وثيقة السياسة الاستراتيجية: خارطة طريق للأمن القومي أم بيان نظام يحتضر؟
في 3 فبراير 2025، كشف وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف عن وثيقة جديدة تحمل عنوان السياسة الاستراتيجية للأمن القومي، وسط تصاعد الصراعات الداخلية بين أجنحة النظام. الوثيقة، التي تحمل الاسم الرسمي السياسة الاستراتيجية للأمن القومي بناءً على مقاربة تاريخية لقضايا الأمن القومي الإيراني، تقدم نفسها كخارطة طريق لضمان أمن إيران بشكل مستقل. لكن عند التمعّن فيها، يتضح أنها ليست سوى محاولة يائسة لمواجهة المخاوف المتزايدة من سقوط النظام.
رواية عن القوة أم خوف من السقوط؟
خلال حفل الإطلاق، صرّح ظريف: “في الغرب، بل وحتى داخل إيران، يسود الاعتقاد بأن إيران تمرّ بأضعف وأخطر حالاتها. إذ يُروَّج بأن قدراتها الهجومية تراجعت، وقدراتها الدفاعية ضعفت، مما يدفعها نحو الخيار النووي. ومن هنا يتم الاستنتاج بأن الفترة الفاصلة بين ضعف إيران وحصولها على السلاح النووي تمثل فرصة يجب استغلالها لضرب إيران.” وأضاف أن هذه الوثيقة جاءت لمواجهة هذه الرواية، ووضع استراتيجية جديدة لمستقبل الأمن القومي.
تنقسم الوثيقة إلى قسمين رئيسيين:
- مراجعة تاريخية لمشهد الأمن القومي الإيراني.
- الانتقال من “الإنجازات الأمنية” إلى “الأمن المستدام والتقدم الدائم”.
وتشمل الوثيقة عشرة محاور تفصيلية، جميعها تهدف إلى تبرير سياسات النظام الأمنية. ومن اللافت أنها تبدأ بالإشارة إلى الصراعات الإقليمية في غرب آسيا، التي أشعل فتيلها علي خامنئي بنفسه، وتعكس مدى الخوف داخل النظام من تداعيات مغامراته العسكرية.
تناقضات في السياسة الخارجية والعقيدة الأمنية
يتضح في الوثيقة الصراع بين رغبة النظام في مواجهة الولايات المتحدة من جهة، ومساعيه للتقارب مع المجتمع الدولي من جهة أخرى. فهي تسلط الضوء على الهزائم العسكرية التاريخية لإيران منذ القرن التاسع عشر، مع الإشارة إلى احتلالها خلال الحربين العالميتين. لكنها تسعى إلى تصوير فترة ما بعد 1979 على أنها مرحلة صعود وتحدٍ للمنظومة الدولية، حيث يضع ظريف الفترة بين 1979 و2019 تحت عنوان “مرحلة اكتساب وتثبيت السلطة عبر تحدي النظام الدولي.”
وفي هذا السياق، يستعرض ظريف محطات عديدة، من الحرب الإيرانية-العراقية، إلى الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق، ثم دعم النظام لحزب الله في حرب 2006 ضد إسرائيل، ودعمه للحوثيين في اليمن. لكن بينما يعترف بهذه التدخلات في مواضع من الوثيقة، فإنه يتنصل منها في مواضع أخرى، في تناقض واضح يعكس حالة الارتباك داخل النظام.
أما الفترة من 2019 إلى 2025، فيسميها ظريف مرحلة “تحقيق التوازن الاستراتيجي”، مشيراً إلى إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة، والهجوم الصاروخي على قاعدة عين الأسد، والهجمات المحدودة على إسرائيل، ويعتبرها دليلاً على قدرة إيران على فرض معادلات جديدة. غير أن الوثيقة تتناقض مع ذاتها عندما تؤكد أن إيران تتجه نحو “استقلالها الأمني”، متجاهلة اعتمادها المستمر على وكلائها الإقليميين.
من الحروب بالوكالة إلى “الأمن المستقل”؟
واحدة من أبرز التناقضات في الوثيقة هي التعامل مع ملف الوكلاء الإقليميين. فبينما تحاول الوثيقة نفي اعتماد إيران على هذه الجماعات، فإنها تصفها في مواضع أخرى بأنها “قوى مقاومة أصيلة” في مواجهة إسرائيل! هذا التضارب يكشف عن قلق النظام المتزايد من أن تحالفاته مع الجماعات المسلحة باتت تشكل عبئاً سياسياً وعسكرياً عليه.
تكرار مصطلح “الأمن المستقل” أكثر من عشر مرات في الوثيقة يعكس هاجس النظام بضرورة فك الارتباط مع وكلائه، وهو ما يمكن تفسيره بالخوف من تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، وحتى المخاطر الأمنية المباشرة على طهران نفسها.
في محاولة أخرى لتبرير سياسات النظام، تسلط الوثيقة الضوء على الضربات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل في أكتوبر 2024، وتصفها بأنها “فرض خطوط حمراء أمنية”، رغم أن تأثيرها كان محدوداً ولم يغير من موازين القوى.
مخاوف داخلية من انفجار الأوضاع الشعبية
بعيداً عن السياسة الخارجية، تكشف الوثيقة عن مدى قلق النظام من الاضطرابات الداخلية. فهي تؤكد على الحاجة إلى التعامل مع “التحديات في التواصل مع بعض شرائح المجتمع”، وهو اعتراف مبطن بتزايد السخط الشعبي. الوثيقة تقترح عدة إجراءات لتخفيف حدة الاستياء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مما يعكس قلق النظام من اندلاع انتفاضة جديدة.
كما تعترف الوثيقة ضمنياً بإفلاس النظام اقتصاديًا، وتنتقد النزاعات الداخلية التي تضعف سلطة الدولة. وتصف الوضع الحالي بأنه “أعلى مستويات الانقسام بين النخب السياسية”، محذرة من أن استمرار هذا الصراع قد يؤدي إلى اضطرابات أكبر.
إضافة إلى ذلك، تشير الوثيقة إلى النزاع داخل النظام بشأن التفاوض مع الغرب، وتنتقد “الثنائيات الزائفة” التي تشق صفوفه، مثل:
- المقاومة مقابل التفاوض.
- الشراكة مع الشرق مقابل الحوار مع الغرب.
- الدبلوماسية مقابل القوة العسكرية.
- التحالف مع روسيا والصين مقابل التعامل مع أمريكا وأوروبا.
هذه الإشارات تؤكد أن الخلافات داخل النظام ليست سطحية، بل تعكس صراعاً حقيقياً على مستقبل السلطة.
بحث يائس عن شرعية مفقودة
في القسم الأخير، تتضح الأهداف الحقيقية للوثيقة، إذ تسعى لتسويق النظام على أنه يتمتع بـ “إجماع وطني”، في محاولة يائسة لحشد التأييد الشعبي. لكن من الواضح أن هذا ليس سوى محاولة لاستجداء الشرعية، خاصة وأن الوثيقة توصي باستخدامها كـ “أداة للتواصل مع الشعب وبناء توافق داخلي”.
نظام في حالة دفاع يائس
السياسة الاستراتيجية للأمن القومي ليست وثيقة لإرساء الاستقرار، بل شهادة اعتراف غير مباشرة بأن النظام الإيراني يصارع من أجل البقاء. فبينما تؤكد الوثيقة مراراً أن إيران تمتلك “الأمن المستقل”، إلا أن مضمونها يكشف عن العكس تماماً.
التناقضات الصارخة حول دور الوكلاء، والإقرار بالأزمة الاقتصادية، والانقسامات العميقة داخل أجنحة السلطة، كلها مؤشرات على أن النظام بات أكثر ضعفًا وعزلة.
من الواضح أن الوثيقة ليست سوى مناورة دبلوماسية تهدف إلى تسويغ جرائم النظام في الماضي، بينما تفتح الباب أمام إمكانية التفاوض مع الغرب. فهي تحاول طمأنة المتشددين في النظام من جهة، والإيحاء للمجتمع الدولي بأن إيران مستعدة للحوار من جهة أخرى. ولكن بالنسبة للشعب الإيراني والمجتمع الدولي، لا تبدو الوثيقة إلا محاولة يائسة من نظام يترنح تحت وطأة الضغوط المتزايدة، داخليًا وخارجيًا، ويبحث عن طوق نجاة قبل السقوط الحتمي.
- جون بيركو: ابن الشاه مجرد عرض جانبي بعيد عن النضال الحقيقي
- ليلة الرعب والصمود في قزلحصار: المقاومة الإيرانية تتوعد جلادي النظام بعد نقل 6 سجناء للإعدام
- آلاف يتجمعون في باريس للتنديد بتصاعد الإعدامات في إيران
- رسالة مريم رجوي إلى مظاهرة الإيرانيين في باريس
- صحيفة لا تريبيون: التغيير بيد الشعب الإيراني، وخطة المقاومة هي البديل لنظام الولي الفقيه
- زاهدان: وحدات المقاومة ترحب بوقف إطلاق النار وتعلن أن السلام مرهون بإسقاط النظام بيد الشعب ومقاومته المنظمة







