بُناة بلا مأوى.. سياسات النظام الإيراني تسحق عمال البناء في إيران
دفعت المغامرات العسكرية والأزمات الهيكلية المتراكمة للنظام الإيراني شريحة عمال البناء في البلاد نحو حافة الانهيار التام، لتترك أكثر من 1.2 مليون أسرة عاملة تصارع الفقر المدقع دون أي دخل أو حماية اجتماعية أو حتى بصيص أمل. لقد أدت الحرب الأخيرة إلى شلل كامل في هذا القطاع الحيوي، ليجد جيش من العمال، أنهكه أصلاً ركود سوق الإسكان، نفسه مدفوناً تحت أنقاض تكاليف المعيشة الساحقة وغياب أي شبكة أمان.
شلل القطاع وفقدان الأمان
لقد كان قطاع البناء في إيران يحتضر حتى قبل اندلاع الصراع العسكري. فرغم حاجة البلاد الماسة لمليون وحدة سكنية سنوياً، بالكاد بلغ البناء الفعلي ثلث هذا الرقم في السنوات الأخيرة. ومع اندلاع الحرب، هوى هذا القطاع الهش إلى مستوى كارثي، حيث انخفضت أنشطة البناء إلى 20% فقط مقارنة بالعام الماضي، مما تُرجم ميدانياً إلى فقدان شبه كامل لمصادر الدخل لملايين العمال.
وتتجسد المأساة الكبرى في بنية التوظيف لهؤلاء العمال؛ فبسبب غياب أصحاب عمل دائمين، يُحرمون من أبسط حقوق الحماية الاجتماعية، وعلى رأسها تأمين البطالة. ومع توقف المشاريع، تقطعت بهم السبل تماماً. بل إن نصف هذا الجيش العمالي يفتقر حتى لتأمين التقاعد، في قطاع يُسجل أعلى معدلات إصابات العمل، مما يجبر الكثيرين على مواصلة العمل الشاق رغم الشيخوخة والمرض.
مفارقة قاسية: بُناة المنازل يفترشون العراء
في مفارقة بالغة القسوة، يجد أولئك الذين يبنون المنازل أنفسهم الفئة الأكثر افتقاراً للسكن في إيران. فقرابة 90% من عمال البناء هم من المستأجرين. وبلا رواتب ثابتة أو قسائم دفع رسمية، يُحرمون من برامج الإسكان الحكومية والقروض المصرفية. واليوم، يبتلع الإيجار ما بين 60% إلى 70% من نفقاتهم، ويتزامن ذلك مع تضخم غذائي بلغ ثلاثة أرقام، مما يعرض آلاف العائلات لخطر الطرد إلى الشوارع.
وحتى الملاذات التقليدية للعاطلين، كالبيع المتجول أو العمل كسائقي سيارات أجرة، باتت مستحيلة؛ إذ قفز سعر أرخص سيارة في إيران إلى نحو مليار تومان، أي ما يعادل الدخل الإجمالي للعامل لخمس سنوات كاملة!
تدمير البنية التحتية وهروب رؤوس الأموال
لم تكتفِ الحرب بسحق الطلب، بل أدت إلى قفزة جنونية في تكاليف البناء نتيجة تدمير البنية التحتية الصناعية. فقد تسببت الضربات التي استهدفت كبرى مصانع الصلب، والتي كانت توفر ثلث احتياجات البلاد، في موجات صدمة بأسواق المواد الأساسية. وتضاعفت أسعار الأنابيب وحديد التسليح، لتقفز تكلفة البناء في طهران بنسبة 55% لتصل إلى رقم خيالي يبلغ 45 مليون تومان للمتر المربع الواحد.
هذا الارتفاع الصاروخي دفع المستثمرين للهروب الفوري من السوق الإيرانية وتوجيه رؤوس أموالهم نحو الدول المجاورة كالإمارات وعُمان وتركيا. ورغم تضرر نحو 110 آلاف مبنى جراء الحرب وحاجتها الماسة لإعادة الإعمار، فإن حالة عدم اليقين والعجز المالي الحكومي الخانق يحولان دون عودة المستثمرين.
ضحايا أطماع النظام
اليوم، يجد عمال البناء في إيران أنفسهم منبوذين في السلم والحرب؛ محرومين من الأمن الاقتصادي في أوقات الاستقرار، ومن الحماية القانونية في أوقات الأزمات. لقد استُنزفت مدخراتهم الشحيحة وتلاشت سبل عيشهم.
في النهاية، إن السياسات التي انتهجها النظام الكهنوتي – عبر تبديد ثروات الأمة على الطموحات النووية والبرامج الصاروخية والميليشيات الوكيلة – هي التي توجت بحرب دمرت اقتصاد البلاد وسحقت الطبقات الأكثر ضعفاً. إن التداعيات الاجتماعية لهذا الانهيار الطبقي ستكون، بلا شك، أشد فتكاً وتدميراً من الأضرار المادية للحرب، وستشكل وقوداً لانفجار شعبي قادم لا محالة.
- بطاقات التموين في اقتصاد الملالي الريعي: مسكنات واهية تخفي عجزاً بنيوياً

- رغيف الخبز في معركة البقاء: الإفلاس الاقتصادي لنظام الملالي يطال قوت الملايين

- اعترافات خبراء النظام في طهران: الأزمة الاقتصادية نتاج استبداد سياسي وعقم بنيوي

- أزمة بقاء وراء لافتات انتصارات وهمية: تفكك العمق الاستراتيجي لسلطة الاستبداد

- حرب سيبرانية ضد مستقبل: كيف أحرق حجب الإنترنت الاقتصاد الرقمي في إيران؟

- فساد جامعة الاحتكارات وتزييف وعود الانفتاح: فضيحة أسعار السيارات الفارهة في إيران


