصة للاحتياجات الأساسية تنحدر فعلياً. ولا تكمن المشكلة في مستوى الأجور فحسب، بل في الفجوة الزمنية بين تعديل الأجور والارتفاع المستمر في الأسعار؛ فالأجور تُراجع عادة مرة واحدة في السنة، بينما تتغير الأسعار كل شهر.
لماذا بات التضخم مزمناً؟
نمو السيولة والقاعدة النقدية
تظهر البيانات الأخيرة الصادرة عن البنك المركزي أن نمو السيولة على مدار اثني عشر شهراً بلغ قرابة 47.3% في فبراير 2026، بينما نمت القاعدة النقدية بنسبة 54.7%. وعندما تتوسع النقود وأشباه النقود بسرعة تفوق الإنتاج الحقيقي، يتصاعد الضغط المحتمل على الأسعار، وإن كانت قوة وزمن انتقال هذا الأثر إلى التضخم يعتمدان على سرعة دوران النقود، والتوقعات، وظروف الإنتاج.
عجز الموازنة والاختلالات المصرفية
يقود عجز الموازنة الهيكلي، والديون الحكومية، والالتزامات خارج الموازنة، والاختلالات داخل النظام المصرفي، إلى توسيع القاعدة النقدية والائتمان. وكان مركز أبحاث البرلمان قد حذر، قبل الطفرة الأخيرة، من تفاقم الاختلالات المالية والمصرفية؛ فعندما لا يحظى الإنفاق الجاري بدعم من إيرادات مستدامة، فإن تمويل العجز عبر الشبكة المصرفية أو موارد البنك المركزي يعزز الركائز النقدية للتضخم.
سعر الصرف، العقوبات وتكاليف المعاملات
يعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل مكثف على السلع الوسيطة المستوردة، والمواد الخام، والأدوية، والأعلاف الحيوانية، والمعدات. ويؤدي تراجع قيمة الريال، والقيود المفروضة على التحويلات المالية، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وصعوبة الحصول على النقد الأجنبي، إلى رفع كلفة الواردات والإنتاج المحلي. وتؤكد الدراسات التطبيقية الخاصة بإيران أن اشتداد العقوبات، والذي يعمل جزئياً عبر قناة سعر الصرف، يرتبط بتضخم أعلى وإنتاج أقل.
حذف سعر الصرف التفضيلي وصدمات الحرب
يمكن لتغيير سياسة سعر الصرف للسلع الأساسية أن يقلص الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق؛ ولكن إذا نُفذ دون دعم مستهدف، وتنافسية كافية، واحتياطيات وافية واستقرار في سعر الصرف، فإنه قد يفجر ارتفاعاً مفاجئاً وحاداً في أسعار المواد الأساسية. واستناداً إلى المعدلات الرسمية، حسب الخبير الاقتصادي محمد تقي فياضي أن متوسط التضخم الشهري قفز من قرابة 3.6% قبل يناير 2026 إلى نحو 7.34% بعده؛ وعزا هذا الارتفاع الحاد إلى حذف سعر الصرف التفضيلي والصدمة اللاحقة المرتبطة بالحرب، وهي الأرقام التي تمثل قراءة خبيرة للبيانات الرسمية.
التوقعات وتراجع الثقة في العملة الوطنية
في اقتصاد تضخمي، لا تستجيب الشركات والأسر للتكاليف الحالية فحسب؛ بل تؤدي توقعات الارتفاعات المستقبلية في أسعار الصرف والسلع إلى تغيير سلوكياتها الاقتصادي؛ حيث يسهم تعجيل المشتريات، وتقليص الحيازات بالريال، والتسعير بهوامش أمان أوسع، وتقصير مدد العقود، في تسريع انتقال الصدمات. وفي مثل هذه البيئة، قد تؤثر حتى أخبار الاتفاق أو فشل المفاوضات في أسعار الصرف والسلع قبل حدوث أي تغيير فعلي في المعروض من العملات الأجنبية.
هل تقترب إيران من التضخم الجامح؟
في الأدبيات الاقتصادية الكلاسيكية، يُعرف التضخم الجامح عموماً بأنه زيادة تتجاوز 50% في مستوى الأسعار خلال شهر واحد. وإن التضخم الشهري البالغ 8.8% في مايو يعد شديد الخطورة والتدمير، ولكنه وفقاً لهذا التعريف لا يمثل تضخماً جامحاً بعد؛ كما أن التضخم السنوي المكون من ثلاثة أرقام لا يترادف بالضرورة مع التضخم الجامح الكلاسيكي.
ولإيضاح مدى خطورة الرقم الشهري، إذا تكررت زيادة بنسبة 8.8% شهرياً دون تغيير لمدة اثني عشر شهراً، فإن المعدل السنوي المركب سيبلغ نحو 175%؛ وهذا مجرد سيناريو رياضي وليس توقعاً قطيعاً، لأن تأثيرات سنة الأساس، والسياسة الاقتصادية، وسعر الصرف، والمعروض من السلع، والتطورات السياسية ستتغير في الأشهر اللاحقة.
وقد ميز ولي الله سيف، المحافظ الأسبق للبنك المركزي، بدوره بين “التضخم المزمن المرتفع للغاية” و”التضخم الجامح الكلاسيكي”؛ مصنفاً نمو السيولة، وعجز الموازنة، وتقلبات أسعار الصرف، والصدمات الجيوسياسية، وتراجع الثقة في العملة الوطنية كمنظومة مخاطر مجتمعة يجب التعامل معها بجدية بالغة، وتكمن القيمة التحليلية لهذا التقييم في تحذيره من مسار خطير وليس في ادعاء أن التضخم الجامح قد بدأ بالفعل.
سوق العمل والتبعات الاجتماعية للتضخم
بالنسبة لشتاء 2025-2026، سجل مركز الإحصاء معدل بطالة بنسبة 7.6% بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 15 عاماً فما فوق، ومعدل مشاركة اقتصادية بنسبة 39.7%. وبلغ عدد السكان في سن العمل (15 عاماً فما فوق) قرابة 66.5 مليون نسمة، في حين اقترب عدد السكان النشطين اقتصادياً من 26.4 مليون نسمة؛ مما يعني أن أكثر من 40 مليون شخص في سن العمل كانوا خارج القوى العاملة.
ولا يعد معدل البطالة المنخفض نسبياً بمفرده دليلاً على صحة سوق العمل؛ لأنه يقيس فقط أولئك العاطلين عن العمل الذين يبحثون بنشاط عن وظائف داخل القوى العاملة. ويمكن أن يؤدي انخفاض معدل المشاركة إلى إبقاء معدل البطالة منخفضاً حتى عندما يعجز الاقتصاد عن خلق فرص كافية؛ لذا يجب أن يأخذ تحليل التضخم ومستويات المعيشة في الاعتبار البطالة المقنعة، والانسحاب من سوق العمل، وجودة الوظائف، والأجور الحقيقية.
ويغير التضخم المرتفع من أنماط التوظيف؛ حيث يصبح تعدد الوظائف، والعمل الإضافي الإجباري، ودخول المزيد من أفراد الأسرة إلى سوق العمل، وتوسع العمل غير الرسمي، وسائل للتعويض عن القدرة الشرائية المفقودة. وقد ترفع هذه الاستراتيجيات دخل الأسرة الاسمي، ولكنها تفعل ذلك على حساب تقليص فترات الراحة، وزيادة الإنهاك البدني، وانعدام الأمان الوظيفي.
وفي قطاع السكن، تدفع الإيجارات المرتفعة الأسر إلى القبول بمنازل أصغر، أو الانتقال إلى مناطق أرخص، أو التشارك في السكن. وفي قطاعي الرعاية الصحية والتعليم، يقود التضخم المواطنين إلى تأجيل المواعيد الطبية، وتقليص شراء الأدوية، والانسحاب من التعليم الخاص، وخفض استثمار الأسر في تطوير المهارات. ولا تظهر هذه الآثار بشكل كامل في أرقام التضخم الرئيسية، لكن تبعاتها طويلة المدى على الرأسمال البشري وتعميق الفوارق الطبقية تبدو جسيمة.
ويمثل الضغط النفسي شقاً آخر من الكلفة الاقتصادية للتضخم؛ فعندما تتغير الأسعار بسرعة، يصبح التخطيط لعدة أشهر قادمة أمراً بالغ الصعوبة. وتفقد المدخرات بالريال قيمتها، وتقصر آجال العقود، وتُتخذ القرارات الحياتية الكبرى -من الزواج والإنجاب إلى شراء مسكن أو الهجرة- في ظل حالة من انعدام اليقين الشديد.
قراءة تحليلية: كيف حولت السياسات الأيديولوجية ثروات الشعب الإيراني إلى وقود لحروب البقاء؟
يتناول التقرير مظاهر التشوّه الهيكلي في الاقتصاد الإيراني، معتبراً أن الأزمة الراهنة هي نتاج مباشر لتقديم أولويات الاستبداد السياسي والأيديولوجي على الاحتياجات الأساسية للمواطنين مثل لقمة العيش والدواء. ويشير التحليل إلى أن مصادرة الحريات وتبديد المقدرات الوطنية في صراعات خارجية وضعا البلاد على حافة انهيار مالي شامل عجزت الحكومات المتعاقبة عن احتوائه.
ما هو الأثر المحتمل لاتفاق مع الولايات المتحدة؟
قنوات التأثير قصيرة المدى
يمكن لاتفاق يقلص القيود المفروضة على النفط، والتعاملات المصرفية، والتأمين، والنقل أن يساعد في كبح التضخم عبر قنوات عدة: زيادة المعروض من العملات الأجنبية، وخفض تكاليف الاستيراد والمعاملات، وتحسين الوصول إلى المواد الخام، وخفض المخاطر والتوقعات التضخمية، وتسهيل إمدادات السلع الأساسية. وحتى قبل التنفيذ الكامل، يمكن لتغير التوقعات أن يؤثر في سعر الصرف وأسعار الأصول.
ولن يكون للإفراج عن الأصول المجمدة بالضرورة أثر موحد؛ فإذا استخدمت الأموال لاستيراد السلع الأساسية، وسداد الالتزامات الخارجية وتدعيم الاحتياطيات، فإنها قد تقلص الضغط على المعروض وسعر الصرف. أما إذا حُولت إلى إنفاق بالريال دون انضباط مالي، فقد يتبخر شطر من أثرها الكابح للتضخم؛ ومن ثم، فإن كيفية استخدام الموارد لا تقل أهمية عن قيمتها الإجمالية.
وقد طرح نائب المحافظ الأسبق للبنك المركزي لشؤون النقد الأجنبي، كمال سيد علي، سيناريو متفائلاً يرى أن مبيعات النفط بمعدل 2.5 مليون برميل يومياً، مصحوبة بـ 35 مليار دولار من الصادرات غير النفطية، يمكن أن تخفض التضخم إلى حدود 20%؛ ويجب التعامل مع هذا الطرح كسيناريو خبير وليس كتوقع رسمي، إذ يعتمد تحققه على الوصول الحقيقي للعوائد، واستقرار الصرف، والضبط المالي للموازنة، وتفاعل التوقعات العامة.
تجربة ما بعد الاتفاق النووي: تحسن حقيقي ولكن غير مستدام
تظهر التجربة التي أعقبت إقرار الاتفاق النووي (برجام) أن الزعم بأن الانفراج الخارجي لم يكن له أثر على التضخم يتناقض مع البيانات الرسمية. فوفقاً للسلاسل الزمنية السنوية للبنك المركزي، هبط التضخم من 34.7% في العام الإيراني 1392 (2013-2014) ليصلي إلى 9.0% في 1395 (2016-2017) و9.6% في 1396 (2017-2018). ولم يكن هذا الهبوط نتاج الاتفاق وحده، بل لعبت السياسة النقدية، وظروف سعر الصرف، وضعف الطلب دوراً أيضاً؛ ومع ذلك، أسهم تقليص المخاطر والانفتاح الخارجي في صياغة البيئة الأكثر ملاءمة لتلك الفترة.
وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، عاود التضخم الارتفاع؛ وخلال ستة أعوام من أصل ثمانية أعوام إيرانية ممتدة من 1397 إلى 1404 (2018-2025)، تجاوز المعدل الرسمي للبنك المركزي عتبة 40%. وتدعم هذه التجربة استنتاجين متزامنين: يمكن للاتفاق أن يحدث خفضاً حقيقياً وملموساً في التضخم، ولكنه إذا افتقر إلى الديمومة السياسية ولم يصاحبه إصلاح داخلي، فإن مكاسبه ستظل صيرورة هشة.
لماذا يستبعد أن يؤدي الاتفاق وحده إلى خفض التضخم هيكلياً؟
حتى في ظل سيناريو يقود فيه الاتفاق مع الولايات المتحدة إلى رفع الصادرات النفطية، والإفراج عن الأصول المجمدة وتحسين الوصول إلى النقد الأجنبي، فإن حدوث تراجع كبير ومستدام في معدلات التضخم يظل أمراً مستبعداً من دون تغيير جذري في الأولويات السياسية والاقتصادية للنظام.
ولا يمكن السيطرة على التضخم المزمن إلا إذا جرى كبح الإنفاق الحكومي وعجز الموازنة، ومنع النظام المصرفي من خلق ائتمان غير منضبط، وتمكين البنك المركزي من اتباع سياسة نقدية مستقلة ومتماسكة، وجعل بيئة الأعمال متوقعة بما يكفي لتشجيع الاستثمار الإنتاجي. وقد يخفف الدخل النفطي الإضافي مؤقتاً من الضغط على العملة ويوفر موارد للإصلاح الاقتصادي، ولكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاح نفسه.
وتكمن المعضلة الأكثر عمقاً في طبيعة نظام الحكم؛ إذ وضع النظام باستمرار مسألة الحفاظ على سلطته فوق الرفاه الاقتصادي للشعب الإيراني. وظلت أولوياته الرئيسية تتمثل في تمويل الأجهزة الأمنية والقمعية، وحرس النظام ، والبرامج النووية والصاروخية، وتمويل وتسليح الميليشيات والشبكات الإقليمية؛ في حين عُملت ملفات التنمية الاقتصادية، والرفاه العام، والتوظيف، والرعاية الصحية، والسكن، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين كقضايا ثانوية.
وتعزز التجارب الماضية هذا الاستنتاج؛ فعندما أتيحت للنظام قنوات الوصول إلى عوائد نفطية أكبر أو موارد مالية كانت مقيدة سابقاً، لم يكن هناك أي ضمان لتوجيه هذه الأموال نحو الاستثمارات الإنتاجية أو تحسين مستويات المعيشة. وبدلاً من ذلك، جرى تحويل حصة هائلة من الموارد المتاحة نحو المشاريع العسكرية، والأمنية، والنووية، والإقليمية، فضلاً عن المؤسسات المعتمة التي تعمل خارج أي رقابة عامة ملموسة؛ ولهذا السبب، فإن الإفراج عن الأصول أو زيادة الدخل النفطي لن يترجم تلقائياً إلى أسعار منخفضة أو أمن اقتصادي أكبر للمواطنين البسطاء.
وهناك خطر آخر يتمثل في إمكانية استخدام عوائد النقد الأجنبي الجديدة في المقام الأول لتثبيت سعر الصرف مؤقتاً أو كبح الأسعار عبر التدخل قصير المدى في السوق؛ وهي إجراءات قد تخلق فترة وجيزة من الهدوء النسبي، لكنها تستنزف الاحتياطيات وتمهد الطريق لصدمة عملة أخرى إذا بقيت الأسباب الكامنة للتضخم دون علاج.
إن أي سياسة مستدامة لمكافحة التضخم يجب أن تعالج بالتزامن: التوسع النقدي، وعجز الموازنة، والاختلالات المصرفية، والإنتاج، والتجارة، والاستثمار، والحماية الاجتماعية؛ كما يتطلب دعم الأسر ذات الدخل المحدود أن يكون مستهدفاً ومعدلاً وفقاً للتضخم الفعلي للسلع الأساسية. غير أن سجل النظام لا يعطي سبباً لتوقع أنه سيضع مثل هذه الإصلاحات فوق الاحتياجات المالية لأجهزته الأمنية ومشاريعه الاستراتيجية.
بناءً على ذلك، حتى لو أدى الاتفاق مع الولايات المتحدة إلى تقليص الضغوط الخارجية وإحداث تحسن مؤقت في سوق العملات، فمن المشكوك فيه أن ينخفض التضخم بشكل ملحوظ أو يظل منخفضاً؛ وطالما استمر النظام في تقديم أولويات بقائه، وقمع الداخل، والبرامج النووية والصاروخية، وشبكات الوكلاء الإقليميين على حساب الاقتصاد ورفاهية السكان، فإن أي تحسن سيكون محدوداً، ومؤقتاً، وقابلاً للانتكاس والارتداد في أي لحظة.
- سياسة تجويع متعمد: طغاة طهران يلتهمون قوت الفقراء لتمويل القمع والحروب

- التضخم في إيران وحدود ما يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدة

- سقوط رأس المال الاجتماعي: تهديد أكبر للنظام من الحرب الخارجية

- أزمة المياه في إيران: عندما تلتقي الكارثة البيئية بالانسداد السياسي وسوء الإدارة

- مؤشر انهيار هيكلي: رواية الأجور الصورية وإفلاس النظام الإيراني

- أزمة السكن تلتهم 70% من دخل العائلات: برکان العقارات يعمق فقر الإيرانيين


