البلطجة السياسية خلف واجهة أنصار الشاه.. كيف يقوض الترهيب الممنهج بديل النظام الإيراني المزعوم
لسنوات طوال، حاولت فصائل من أنصار الشاه في الخارج تسويق نفسها على الساحة الدولية باعتبارها الوجه المصقول والبديل الديمقراطي الحديث للمؤسسة الحاكمة. متدثرين بخطاب براق حول الحضارة والإحياء الوطني والتنمية، يقدم هؤلاء صورة مزيفة عن الاعتدال والنضج السياسي. ولكن خلف هذه الواجهة المدارة بعناية، برزت حقيقة أكثر إثارة للقلق، حقيقة تتحدد معالمها بشكل متزايد من خلال الترهيب، وحشود الغوغاء الإلكترونية، والهجمات البذيئة، والبلطجة السياسية المنظمة. ومن الصعب تجاهل هذا التناقض الصارخ؛ فحركة تدعي الدفاع عن الديمقراطية والتعددية كبديل عن النظام الكهنوتي، قد عززت في الممارسة العملية مناخاً يتعرض فيه المنتقدون للمضايقات والتشويه وإسكات الأصوات بشكل روتيني. وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وحتى داخل مجتمعات الشتات الإيراني في أوروبا، أبلغ منتقدو التيار المرتبط بابن الشاه السابق عن موجات من الإساءات المنسقة، والهجمات الشخصية، والتهديدات التي لا تهدف إلى مناقشة الأفكار، بل إلى تدمير السمعة وطرد الأصوات المعارضة من النقاش العام.
هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ السياسي؛ فقد درست المنظرة السياسية حنة آرنت ديناميكيات مشابهة في كتابها أسس التوتاليتارية(شمولیة)، حيث وصفت كيف تعتمد الحركات الاستبدادية وشبه الفاشية غالباً على تحالف هش بين النخب والغوغاء. ووفقاً لآرنت، تقدم الشخصيات القيادية المصقولة صورة محترمة ودبلوماسية للعالم الخارجي، بينما تقوم جهات فاعلة غير رسمية على مستوى الشارع بحملات ترهيب ضد المعارضين. ويقدم هذا الإطار عدسة دقيقة يمكن من خلالها رؤية السلوك الحالي للدوائر المتطرفة المحيطة بابن الشاه.
فبينما يظهر الممثلون الرسميون ببدلات أنيقة، متحدثين بلغة الديمقراطية وحقوق الإنسان في المقابلات والمؤتمرات بالخارج، تطلق شبكات إلكترونية منسقة ونشطاء عدوانيون حملات من الإهانات والمضايقات واغتيال الشخصية ضد الصحفيين والنشطاء والمعارضين والمستخدمين العاديين الذين يتحدون سرديتهم. ويخلق هذا الهيكل المزدوج حالة من الإنكار المعقول، حيث تظل القيادة منفصلة رسمياً عن الانتهاكات، بينما تستفيد سياسياً من مناخ الخوف الذي تنتجه.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي الساحة الرئيسية لهذا الشكل من البلطجة السياسية، حيث وثق العديد من المراقبين والنشطاء كيف تقوم الحسابات المنسقة بتضخيم الخطاب السام، واستهداف الأصوات المستقلة، وإغراق النقاشات بمحتوى مسيء. ونادراً ما يكون الهدف هو الإقناع، بل بالأحرى التعطيل الممنهج، وتحويل الحوار السياسي إلى فوضى عاطفية يصبح فيها النقاش العقلاني أمراً مستحيلاً. ويعكس هذا النمط استراتيجية سياسية أوسع مألوفة لدارسي السلوك الاستبدادي؛ حيث يظل الخطاب الرسمي مصقولاً ومحترماً ظاهرياً، بينما يتحول المجال غير الرسمي إلى ساحة معركة يهيمن عليها الترهيب والإذلال، لتعمل المضايقات المنظمة كآلية إنفاذ غير رسمية لفرض الرأي الواحد.
وقد حذر محللو وسائل الإعلام بشكل متزايد من تسميم الخطاب السياسي بين أجزاء من المعارضة الإيرانية في الشتات. فالكتاب والمعلقون المستقلون الذين يرفضون الانحياز لسرديات أنصار الشاه يواجهون غالباً حملات عدوانية تهدف إلى إرهاقهم نفسياً ومهنياً، مما يدفع الكثيرين في النهاية إلى الانسحاب من النقاش العام تماماً لتجنب الإساءة والتشهير المستمرين. وقد وصفت عالمة الاجتماع الألمانية إليزابيث نويل نيومان هذه الآلية منذ عقود في نظريتها دوامة الصمت، حيث يبدأ الأفراد، خوفاً من العزلة الاجتماعية والإذلال العام، في فرض رقابة ذاتية على أنفسهم عندما يواجهون أغلبيات معادية وعدوانية، أو حتى مجرد مظهر من مظاهر هذه الأغلبيات. وتستغل الحركات الاستبدادية هذا الخوف من خلال جعل المعارضة مكلفة اجتماعياً وعاطفياً.
وهذا بالضبط ما يبدو أنه يتكشف داخل أجزاء من فضاء المعارضة الإيرانية اليوم؛ إذ إن سيل البذاءة والإهانات المنسقة والمضايقات الرقمية ليس عرضياً، بل وظيفته الأساسية هي إسكات الأصوات المستقلة، لا سيما تلك التي تتحدث عن عدم المساواة الاجتماعية، أو الظلم الاقتصادي، أو الحرب، أو التهميش، أو الحقائق المعيشية للإيرانيين العاديين، بدلاً من الترويج للأوهام الأيديولوجية المصنوعة في الخارج. كما تشير المراقبة الرقمية إلى أن هذا السلوك لا يقتصر على أفراد معزولين؛ إذ تظهر أنماط مماثلة بشكل متكرر عبر منصات متعددة، حيث تنشط مجموعات من الحسابات المجهولة أو المزيفة في وقت واحد خلال اللحظات الحساسة سياسياً، وغالباً ما تضخم رسائل متطابقة وتستهدف نفس المنتقدين، مما أثار شكوكاً متزايدة حول وجود تنسيق مركزي وتلاعب منظم بالخطاب عبر الإنترنت.
ومما يثير القلق بالقدر نفسه هو غياب المساءلة. يشير المنتقدون مراراً إلى أنه عندما تُطرح أسئلة صعبة حول البرامج السياسية، أو الهياكل القيادية، أو شفافية التمويل، أو الاستراتيجيات طويلة الأمد لمستقبل إيران، نادراً ما تتبعها إجابات موضوعية. بدلاً من ذلك، تتدهور النقاشات بسرعة إلى هجمات شخصية ومواجهات عاطفية، وتغرق الأسئلة السياسية الجادة تحت أمواج من الغضب والإساءة. وتمتد عواقب ذلك إلى ما هو أبعد من وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالسياسة المعارضة الصحية تتطلب التعددية والتسامح والقدرة على الانخراط في الخلاف دون تجريد الآخر من إنسانيته. وعندما تهيمن تكتيكات الترهيب على المساحات السياسية، لا يبقى مرئياً سوى الفاعلين الأكثر عدوانية وضجيجاً، ليتقلص التنوع الفكري، ويختفي النقاش الدقيق، وتتدهور الثقافة الديمقراطية قبل أن تتاح لها فرصة الظهور.
ومن سخرية القدر أن هذا السلوك يخدم في نهاية المطاف مصالح النظام الإيراني الحاكم في طهران. فالمعارضة المجزأة والسامة غير القادرة على الحوار البناء لا تشكل أي تهديد حقيقي للسلطة الاستبدادية. ومن خلال تعميق الانقسامات، ونشر الخوف، وتطبيع التنمر السياسي، تخاطر شبكات أنصار الشاه هذه بإعادة إنتاج نفس ثقافة القمع التي تدعي معارضتها. وتكمن المأساة في أن العديد من الإيرانيين الذين يسعون إلى التحرر من الديكتاتورية يجدون أنفسهم مضطرين بشكل متزايد لمواجهة أشكال متنافسة من التعصب السياسي بدلاً من البدائل الديمقراطية. وإذا كان لمستقبل إيران أن يكون ديمقراطياً حقاً، فلا بد لحركات المعارضة ألا ترفض الحكومات الاستبدادية فحسب، بل يجب عليها أيضاً اجتثاث الأساليب الاستبدادية التي تسمم الحياة السياسية من الداخل.
- الولايات المتحدة تفرض عقوبات على نائب وزير النفط العراقي وميليشيات مرتبطة بالنظام الإيراني

- جيل يرفض الاستسلام.. رسالة الرفض القاطع من تحت حبال مشانق النظام الإيراني

- جعفر زادة لشبكة نيوزماكس: النظام الإيراني يعيش أضعف مراحله التاريخية

- البلطجة السياسية خلف واجهة أنصار الشاه.. كيف يقوض الترهيب الممنهج بديل النظام الإيراني المزعوم

- الانهيار الاقتصادي في إيران.. دمار الحرب، حجب الإنترنت، وسوق عمل يحتضر في ظل النظام الإيراني

- لم يعد بإمكان العالم تجاهل المقاومة الداخلية في إيران


