من انقلاب 1953 إلى تحالف جورج تاون: البدائلُ المصطنعة تنهار أمام غياب الجذور الشعبية
تكشف الوثائق التاريخية السرية والوقائع المعاصرة عن نمط بنيوي متكرر في سلوك التيارات المرتهنة للخارج وفلول استبداد الشاه البائد، يقوم على محاولة هندسة تحالفات فوقية هشة بين قوى متنافرة تفتقر لأدنى درجات الثقة المتبادلة وتفتقد لأي جذور حقيقية في عمق المجتمع. فكما أظهرت وثائق انقلاب (أغسطس 1953) كيف نسقت غرف الاستخبارات الأجنبية تحالفاً انتهازياً مؤقتاً جمع البلاط بالجنرال فضل الله زاهدي والملا كاشاني لإسقاط حكومة الدكتور محمد مصدق الوطنية رغم التربص المتبادل بينهم، يعيد ابن الشاه المخلوع (رضا بهلوي) استنساخ الآلية ذاتها عبر تجميع تحالفات كرتونية سرعان ما تتشظى؛ نتيجة انعدام المشروع الديمقراطي، والرهان على أجهزة القمع، وتغييب الدور الحاسم للجماهير وقواها الميدانية الفاعلة.
انقلاب 19 أغسطس 1953 ضد الدكتور مصدق: هزيمة مريرة وتجربة عظيمة
في ذكرى انقلاب 19 أغسطس ضد الحكومة الشرعية والوطنية والديمقراطية الوحيدة للإيرانيين بعد الثورة الدستورية، نحيي ذكرى الزعيم الراحل للحركة الوطنية الإيرانية، الدكتور مصدق. لقد اتخذت حكومته الوطنية، بدعم من الشعب وخاصة في ضوء الانتفاضة الوطنية في 21 يوليو 1952، سلسلة من الإجراءات التي تصب في مصلحة الشعب الإيراني، من بينها: إقرار قانون الصلاحيات لمدة 6 أشهر في البرلمان، وطرد أشرف بهلوي ووالدة الشاه من إيران باعتبارهما من المتآمرين في أحداث 21 يوليو؛ ومنع تدخل العائلة المالكة في الإدارات الحكومية؛ وإغلاق البنك الشاهنشاهي التابع للاستعمار البريطاني؛ وحل القضاء العسكري الذي كانت تُحال إليه القضايا السياسية؛ وتخفيض إيجار الفلاحين للملاك بنسبة 20%.
تحالفُ الغدر والتربص المتبادل في وثائق انقلاب 1953
تُظهر الوثائق الدبلوماسية والاستخباراتية أن التحالفات التي تُهندس من خارج الإرادة الشعبية تقوم أساساً على مقايضات نفعية عابرة تفتقر للانسجام الفكري والمشروعية الوطنية. فوفقاً للوثيقة رقم (187) الصادرة عن السفارة البريطانية (بتاريخ 8 أبريل 1953)، أبلغ وزير البلاط، حسين علاء، السفير الأمريكي هندرسون بوجود ترتيبات لإحلال الجنرال فضل الله زاهدي محل الدكتور مصدق، مستنداً إلى دعم خليط غير متجانس يضم كاشاني، وحائري زاده، والمنشقين، والملالي، وضباط الجيش.
غير أن هذا التكتل لم يكن نتاج تقارب وطني، بل صفقة فرصية كشفتها بوضوح الوثيقة رقم (192) الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بتاريخ 17 أبريل 1953، والتي وصفت حالة العداء الكامن قائلة: «من المؤكد أن زاهدي وكاشاني لا يثق أحدهما بالآخر؛ فزاهدي يؤكد أنه سيتخلص من كاشاني في الوقت المناسب، بينما يعتقد كاشاني أنه قادر على توجيه زاهدي والتحكم به». وأكدت الوثيقة في بندها الحادي عشر أن التخطيط الاستخباري الأجنبي كان يهدف لاستخدام هذه الأطراف كأدوات وظيفية مؤقتة، عبر التوجيه بضرورة «تحجيم نفوذ كاشاني أو تحييده بالكامل داخل حكومة زاهدي» فور إتمام الانقلاب.
استنساخُ الفشل: من المجلس الوطني إلى تهاوي ميثاق جورج تاون
ينعكس هذا المنطق العقيم القائم على التحالف بلا ثقة والاعتماد على الدعم الخارجي بصورة متطابقة في المسار السياسي لابن الشاه المخلوع خلال العقود الأخيرة؛ ولا سيما في تجارب مثل ما سُمي بـ «المجلس الوطني الإيراني» (2013)، ولاحقاً «منشور التضامن والاستقرار» (المعروف بائتلاف جورج تاون في شتاء 2023):
- الالتقاء على أهداف سلبية مجردة: تماماً كما كان القاسم المشترك الوحيد بين البلاط وزاهدي وكاشاني عام 1953 هو إسقاط مصدق دون امتلاك أي رؤية لبناء دولة ديمقراطية، قامت تحالفات ابن الشاه على مبدأ النفي المجرد دون تقديم أي برنامج سياسي واضح يحدد شكل الحكم، واللامركزية، وحقوق القوميات والمكونات الإيرانية؛ مما أدى إلى انهيار تلك التحالفات في غضون أشهر قليلة بفعل صراع الزعامة والهجمات الإعلامية المتبادلة بين أطرافها.
- الارتهان للمنصات الخارجية: الهروب من استحقاقات بناء التنظيم الميداني عبر تسويق شخصيات غير متجانسة عبر وسائل الإعلام الأجنبية، ومحاولة فرض وصاية سياسية من الخارج على الحراك الثوري الداخلي.
الرهانُ على قوى القمع بدلاً من الحاضنة الشعبية
أبرزت وثائق عام 1953 أن شرط نجاح الانقلاب كان يستند إلى تأمين «الدعم الكافي من القوات المسلحة» وليس الالتفاف الجماهيري. وفي استعادة فجة لهذا النهج العسكري الفوقي، يركز رضا بهلوي في خطاباته وبياناته على استجداء انشقاق أجهزة القمع، بما فيها قوات حرس النظام الإيراني والجيش، واعتبارها الرافعة الأساسية للتغيير، متجاهلاً عن عمد تنظيم وتعبئة طاقات الطبقة العاملة، والطلاب، والنقابات، والمعلمين، والحركات الاحتجاجية الجذرية في الشارع. إن هذا المنطق يعيد إنتاج عقلية الاستبداد التي ترى في المؤسسة العسكرية والأمنية أداة لتداول السلطة من فوق رؤوس الجماهير.
أسوشيتد برس: الانقلاب الذي قادته وكالة المخابرات المركزية في إيران عام 1953 أطاح برئيس الوزراء
كتبت وكالة أسوشيتد برس أن انقلاب عام 1953 الذي قادته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في إيران أطاح برئيس الوزراء محمد مصدق وعزز سلطة الشاه محمد رضا بهلوي، الذي حكم لأكثر من 25 عاماً قبل الثورة الإسلامية عام 1979. ووقع الانقلاب، الذي نفذه أفراد متحالفون من القوات العسكرية والأمنية، بعد أن أمّم مصدق صناعة النفط الإيرانية، في وقت كانت فيه مصفاة آبادان أكبر مصفاة في العالم ومصدراً رئيسياً لبريطانيا التي دعمت الانقلاب لاستعادة الوصول إلى النفط.
سقوطُ البدائل المصطنعة أمام وعي الشارع الإيراني
تثبت التجارب التاريخية أن التبعية للبنى الفوقية والاتفاقات الاستخباراتية جعلت نظام الشاه السابق رهينة كاملة لمهندسي السياسات الدولية، وقادت في النهاية إلى سقوطه المدوي. واليوم، يؤكد الواقع السياسي أن عجز البدائل المصطنعة عن بناء هيكل تنظيمي متجذر في صفوف المجتمع يدفعها حتماً إلى إبرام تحالفات شكلية هشة على منصات الغرب؛ وهي تحالفات محكومة بالفناء السريع لافتقارها إلى المصداقية النضالية والتضحية الميدانية. إن الشارع الإيراني الذي يرفع شعار «لا للشاه ولا للولي الفقيه» أسقط إلى غير رجعة أوهام إعادة إنتاج الديكتاتورية السابقة، وأثبت أن التغيير الحقيقي تصنعه سواعد الشعب وقواه الثورية المنظمة على الأرض.
تُبرهن المقارنة بين وثائق انقلاب 1953 ومساعي فلول نظام الشاه السابق على أن التحالفات المصطنعة التي تُحاك من الأعلى تظل مشاريع استعراضية عاجزة عن الصمود أو قيادة الجماهير؛ إذ إن غياب الثقة المتبادلة والافتقار إلى برنامج ديمقراطي واضح يحولان هذه التكتلات إلى أدوات عابرة سرعان ما تنفجر من الداخل. إن استجداء أجهزة القمع التابعة لـ حرس النظام الإيراني ومحاولة الالتفاف على التضحيات الوطنية لن يمنحا الشرعية لبدائل فاقدة للجذور، مؤكدين أن معركة إسقاط الفاشية المتسترة بعباءة الدين لن تُحسم إلا عبر إرادة الشعب الإيراني وبديله الديمقراطي المستقل القائم على نفي كافة أشكال الديكتاتورية وتأسيس جمهورية ديمقراطية حرة تكفل السيادة للشعب.
- تآكلُ ورقة الابتزاز البحري يضع نظامَ طهران أمام مأزق الاختناق المالي وتخبط مراكز القرار

- 286 شخصية عربية: مواجهة تدخلات النظام الإيراني وحماية أمن المنطقة تمر عبر دعم الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة

- فضيحة الـ ۶ مليارات دولار: مرآة الفساد الهيكلي وحصاد الفقر في شوارع إيران

- من انقلاب 1953 إلى تحالف جورج تاون: البدائلُ المصطنعة تنهار أمام غياب الجذور الشعبية

- أزمةُ الكهرباء في إيران تتحول إلى نزيف اقتصادي يعطل الصناعة ويحرق ممتلكات المواطنين

- سفيرة أمريكية سابقة: مستقبل إيران لا يصنع في واشنطن بل يقرره الشعب الإيراني


