أربعة عقود من الروايات المرة: عيد العمال في إيران ليس للـفرح بل لـلغضب
هل يمثل يوم العمال العالمي فرصة للعمال في إيران للاحتفال بشرفهم ومكانتهم؟ هل يجتمعون للاحتفال بفرح وطني؟ الحقائق المريرة، خاصة على مدى العقود الأربعة الماضية، تؤكد أن هذا اليوم لم يعد سوى فرصة نادرة للعامل الإيراني للتعبير عن غضبه العارم تجاه الاستغلال الواسع، والاحتجاج على الغلاء الفاحش في تكاليف المعيشة، وإطلاق صرخة للمطالبة بأبسط حقوقه النقابية والحياتية.
يمثل يوم العمال العالمي تذكيراً بأعمق وأقسى فجوة طبقية في تاريخ إيران؛ حيث استحوذت السلطات الحاكمة على كافة مصادر رأس المال والإنتاج والثروات المعدنية، وحرمت العمال وعموم فئات المجتمع منها، لتضعها تحت تصرفها الخاص واحتكارها المطلق.
لقد تحولت كل أيام السنة بالنسبة للعمال والموظفين والمعلمين والنساء المعيلات في إيران إلى كابوس من الفقر والغلاء المستمر، فأيامهم مليئة بالمعاناة وبلا أفق مأمول. فبعد 47 عاماً، لا يزال العمال محرومين من أي نقابات أو اتحادات مستقلة تمثلهم وتتحدث باسمهم. وقد أوصلت سياسات السلطة الوضع المعيشي إلى حافة الهاوية، ففي شهر مايو من عام 2026 ، انهار الريال الإيراني ليبلغ سعر صرف الدولار الواحد مليون وثمانمائة وخمسين ألف ريال. وفي ظل هذه الكارثة، تُهدر أعمار العمال في طوابير طويلة للحصول على الخبز والدواء والاحتياجات الأساسية. وتشير الإحصاءات إلى أن تكلفة سلة المعيشة لأسرة عمالية واحدة في هذا العام وصلت إلى ما بين 40 إلى 45 مليون تومان شهرياً، في حين أن الحد الأدنى للأجور يقارب 15 مليون تومان فقط، مما يعني أن الحد الأدنى يجب أن يرتفع إلى حوالي 31 مليون تومان لتعويض هذه الفجوة الهائلة.
أما بالنسبة للعمال المياومين، فالوضع أكثر مأساوية؛ حيث حُددت الأجرة اليومية للعامل في عام 2026 ، وفقاً لقرار المجلس الأعلى للعمل، بمبلغ زهيد قدره 5,541,850 ريالاً مقابل 8 ساعات من العمل اليومي المنهك.
ولم تتغير مطالب العمال في عام 2026 عن تلك التي رفعوها في العقود السابقة، فهي لا تزال تتركز حول تأمين الحد الأدنى من الحقوق المهنية والإنسانية. وتشمل هذه المطالب: حظر عمالة الأطفال وتوفير التعليم المجاني لهم، وتطبيق أعلى معايير السلامة في بيئات العمل، وإلغاء القوانين التمييزية ضد النساء والعمال المهاجرين.
وفي هذا السياق، تضاعف حجم الاستغلال والمعاناة التي تواجهها النساء العاملات مقارنة بالعقود الماضية، حتى أُجبرن على العمل في أفران الطوب في ظروف لا تُحتمل. وتُصنف النساء العاملات في إيران كأرخص قوة عاملة في البلاد، حيث يعانين من ظروف توظيف أسوأ بكثير من الرجال، مع افتقارهن للحماية القانونية وتلقيهن أجوراً ومزايا أقل. وتتفاقم معاناتهن بشكل خاص في الورش الصغيرة، في حين تشكل النساء اليوم نصف العمالة في أفران الطوب وتتحمل ظروفاً شاقة للغاية.
من ناحية أخرى، أدى تزامن أزمة بطالة العمال الإيرانيين مع توظيف العمال الأجانب بأجور بخسة إلى تعميق أزمة العمل والسكن وزيادة معدلات الفقر والهجرة. وظلت هذه الأزمة دون حسم حتى أواخر صيف عام 2025، حيث أشار خبراء اقتصاديون إلى أن معظم المصانع في مدينة عباس آباد الصناعية كانت شبه معطلة بسبب نقص العمالة، فرغم انتشار إعلانات التوظيف إلا أن العثور على أيدي عاملة أصبح صعباً. وفي الوقت ذاته، أكد رئيس نقابة بناة المساكن في طهران أن أكثر من 50% من عمال البناء في العاصمة كانوا من الرعايا الأفغان، وأن خروجهم المفاجئ أدى إلى تعطل وارتباك العديد من المشاريع العمرانية.
وخلال العام الماضي، وإلى جانب الضغوط المعيشية الخانقة التي تعتصر حياة العمال، أصبحت أجسادهم وأرواحهم أيضاً ضحية لانعدام الأمن والسلامة المهنية، وهي فواجع نادراً ما تغطيها وسائل الإعلام الرسمية. ففي غضون 12 شهراً (من مايو 2025 إلى مايو 2026)، فقد ما لا يقل عن 586 عاملاً حياتهم في حوادث عمل مأساوية، بينما وثقت مؤسسات مستقلة 302 حالة وفاة أخرى لم يشر إليها المسؤولون بتاتاً؛ وذلك بسبب غياب الشفافية وتكتم الجهات المعنية، مما يمنع وصول معظم الإحصائيات الحقيقية لحوادث العمل إلى الرأي العام.
وكان التصدي لخصخصة المصانع والشركات الحكومية أحد الدوافع الرئيسية للاحتجاجات العمالية الواسعة والمستمرة خلال العام الماضي. ولمواجهة هذا الحراك السلمي، لجأت الأجهزة الأمنية إلى إجراءات تعسفية شملت تخفيض الأجور، واعتقال العمال وسجنهم لصالح أرباب العمل والمستفيدين المتنفذين. ورغم مساعي القمع، أثبتت استمرارية الاحتجاجات صلابة الإرادة العمالية؛ حيث شهد العام الماضي تنظيم 682 تجمعاً عمالياً، و691 تجمعاً نقابياً، بالإضافة إلى تنفيذ 383 إضراباً عمالياً و39 إضراباً نقابياً.
مع كل هذا، يتضح أن المسار الذي تتخذه الحركة العمالية في إيران ليس مساراً نقابياً ومطلبياً فحسب، ولن يصل العمال إلى غاياتهم التاريخية عبر هذا الباب وحده. فالنتيجة واضحة: إن حقوق ومستقبل ومصير العمال في إيران باتت ترتبط ارتباطاً وثيقاً لا انفصام فيه بمصير الحرية، والمساواة، وحقوق الإنسان، ورفض الديكتاتورية المتمثلة في نظام ولاية الفقيه.
- حرب وعقوبات وانهيار: اقتصاد النظام الإيراني على حافة الهاوية

- رسالة السيدة مريم رجوي بمناسبة يوم العمال العالمي

- فضيحة مدوية تضرب النظام الإيراني.. عائلة خرازي تدير منصة رقمية لتمويل حرس النظام الإيراني

- أربعة عقود من الروايات المرة: عيد العمال في إيران ليس للـفرح بل لـلغضب

- الحد الأدنى للأجر اليومي للعامل الإيراني يعادل «ثلاثة دولارات» فقط

- البطالة في إيران: المحرك الصامت للتآكل المجتمعي


