اعترافات خبراء النظام في طهران: الأزمة الاقتصادية نتاج استبداد سياسي وعقم بنيوي
لم تعد ملامح الانهيار المالي الشامل في إيران مجرد تحليلات تطلقها المعارضة من الخارج، بل تحولت إلى صرخة تحذير جماعية أطلقها أبرز خبراء واقتصاديي الداخل من قلب طهران. ففي خضم فعاليات مؤتمر آفاق الاقتصاد الإيراني2026 الذي نظمته صحيفة دنياي اقتصاد الحكومية في يونيو 2026، أجمع الباحثون على أن البلاد تواجه واحدة من أعقد كوارثها المعيشية؛ معتبرين أن الأرقام القياسية للتضخم وتآكل الاستثمار ليسا نتاج هزات عابرة، بل هما انعكاس مباشر لعقود من سوء الإدارة الممنهج، والفساد الهيكلي لنظام الملالي الذي يضحي بالرفاه العام لحساب حساباته الأمنية والعسكرية.
أماطت النقاشات المستعرة داخل المؤتمر اللثام عن عمق التهديد التضخمي الذي يطوق عنق العائلات الإيرانية، خاصة في الأسابيع التي تلت إعلان وقف إطلاق النار؛ حيث حذر المحلل الاقتصادي علي سعد وندي من أن السياسات المالية العشوائية لسلطة الاستبداد تدفع التضخم نحو حاجز المراتب الثلاث (Triple-digit territory) الكارثي. فالنظام، جراء العجز المزمن في ميزانيته، يعتمد على سحب احتياطيات البنوك التجارية والالتفاف على القيود القانونية للاقتراض من البنك المركزي، مما أدى إلى توسع نقدي منفلت وارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة سحق القدرة الشرائية للمواطنين العاديين.
تقرير اقتصادي: توقعات بانكماش حاد واتساع الفقر المطلق لينهش نصف سكان إيران
يمر الاقتصاد الإيراني بمرحلة حرجة من الأزمات البنيوية الخانقة وسط تراجع فاعلية الحلول المؤقتة. ورسمت تحذيرات أطلقها خبراء اقتصاد وأكاديميون في طهران مشهداً قاتماً للمرحلة المقبلة، مؤكدين أن فقر الغذاء، والبطالة المزمنة، وتآكل القدرة الشرائية باتت تهدد الأمن المعيشي بشكل مباشر، مع توقعات بانزلاق أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر المطلق واتساع ظاهرة “العمال الفقراء”.
وفي قراءة نقدية تعري طبيعة النموذج الاقتصادي المشوه تحت حكم الولي الفقيه، أكد الخبير الحكومي مسعود نيلي أن رفاهية المجتمع الإيراني باتت رهينة لآلية توزيع عوائد النفط والغاز كـ ريع لشبكات النفوذ، بدلاً من استنادها إلى نمو مدفوع بالإنتاجية والابتكار. وكشف نيلي عن مؤشر بنيوي مرعب يتمثل في أن معدل المشاركة في سوق العمل لبلد يقطنه 87 مليون نسمة لا يتجاوز ثلث السكان الفعليين، وهو رقم يقل بكثير عن المعدلات العالمية؛ مما يضع ضغوطاً هائلة على القوة العاملة المتبقية ويقلص بحدة من مرونة واستدامة الاقتصاد الوطني.
ولم تقتصر التحذيرات على المؤشرات الكلية، بل امتدت لتشمل التداعيات الاجتماعية الخطيرة؛ إذ خرج المسؤول السابق في صناديق التقاعد، حجة الله ميرزائي، بتوقعات قاتمة تؤكد أن استمرار انعدام اليقين والسياسات الأمنية سيدفع بملايين الإيرانيين الجدد إلى ما تحت خط الفقر المدقع، محذراً من أن انكماش النمو سيعجل من وتيرة هجرة الأدمغة والكفاءات الطبية والهندسية، ويفكك اللحمة الاجتماعية نتيجة تآكل الثقة العامة في المؤسسات.
ويتكامل هذا النزيف البشري مع انهيار بيئة الاستثمار؛ حيث أوضح حسين رجب بور، رئيس معهد صبا للبحوث، أن قطاعات الإنتاج تفتقد للحد الأدنى من الاستقرار التشريعي والتنبؤ المستقبلي، مما يجعل أصحاب الرساميل يرفضون خطط التوسع تحت وطأة عسكرة الاقتصاد.
إن هذه التمزقات التجارية والمالية تفضح زيف خطابات التنمية التي تروج لها حكومة بزشكيان الهشة؛ فالبلد الغني بالموارد تحول إلى اقتصاد عليل يعتمد في تجارته الخارجية على ممرات ضيقة وشركاء محدودين، مما يجعله عرضة للشلل الفوري عند أي اضطراب في سلاسل الإمداد البحرية. وفي هذا السياق، أكد الخبير موسى غني نجاد أن التدخل الفج للسلطة، وفرض الأسعار الإدارية القسرية، والتوزيع غير الشفاف للثروات لصالح الشركات التابعة لـ حرس النظام ، فضلاً عن سياسات حجب الإنترنت التي دمرت قطاع التكنولوجيا الرقمية، هي الشواهد الحية على أن العطب يكمن في صلب الهيكل السياسي الحاكم.
صحيفة حكومية تحذر: تخطي سكان حافة الجوع حاجز الـ40 مليوناً يهدد بانفجار اجتماعي في إيران
نشرت صحيفة “دنيای اقتصاد” تحذيرات أطلقها خبراء اقتصاد وأكاديميون حول دخول البلاد مرحلة حرجة من اتساع رقعة الفقر. وأشار المحللون إلى أن التداعيات الاقتصادية وهبوط العائدات وضعا الأمن الغذائي للمواطنين في مهب الريح، وسط توقعات بتجاوز الرازحين تحت خط الفقر حاجز 40 مليون نسمة، مما أثار مخاوف وتقارير تحذر من تداعيات هذا الغلاء الحاد على الاستقرار الاجتماعي.
وفي نهاية المطاف، تثبت هذه الاعترافات الجماعية من داخل معقل النظام أن الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي محصلة حتمية لطبيعة التركيبة الحاكمة التي تقدم مصالح الطغمة النفعية على قوت الناس؛ مما يضع المجتمع أمام طريق مسدود لا يمكن الفكاك منه عبر حلول ترقيعية ومسكنات مؤقتة. إن الشرخ العميق بين الشارع وبين سلطة الاستبداد الكهنوتية يعزز القناعة الشعبية بأن إنقاذ البلاد يتطلب تغييرات أساسية وجذرية تقتلع جذور هذا الفساد البنيوي؛ لتبقى طاقة الرفض المتصاعدة في شوارع المدن الإيرانية هي المعادلة الحية التي تؤكد أن الوعي العام قد تجاوز خطابات الصبر والوعود الزائفة، متجهاً نحو إغلاق هذا الفصل المظلم، وضمان عدم تكرار تجارب احتكار السلطة والثروة التي ميزت نظام الملالي ونظام الشاه على حد سواء.
- إيران ما بعد الحرب.. الأزمات الكبرى التي تهدد بقاء النظام

- تظاهرة باريس الكبرى في 20 حزيران: العشرين من يونيو خط أحمر في وجه نظام الشاه ونظام الملالي

- اعترافات خبراء النظام في طهران: الأزمة الاقتصادية نتاج استبداد سياسي وعقم بنيوي

- أزمة بقاء وراء لافتات انتصارات وهمية: تفكك العمق الاستراتيجي لسلطة الاستبداد

- فوكس نيوز وإكسبرس ونيويورك بوست: حملة دولية لإنقاذ الرياضيين المحكومين بالإعدام في إيران

- إضراب شامل عن الطعام في 56 سجناً إيرانيّاً: حملة ثلاثاء لا للإعدام تدخل أسبوعها الـ 124 بوثيقة صمود ضد المشانق


