الرئيسيةأخبار إيرانإيران: من أزمة المعيشة إلى صلب الكرامة الإنسانية

إيران: من أزمة المعيشة إلى صلب الكرامة الإنسانية

0Shares

إيران: من أزمة المعيشة إلى صلب الكرامة الإنسانية

حين يبلغ القهر بمواطنين إيرانيين في عام 2026 حدّ حثو التراب على رؤوسهم ووجوههم في الفضاء العام، لإعلان عجزهم الكامل عن تأمين رمق الحياة وأبسط متطلبات البقاء أمام قفزات الدولار المجنونة التي تخطت حاجز 200 ألف تومان، فإن القضية تتجاوز في تشخيصها السياسي والاجتماعي حدود الأزمة المعيشية؛ إنها تعلن صلب الكرامة الإنسانية وموت «الأخلاق» في ظل الفاشية الحاكمة. إن المشهد الإيراني اليوم يجسد مواجهة وجودية وفلسفية مكشوفة بين مجتمع يستند إلى مخزونه الأخلاقي وإرادة التحرر، وبين نظام الملالي الذي برهن على قدرة استثنائية في هندسة وتوليد «الشر الممنهج»، محولاً تقليص مساحة الحياة وتدمير كرامة المواطن إلى استراتيجية أمنية للسيطرة على المجتمع؛ وهي استراتيجية بائسة تقود حتماً إلى الانفجار الكبير وكنس الاستبداد برمته.

استدعاء الأخلاق من المعاجم: باديو في مواجهة صلب الكرامة في شوارع إيران

تكتسب المراجعة الفلسفية للأخلاق راهنية كاشفة في اللحظة الإيرانية الراهنة؛ فكما يُذكّر الفيلسوف الفرنسي آلان باديو:

«ثمة كلمات فضفاضة ورفيعة تظل حبيسة المعاجم والنصوص الأكاديمية ردحاً من الزمن، حتى تسطع عليها شمس الواقع فجأة، فتجري على ألسنة الناس وفي الصحف ووسائل الإعلام، بل وتتسلل حتى إلى خطابات رجال الدولة. ومصطلح “الأخلاق” الذي يعيد إلى الأذهان فوراً دروس الفلسفة وجذورها اليونانية، يتبوأ اليوم الصدارة وينال الاعتبار؛ فالأخلاق في أصلها الإغريقي تعني البحث عن “طريقة صالحة للوجود” أو السلوك بحكمة وتعقل. والأخلاق جزء من الفلسفة يُنظّم الوجود العملي استناداً إلى تمثّل أمر الخير».(الن بديو، الأخلاق: رسالة في إدراك الشر)

ولكن، أين موقع هذا «الخير» وهذه «الأخلاق» حين يُجبر المواطن الإيراني في أسواق طهران والمحافظات على إهالة التراب فوق رأسه تعبيراً عن انسداد سبل الحياة؟ في واقع يرزح تحت سلطة النظام الإيراني، تخرج «الأخلاق» من بطون المعاجم لتُصلب علناً في قلب الأسواق، بينما يصرخ هؤلاء المقهورون مشيرين بدقة إلى القاتل الحقيقي: «أيها المسؤولون! أيها المسؤولون! ماذا نفعل مع دولار بلغ 200 ألف تومان؟». هذه الصرخة المدوية تدل مباشرة على الجاني الذي ذبح الكرامة الإنسانية وحول إدارة البلاد إلى محرقة لمدخرات الأجيال.

مأزق الشرعية وسوسيولوجيا الحكم: من يمثل إيران حقاً؟

تطرح هذه المشاهد الصادمة سؤالاً جوهرياً حول معايير تعريف الدولة والمجتمع في إيران اليوم: بماذا تُعرف البلاد؟ هل بحكومة الاستبداد؟ أم بالشعب المنتفض؟ أم بالجغرافيا والتراب الصامت؟

إذا كانت سلطة الولي الفقيه تزعم أنها تمثل إيران، فعلى أي «ذات اجتماعية» تبسط حكمها؟ هل تحكم ذاتاً دُفعت دفعاً لاختيار لغة نثر التراب على الرؤوس لتوصيف بشاعة حاكمها وفضحه أمام الملأ؟ إن الجغرافيا الخالية من ذات اجتماعية حرة وفاعلة لا تحتاج إلى حكومة أو حكام؛ وإذا كان الشعب هو الرمز الحقيقي والجوهر الحي لإيران، فإن الدفاع عن هذا الشعب وتأمين أبسط شروط عيشه يمثل الوظيفة الوجودية المفترضة لأي سلطة.

غير أن الواقع المعاش في عام 2026 يؤكد أن نظام الملالي ليس دولة بالمعنى الوظيفي، بل هو منظومة غصب واحتلال داخلي؛ حيث تقف «مافيات النهب المنظم» التابعة لمؤسسات الولي الفقيه و«حرس النظام الإيراني» خلف تجفيف مقدرات الأمة ونهب العملة الوطنية، دافعة بملايين الإيرانيين قسراً إلى قاع «جيش الجياع»، في تجسيد سافر للانفصال التام بين المجتمع وسلطة البطش.

هندسة «الشر المطلق»: تقزيم الحياة لمصادرة حرية الاختيار

يكشف التدقيق في البنية الأيديولوجية لحكم الملالي، منذ أن وضع أسسها الاستبدادية المقبور خميني وصولاً إلى ممارسات اليوم، عن حقيقة مرعبة: إن هذا الحكم لا يمارس الاستبداد فحسب، بل يمتلك «إبداعاً شيطانياً في إنتاج الشر» لتعليق منظومة الأخلاق والخير العام.

إن غاية هذا الشر المصنوع تتلخص في تقزيم الحياة وحصر هموم المواطن في تأمين لقمة الخبز، بهدف شل العقل الجمعي، وحصار التفكير الحر، وتدمير قدرة المواطنين على الاختيار وصناعة القرار السياسي. لقد انتهجت الفاشية الحاكمة تجويع المواطن أداةً لإخضاعه، متوهمة أن تحويل المجتمع إلى كتلة من العوز والارتباك سيمنعه من إدراك حقوقه المسلوبة.

وهنا تبرز المفارقة العميقة؛ إذ تضعنا هذه المشاهد المأساوية أمام تداخل صارخ بين أقصى درجات الاحتجاج الموجه ضد أركان النظام، وفي الوقت ذاته أدنى مستويات هدر كرامة الإنسان المستلب، كاشفة عن أزمة بنيوية يفرزها اصطدام المجتمع الحي بسلطة تمارس الشر الممنهج كعقيدة بقاء.

خوفاً من اشتعال الانتفاضة.. نظام الولي الفقيه يضع الجيش والحرس والباسيج في حالة استنفار قتالي كامل بنسبة 100%

وضع نظام الولي الفقيه قوات الجيش والحرس والباسيج وقوى الأمن الداخلي في حالة تأهب واستنفار قتالي بنسبة 100% مع إلغاء الإجازات حتى 27 سبتمبر، في خطوة تعكس الرعب الوجودي والهلع المتصاعد من انفجار بركان الغضب الشعبي. وشملت التدابير العسكرية حشد 51 ألف عنصر قمعي لتطويق طهران الكبرى، ونشر دوريات مكثفة لتفتيش المارة وهواتفهم، وإنشاء معتقلات مؤقتة في مناطق نائية، في محاولة يائسة لاحتواء الحراك الثوري وكسر إرادة الشباب المنتفض.

انفجار التناقض: تحول الاحتجاج إلى حدث سياسي حاسم

إن هذا الاحتقان الناشئ عن سحق الكرامة ليس حالة استسلام نهائية، بل هو حلقة في مسار صراع تاريخي محتدم وصل إلى ذروته؛ صراع بين الرصيد الأخلاقي للمجتمع الإيراني وضميره الجمعي من جهة، وبين سلطة الشر المتمثلة في الديكتاتورية الدينية من جهة ثانية.

حين يعي المجتمع حجم الشر الممارس ضده، فإن الاستكانة المؤقتة تتحول سريعاً إلى وقود ثوري لا يمكن إخماده. وتتكفل طليعة النضال الميداني المتمثلة في «وحدات المقاومة» بتحويل هذا الركام الأخلاقي والنفسي الغاضب إلى فعل سياسي منظم يضرب أوكار القمع ومؤسسات النهب التابعة لـ «حرس النظام الإيراني».

لقد بلغ الصراع نهاياته الحتمية؛ فالأخلاق لم تعد مجرد ترف فلسفي، بل تحولت إلى نداء اجتماعي عارم وواجب وطني لإنهاء سلطة الشر واجتثاثها. ومن هذا المخاض العسير يتصاعد الصوت الحاسم لعموم الإيرانيين قاطعاً الطريق على كل محاولات التضليل والالتفاف، ومجسداً في الشعار الإستراتيجي الخالد: «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه».

إن الإطاحة بمنظومة الإفقار والقهر ليست مجرد ضرورة اقتصادية، بل هي استرداد للكرامة الإنسانية والأخلاقية المغتصبة، تمهيداً لبناء «جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب»؛ جمهورية تترجم تطلعات الجماهير عبر مبادئ «خطة النقاط العشر»، ليعود للإنسان الإيراني حقه المطلق في تقرير مصيره وازدهار حياته في وطن حر وكريم.

تكشف مأساة إهالة التراب على الرؤوس وصرخات الفقر أمام انهيار العملة في عام 2026 أن الفاشية الحاكمة قد جردت نفسها من كل مقومات الشرعية الإنسانية والسياسية. إن صلب الأخلاق وسحق كرامة المواطنين على يد أجهزة الولي الفقيه لا يمثلان استقراراً لسلطة البطش، بل يؤشران إلى وصول الاحتقان المجتمعي إلى نقطة اللاعودة. وأمام منظومة لا تتقن سوى توليد «الشر»، يتوحد «جيش الجياع» مع ضربات «وحدات المقاومة»، مؤكداً تحت راية «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه» أن الصراع الأخلاقي والسياسي سيُحسم في الشوارع لكنس الاستبداد وتشييد جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب تعيد الاعتبار للإنسان، وتنهي عهود الذل والطغيان إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة