التكاليف الخفية للتعليم العام في إيران
أثار مقطع فيديو انتشر مؤخرًا على وسائل التواصل الاجتماعي جدلًا متجددًا حول تسليع التعليم العام في إيران. يُظهر الفيديو مشادة حادة بين مدير مدرسة ووالد أحد الطلاب، حيث يعترف المدير علنًا بطرد الطالب، متذرعًا بتدني مستواه الدراسي، في حين أن السبب الحقيقي كان عجز والده عن دفع الرسوم الدراسية المفروضة.
يظهر الأب في الفيديو وهو يعبر عن غضبه ويكرر تساؤله: “هل يُطرد ابني فقط لأنه لم يدفع الرسوم في مدرسة حكومية؟”. لكن المدير، دون أي تردد، يصرّح بأنه يدير نفقات المدرسة من الأموال التي يجمعها من العائلات، ويتحدى الأب بالقول: “بإمكانك تقديم شكوى إلى وزارة التربية والتعليم، أنا لا أخشى أحدًا”.
هذه العبارة – “يمكنك الشكوى إلى وزارة التربية، أنا لا أخشى أحدًا” – تجد صداها بين العديد من العائلات الإيرانية، حيث تواصل السلطات التعليمية التأكيد رسميًا على أن فرض الرسوم الدراسية في المدارس الحكومية أمر غير قانوني. إلا أن الواقع يعكس صورة مختلفة تمامًا، حيث تُجبر العائلات على دفع مبالغ مالية باهظة، ويواجه من يعجز عن الدفع خطر طرد أبنائهم من المدرسة، كما أظهر الفيديو الأخير.
من غير المنطقي الاعتقاد بأن هذه الممارسات الواسعة الانتشار تتم دون علم أو موافقة ضمنية من وزارة التربية والتعليم الإيرانية. فمن خلال الإصرار على أن التعليم في المدارس العامة مجاني، تتجنب الوزارة الانتقادات حول التوسع المتزايد في خصخصة التعليم، بينما تتيح للمدارس فرض رسوم دراسية تحت مسمى “المساهمات الطوعية”، مما يجبر العائلات على تحمل جزء كبير من نفقات المدارس.
وتشير التقارير إلى أن بعض المدارس تحتجز نتائج الطلاب في نهاية العام الدراسي كوسيلة ضغط لإجبار الأسر على دفع الرسوم غير المسددة. وفي بعض الحالات القصوى، يُطلب من الآباء غير القادرين على الدفع تقديم خدمات للمدرسة بدلاً من المال، كما حدث مع أم عزباء أُجبرت على تنظيف مرافق المدرسة كتعويض عن الرسوم الدراسية.
تتنافى هذه الممارسات بشكل صارخ مع المادة 30 من دستور النظام الإيراني، التي تنص بوضوح على أن “الدولة ملزمة بتوفير التعليم المجاني للجميع حتى نهاية المرحلة الثانوية، وتوسيع نطاق التعليم العالي المجاني وفقًا لقدرات البلاد”. كما أن اللوائح التعليمية الرسمية تؤكد أن فرض أي رسوم دراسية إلزامية في المدارس العامة يعد أمرًا غير قانوني، إلا أن هذه القوانين تظل مجرد شعارات جوفاء دون أي تنفيذ فعلي.
في أواخر سبتمبر 2024، ظهر علي فرهادي، نائب وزير التخطيط وتطوير الموارد التعليمية، في برنامج تلفزيوني قبيل بدء العام الدراسي، حيث قلل من شأن المشكلة، مدعيًا أن “فقط عدد قليل من المدارس الحكومية يجمع الأموال من العائلات”، وأن مساهمات الأهالي “طوعية”. كما زعم أن أي شكاوى سيتم حلها خلال ثلاثة أيام.
لكن الواقع على الأرض يعكس صورة مختلفة. فعندما يتجاهل مديرو المدارس اعتراضات الأهالي ويوجهونهم لتقديم شكاوى إلى وزارة التربية والتعليم، يتضح أن جمع الرسوم يتم بتنسيق كامل وموافقة رسمية من السلطات.
في الوقت نفسه، يتم تحويل جزء كبير من ميزانية التعليم في إيران لخدمة مصالح النظام الإيراني بدلًا من تلبية احتياجات الطلاب. إذ يُجبر آلاف الطلاب سنويًا على ترك الدراسة بسبب الضغوط المالية التي تواجهها أسرهم، مما يؤدي إلى فقدان مؤسف للمهارات والمواهب الشابة.
والأمر لا يتوقف عند ذلك، إذ يتم توظيف 20,000 ملا تحت ما يسمى بـ “خطة أمين”، بتمويل حكومي، لإدخالهم إلى المدارس بهدف نشر أيديولوجية النظام الإيراني. كما خصصت بلدية طهران 550 مليار تومان ضمن ما يُعرف بـ “خطة آرمان” لإرسال الملالي إلى المدارس، مما يُظهر أن الأولوية تُمنح لغرس العقيدة السياسية بدلاً من تطوير العملية التعليمية.
إن تسليع التعليم في إيران يخلّف عواقب وخيمة، حيث يزيد من حدة الفجوة الاجتماعية ويحرم آلاف الأطفال من حقهم الأساسي في التعلم. وطالما أن النظام الإيراني لا يتخذ خطوات جادة لتنفيذ سياسات التعليم المجاني وتوجيه الموارد بشكل صحيح، فإن حلم التعليم المتاح للجميع سيبقى مجرد وهم بعيد المنال.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا





