حرب سيبرانية ضد مستقبل: كيف أحرق حجب الإنترنت الاقتصاد الرقمي في إيران؟
لم تكن القيود الشاملة التي فرضتها سلطة الاستبداد على شبكة الإنترنت الدولي خلال الأشهر الماضية مجرد إجراء تقني مؤقت، بل كانت ضربة استراتيجية وجهت لأحد أكثر القطاعات الحيوية قدرة على ابتكار فرص العمل والنمو في البلاد. ومع تزايد التقارير حول حجم الدمار الذي لحق بالاقتصاد الرقمي والشركات الناشئة، يتضح للجميع أن نظام الملالي مستعد لتدمير معيشة ملايين المواطنين وسحق قطاع التكنولوجيا بأكمله، مقابل الحفاظ على قنوات الرقابة والتحكم الأمني لحماية أركان حكمه المتهاوي.
كشفت أسابيع الحجب الطويل للشبكة العنكبوتية عن تناقض صارخ في بنية النظام الكهنوتي؛ فبينما تواصل الأبواق الرسمية تدوير الشعارات الجوفاء حول التحول الرقمي ودعم التكنولوجيا، تثبت الوقائع أنه بمجرد أن تشعر السلطة بأي اهتزاز في استقرارها السياسي، فإنها تسارع للتضحية بالاقتصاد الوطني والمستقبل المهني لجيل الشباب. إن النتائج المترتبة على هذه السياسة الأمنية كانت مدمرة؛ إذ سجلت غالبية الشركات الرقمية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة انهياراً حاداً في مبيعاتها، وفقدت قنوات اتصالها الأساسية مع المستهلكين، مما دفع بالعديد من الشركات الناشئة إلى تسريح موظفيها أو الإغلاق التام تحت وطأة الخسائر المتراكمة والتضخم الجامح.
ولعل الضرر الأعمق الذي تسببت فيه قرارات سلطة الاستبداد لا يقاس فقط بحجم الأموال المفقودة، بل في تدمير عنصر الثقة الذي يمثل عماد الاستثمار؛ فالابتكار والريادة يتطلبان بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ، بينما يبعث الحجب المتكرر برسالة مرعبة للمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال مفادها أن المزاج الأمني للنظام يمكنه محو سنوات من الجهد والاستثمار في غضون ثوانٍ. هذا الانسداد دفع بقوة نحو تسريع وتيرة هجرة الأدمغة ورأس المال البشري؛ حيث بات مهندسو البرمجيات والمطورون والنخب العلمية يفضلون الرحيل عن البلاد بحثاً عن بيئة تحترم مهاراتهم، مما يحرم إيران من أهم مواردها لبناء اقتصاد عصري ومتنوع.
ولم تفلح محاولات النظام الالتفافية عبر طرح مشاريع الإنترنت الطبقي أو تقديم خطوط إنترنت مميزة لجهات منقاة في تخفيف حدة الاستياء؛ بل عُدت هذه الخطوات تكريساً لثقافة التمييز والامتيازات الريعية التي يستفيد منها المحسوبون على السلطة وقادة حرس الولي الفقيه. وحتى بعد الإعلانات الرسمية المنافقة عن عودة الأمور إلى طبيعتها، لا يزال المستخدمون يواجهون تراجعاً حاداً في سرعة التدفق وتقطعات مستمرة في الاتصالات الدولية، مما يؤكد أن المنظومة ما زالت متمسكة بعقلية الحصار الرقمي كأداة أساسية لمنع المجتمع من التواصل أو توثيق الانتهاكات وعزل المواطنين عن العالم الخارجي.
إن هذا التآكل الذاتي المستمر يثبت أن سوء الإدارة وتغليب الهاجس الأمني على الرفاه العام يحولان أي قطاع إنتاجي إلى أرض محروقة؛ فالقضية اليوم في سوق التكنولوجيا الإيراني لم تعد مجرد إصلاح شبكة أو إعادة ربط خادم، بل هي أزمة بنيوية ناتجة عن اصطدام طموحات جيل المستقبل بحسابات البقاء العتيقة لنظام الملالي. إن استمرار الفقر المعيشي وتدمير قطاعات العمل الحديثة بالتوازي مع عسكرة الفضاء الرقمي، يحولان المعاناة اليومية لرواد الأعمال والعاملين في هذا القطاع إلى قضية عدالة اجتماعية شاملة تزيد من اتساع الفجوة بين الشارع وبين سلطة لم تعد تمتلك سوى القمع وسيلة للتعامل مع تحديات العصر الحادي والعشرين.
- إيران ما بعد الحرب.. الأزمات الكبرى التي تهدد بقاء النظام

- تظاهرة باريس الكبرى في 20 حزيران: العشرين من يونيو خط أحمر في وجه نظام الشاه ونظام الملالي

- اعترافات خبراء النظام في طهران: الأزمة الاقتصادية نتاج استبداد سياسي وعقم بنيوي

- أزمة بقاء وراء لافتات انتصارات وهمية: تفكك العمق الاستراتيجي لسلطة الاستبداد

- فوكس نيوز وإكسبرس ونيويورك بوست: حملة دولية لإنقاذ الرياضيين المحكومين بالإعدام في إيران

- إضراب شامل عن الطعام في 56 سجناً إيرانيّاً: حملة ثلاثاء لا للإعدام تدخل أسبوعها الـ 124 بوثيقة صمود ضد المشانق


