الرئيسيةأخبار إيرانمافيا تهريب الوقود وسياسة الإخفاء في إيران

مافيا تهريب الوقود وسياسة الإخفاء في إيران

0Shares

مافيا تهريب الوقود وسياسة الإخفاء في إيران

أصبح تهريب الوقود من أكبر الأزمات الاقتصادية التي تواجه إيران اليوم. تُظهر التقارير الرسمية أن ما بين 20 إلى 30 مليون لتر من الوقود “يختفي” يوميًا، لكن الحقيقة هي أن هذا الوقود لا يضيع، بل يتم تهريبه بطرق منظمة. والمستفيدون الحقيقيون من هذه التجارة غير المشروعة هم مؤسسات نافذة ومجموعات قوية داخل النظام الحاكم. إن وجود مافيا معقدة ومتجذرة خلف هذا النشاط الإجرامي لم يعد سرًا، حتى أن كبار مسؤولي النظام يعترفون به علنًا.

تساءل مسعود بزشكيان بصراحة حول هذه الظاهرة قائلاً: “كيف يمكن أن يضيع ما يقرب من 20 مليون لتر من الوقود يوميًا بينما المنتج والموزع للوقود في البلاد هو الدولة نفسها؟ يجب أن يتم إعدام هؤلاء اللصوص”. وبالمثل، أقر محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس النظام، قائلاً: “يتم تهريب ما بين 25 إلى 30 مليون لتر من الوقود يوميًا إلى خارج البلاد، ولا شك أن هذا التهريب يتم بطرق منظمة، حيث أن الجهات المنتجة والمستهلكة الرئيسية هي أول من يقف وراء هذه التجارة”.

البنية المنظمة لتهريب الوقود

تشير هذه التصريحات إلى وجود شبكة تهريب منظمة داخل النظام، تقوم بتهريب الوقود عبر الحدود بكل حرية. الجميع على دراية بهذه الشبكة، لكن سياسة الإخفاء والتستر تُنتهج لحماية المتورطين.

في 20 ديسمبر 2023، أشارت صحيفة آرمان ملي إلى طبيعة هذه الشبكة، حيث ذكرت: “يتم تنفيذ عمليات التهريب هذه من قبل مجموعات منظمة تستغل نقاط الضعف في أنظمة الرقابة. هذه الشبكات تمتلك بنية اتصالات قوية وتتمتع بنفوذ في أعلى مستويات صنع القرار في البلاد”.

يبقى السؤال الأساسي: كيف يمكن لمثل هذه الشبكة تهريب عشرات الملايين من لترات الوقود يوميًا، بينما جميع المنافذ الحدودية وخطوط نقل الطاقة تحت سيطرة الأجهزة الأمنية والعسكرية؟

دور النظام الإيراني في شبكة تهريب النفط العراقية

تعزيزًا للدلائل على تورط إيران في عمليات تهريب الوقود واسعة النطاق، كشفت وكالة رويترز في تقرير نشرته في 3 ديسمبر 2024 عن وجود شبكة معقدة لتهريب النفط في العراق، تحقق إيرادات تتراوح بين مليار إلى ثلاثة مليارات دولار سنويًا لصالح النظام الإيراني ووكلائه. استند التقرير إلى معلومات من خمس مصادر مطلعة وثلاث تقارير استخباراتية غربية، حيث أظهر أن هذه الشبكة تستغل سياسات الحكومة العراقية التي تتيح تخصيص الوقود المدعوم لمصانع الإسفلت. بدلاً من استخدامه في الأغراض المخصصة، يتم تحويل هذا الوقود من قبل شبكات التهريب وتصديره إلى دول أخرى.

وأوضحت رويترز أن ما بين 500 ألف إلى 750 ألف طن من زيت الوقود الثقيل، أي ما يعادل 3.4 إلى 5 ملايين برميل نفط خام، يتم تهريبه شهريًا من المصانع العراقية، ويُصدَّر غالبًا إلى الأسواق الآسيوية. ومن الأساليب الشائعة لهذه الشبكة هو مزج الوقود العراقي بالوقود الإيراني وبيعه تحت مسمى منتج عراقي، ما يسمح للنظام الإيراني بالالتفاف على العقوبات الأمريكية الصارمة على صادراته النفطية وجني أرباح ضخمة. ومن اللافت للنظر أن السلطات الإيرانية والعراقية امتنعت عن التعليق على هذا التقرير عند استفسار رويترز.

تواطؤ الحكومة في تهريب الوقود

ربما كان الاعتراف الأكثر إثارة للدهشة بشأن تورط النظام الإيراني في تهريب الوقود هو ما جاء على لسان بزشكيان، ، عندما كشف خلال اجتماع برلماني أن الحكومة تشتري يوميًا حوالي 9 ملايين لتر من الوقود من المهربين. هذا التصريح يؤكد أن السلطات على دراية تامة بهوية هؤلاء المهربين، وبدلًا من محاربتهم، تتعامل معهم تجاريًا. إذا كانت الحكومة تعرف المهربين، فلماذا لا تتخذ إجراءات ضدهم؟ الإجابة تكمن في البنية العميقة والمتغلغلة للمصالح التي تستفيد من هذه التجارة.

حرس النظام الإيراني: اللاعب الرئيسي في تهريب الوقود

رغم ادعاءات الجهل والتستر المتكرر من قبل مسؤولي النظام، من الواضح أن تهريب 20 مليون لتر من الوقود يوميًا لا يمكن أن يتم بوسائل بدائية أو بواسطة عصابات صغيرة. لقد أصبح تهريب الوقود تحت سيطرة مؤسسات تمتلك الموارد التي تمكنها من إدارة وتنظيم وحتى إضفاء الشرعية على هذه العمليات. وعلى رأس هذه المؤسسات يأتي حرس النظام الإيراني، الذي يعد الفاعل الرئيسي في هذه التجارة غير المشروعة. من خلال سيطرته على الموانئ، المعابر الحدودية، والشبكات الدولية، حول الحرس تهريب الوقود إلى صناعة تدر مليارات الدولارات سنويًا.

يتم توجيه جزء كبير من هذه العائدات إلى الكيانات العسكرية والجماعات التابعة لها، بينما يحصل بعض المسؤولين والشخصيات النافذة في النظام على حصتهم من هذه الأرباح الطائلة. وفي المقابل، يعاني المواطن الإيراني، حيث لا يستفيد من هذه الثروة، بل يتحمل نتائجها السلبية مثل نقص الوقود، ارتفاع الأسعار، والأزمات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات والفساد.

سياسة الإخفاء والتضليل

يظهر تحليل قضية تهريب الوقود في إيران أن هذه الظاهرة ليست مجرد مشكلة اقتصادية، بل هي أزمة سياسية وهيكلية. رغم أن المسؤولين الحكوميين يعترفون علنًا بوجود عمليات تهريب واسعة النطاق، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي خطوات فعلية لمواجهتها. الجميع يعرف من يقف وراء هذه العمليات، لكن سياسة التستر والتضليل مستمرة لحماية الفاعلين الحقيقيين.

وقد سلطت صحيفة هم‌میهن الضوء على هذه السياسة في مقالها الافتتاحي، حيث انتقدت عدم اتخاذ الحكومة أي إجراءات ملموسة، قائلة:

“هل يمكنكم نشر تقرير يكشف عن الحجم الحقيقي لهذه الشبكة؟ لماذا التزام الصمت؟ هل يتعارض ذلك مع سياسة التوافق؟ من هم هؤلاء المهربون الذين تستمرون في تهديدهم دون اتخاذ أي إجراء فعلي؟ إذا كانت هذه التهديدات قد نُفذت، لما احتجتم إلى تكرارها كل يوم. عندما تنشرون تقريرًا رسميًا بأسماء وصور هؤلاء المهربين “المحترمين”! عندها فقط سيؤمن الناس بأنكم جادون في إنهاء هذه الظاهرة”.

من الواضح أنه طالما استمرت هذه المافيا القوية في أنشطتها، فلن يتوقف تهريب الوقود، بل سيزداد الضغط الاقتصادي على الشعب الإيراني. لأن السكين لن تقطع نفسها أبدًا.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة