كواليس المفاوضات الخفية بين واشنطن ونظام الملالي
تتوالى المؤشرات على وجود مفاوضات سرية أو غير مباشرة بين الولايات المتحدة ونظام الملالي في إيران، تتخللها تصريحات متفائلة من جانب مسؤولين أمريكيين، يقابلها نفي وتعتيم من طهران، مما يرسم صورة معقدة من المناورات السياسية، وتكتيكات كسب الوقت، ومخاوف داخلية عميقة لدى النظام من تقديم تنازلات جوهرية، خاصة فيما يتعلق بملفه النووي.
ففي تصريحات لافتة يوم الأحد، 25 مايو/أيار، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين: “من المهم جداً أننا أجرينا محادثات جيدة للغاية مع إيران يوم أمس واليوم. علينا الآن أن نرى ما سيحدث، لكنني أعتقد أنه قد تكون لدينا أخبار جيدة بشأن الموضوع الإيراني”. وأضاف ترامب: “لا أعرف ما إذا كنت سأقدم لكم أخباراً جيدة أو سيئة في اليومين المقبلين، لكنني أشعر بأنني قد أقدم أخباراً جيدة. لقد حققنا تقدماً حقيقياً، تقدماً جاداً”. ورداً على سؤال حول إمكانية عقد جولة أخرى من المفاوضات قريباً، قال ترامب: “قريباً جداً. لا أستطيع أن أقول ما سيحدث غداً بشأن محادثات إيران، يمكنني فقط القول إن هذه المحادثات سارت بشكل جيد للغاية. أود أن يحدث هذا، لأنني لا أرغب في إلقاء القنابل ومقتل الكثير من الناس”.
هذه التصريحات المتفائلة من الجانب الأمريكي، والتي ألمح إليها أيضاً المفاوض الإيراني عراقجي بالإشارة إلى “مقترحات عمانية قيد الدراسة لرفع العقبات”، تقابلها رواية مختلفة تماماً من طهران، تتسم بالتشدد الظاهري والرفض القاطع لأي تنازلات تمس ما تعتبره “حقوقاً مسلمة”.
نظام الملالي: نفي وتصلب في المواقف المعلنة
في مؤتمر صحفي عقده يوم الاثنين، 26 مايو/أيار، سعى المتحدث باسم وزارة خارجية النظام، بقائي، إلى دحض الاتهامات الموجهة لإيران بالسعي لكسب الوقت أو إحداث شرخ بين أوروبا والولايات المتحدة. ورداً على سؤال حول هذه الاتهامات، قال بقائي: “أعتقد أنه من الجيد توضيح الأمور بشأن الأخبار الملفقة أو التقارير الإعلامية المتعلقة بموضوع المفاوضات، أو علاقة إيران بأوروبا، أو المفاوضات المحتملة بين إيران وأمريكا… إذا تذكرتم، حتى قبل عدة أسابيع، وفي ردي على سؤال حول سبب إجراء المفاوضات أسبوعياً، قلت إنه من وجهة نظر جمهورية إيران الإسلامية، ليس لدينا أي مشكلة في مواصلة المفاوضات لفترة أطول وتخصيص المزيد من الوقت، ولكن هذا موقفنا، وعلى الطرف الآخر أيضاً أن يتخذ قراراً بهذا الشأن. لذا أعتقد أنه من الواضح للجميع أننا دخلنا هذه العملية بجدية وهدف وبنية التوصل إلى تفاهم عادل ومنصف ومبني على الحقائق”.
وعند سؤاله عن تفاصيل المقترح العماني وما إذا كان يشمل حق إيران في التخصيب، وموعد ومكان الجولة القادمة، أجاب بقائي: “الزمان والمكان التاليان لم يتحدد بعد. نحن نتشاور مع الجانب العماني… ما هو واضح تماماً، وربما لا يحتاج إلى تأكيد، هو أن موضوع التخصيب، كجزء لا يتجزأ من الطاقة النووية السلمية والصناعة النووية لجمهورية إيران الإسلامية، يجب الحفاظ عليه حتماً. ليس مسموحاً لنا على الإطلاق بإبداء أدنى مرونة في هذا الشأن، وبالتالي فإن المقترحات التي تُطرح من أطراف مختلفة، بما في ذلك عمان، يجب أن تأخذ هذا الخط الأحمر شديد الوضوح لدينا في الاعتبار. إذا كان الهدف هو حرمان إيران من حقوقها المسلمة بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فنحن بالتأكيد لا نعتقد أن هذه العملية ستؤدي إلى نتيجة”.
كما نفى بقائي نفياً قاطعاً صحة تقرير لوسيلة إعلام إيطالية زعمت أن إيران أعلنت استعدادها لوقف تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات للتوصل إلى اتفاق، واصفاً ذلك بأنه “من نسج خيال منتج هذا الخبر”. وحول زيارة رئيس النظام، بزشكيان، إلى مسقط وتكهنات عقد جولة سادسة من المفاوضات هناك، أكد بقائي أن الزيارة ثنائية تهدف لتعزيز العلاقات، وأن خبر عقد المفاوضات غير صحيح.
وفيما يتعلق بمقترح إنشاء كونسورتيوم إقليمي للتخصيب، أوضح بقائي أن إيران تدعم أي عملية تقوم على مشاركة دول المنطقة لتخصيب وإنتاج الوقود النووي للأغراض السلمية، لكنه شدد على أن “هذه المبادرة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون بديلاً عن التخصيب داخل إيران”. وحول ما إذا كانت مخزونات اليورانيوم المخصب قد نوقشت، أفاد بأن المحادثات لم تصل بعد إلى التفاصيل المتعلقة بكيفية التعامل مع هذا الموضوع.
وتأتي هذه المناورات الدبلوماسية والتصريحات المتناقضة في ظل ضغوط داخلية وخوف عميق لدى أجنحة في النظام من تقديم تنازلات كبيرة قد تُفسر على أنها “تجرع للسم النووي”. وفي هذا السياق، اضطر علي شمخاني، الذي تعرض الأسبوع الماضي لهجوم من قبل المتشددين الموالين للوالي الفقيه بسبب تصريحات فُهم منها استعداد النظام لتقديم تنازلات كبرى بما في ذلك إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، إلى التراجع ومحاولة تجميل موقفه. فكتب على حسابه في منصة “إكس”: “بعد التصريحات الصريحة والاستراتيجية لخامنئي الموجهة لأمريكا والتأكيد على سياسات النظام المستقلة في البرنامج النووي السلمي، صمتت أصوات التهديدات من واشنطن تماماً! الصمود والاقتدار المنطقي أبطلا لغة الضغط.”
وتكشف هذه الصورة المعقدة عن استراتيجية نظام الملالي القائمة على محاولة كسب الوقت، وتقديم روايات متعددة للاستهلاك الداخلي والخارجي، مع التمسك ظاهرياً بمواقف متشددة فيما يتعلق بالملف النووي، وخاصة مسألة التخصيب. فبينما تُظهر تصريحات ترامب وجود قناة تفاوضية نشطة قد تحمل بعض التفاؤل الحذر من الجانب الأمريكي، فإن تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وخاصة نفي أي استعداد للمساس ببرنامج التخصيب أو القبول بـ”السم النووي”، تُبقي الباب مفتوحاً أمام جميع الاحتمالات، بما في ذلك استمرار حالة الجمود أو حتى انهيار المفاوضات برمتها إذا لم يتمكن النظام من تحقيق أهدافه عبر هذه المناورات.
- الابتزاز النووي والإرهاب الداخلي: النظام الإيراني يتخبط في أزمات السقوط
- تحذير غروسي: مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب سيبقى تهديدًا حتى بعد الحرب
- كايا كالاس: الاتحاد الأوروبي يعاقب 19 مسؤولاً وكياناً تابعاً للنظام الإيراني
- علي رضا جعفرزاده لشبكة نيوزماكس: لا حاجة لتدخل عسكري أمريكي، والشعب الإيراني والمقاومة المنظمة هما الحل لإسقاط النظام
- تكتيكات الخداع وتصدير الأزمات: المقاومة الإيرانية تحذر من نوايا طهران النووية
- تصاعد التوترات النووية: تحركات عسكرية ومواقف أمريكية حازمة تجاه طهران







