الرئيسيةمقالاتحديث اليومالنظام الإيراني يواجه أزمة وجودية لا مخرج منها

النظام الإيراني يواجه أزمة وجودية لا مخرج منها

1Shares

النظام الإيراني يواجه أزمة وجودية لا مخرج منها

لم تكن الكلمة التي ألقتها السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، خلال المؤتمر الذي عقد في مؤسسة إيناودي الإيطالية، مجرد عرض للتطورات الراهنة في إيران، بل قدمت تشخيصا متكاملا لأزمة نظام ولاية الفقيه وللقوة القادرة على إحداث التغيير الحقيقي.

فإيران، كما أكدت رجوي، تقف اليوم أمام واحد من أكثر التحديات السياسية والجيوسياسية إلحاحا في العالم. وليس مرد ذلك إلى حجم الأزمات الداخلية وحدها، بل إلى حقيقة أن أي تغيير ديمقراطي في إيران سيترك آثارا جوهرية على الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم.

وفي مواجهة محاولات النظام تصوير نفسه وكأنه خرج أقوى من الحرب الأخيرة، جاءت كلمة رجوي لتؤكد أن عدم سقوط النظام بالقصف الخارجي لا يشكل دليلا على قوته. فقد أعلنت المقاومة الإيرانية منذ البداية أن الضربات الأجنبية، مهما بلغت شدتها، لا تستطيع إسقاط منظومة أمنية قمعية متجذرة، وأن مهمة التغيير تقع على عاتق الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.

إن النظام لا يقف اليوم في موقع المنتصر، بل يعيش مأزقا لا يستطيع التقدم منه ولا التراجع. وقد حاول منذ بداية الحرب في 28 فبراير 2026 استخدام المواجهة الخارجية درعا لحماية بقائه، فصعد الاعتقالات والإعدامات ونشر قوات الباسيج في الشوارع وعطل الحياة السياسية لمنع تفجر الصراعات داخل السلطة وقطع الطريق أمام انتفاضة شعبية جديدة.

غير أن وقف إطلاق النار لم يؤد إلى استقرار النظام، بل كشف عمق أزمته. فمنذ توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، تصاعدت الصراعات بين أجنحته، وامتدت من مجلس الخبراء إلى البرلمان والحرس والباسيج وأئمة الجمعة ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون. حتى مراسم تشييع خامنئي، التي كان يفترض أن تكون استعراضا للوحدة، تحولت إلى ساحة لتبادل الاتهامات والهتافات ضد مسؤولي النظام.

وتكشف هذه الانقسامات أن الأزمة ليست خلافا عابرا حول تكتيك تفاوضي، بل صراع يمس طبيعة النظام واستراتيجيته. فهناك جناح يرى أن أي تراجع عن المشروع النووي والصاروخي وسياسة التدخل الإقليمي سيقود إلى انهيار النظام، بينما يرى جناح آخر أن استمرار الحرب والمواجهة هو الذي يعجل بسقوطه. وبين الاتجاهين يقف النظام عاجزا عن اختيار طريق يمكنه من النجاة.

وفي قلب هذه الأزمة يبرز ضعف مجتبى خامنئي، الذي وصل إلى موقع الولي الفقيه في ظل ظروف الحرب والطوارئ، من دون أن يمتلك الهيبة السياسية أو الدينية التي تسمح له بضبط الأجنحة المتصارعة. إن رفض عدد كبير من أعضاء مجلس الخبراء التصويت له، والشكوك التي أحاطت بطريقة اختياره، تكشف هشاشة موقعه وعجزه عن لعب الدور الذي قام به والده طوال عقود.

لكن العامل الأخطر بالنسبة إلى النظام لا يكمن في الانقسامات الداخلية وحدها، بل في استعداد المجتمع الإيراني لاستئناف الانتفاضات. فالصراع الأساسي في إيران هو صراع بين شعب حرم من حقوقه وحرياته وبين نظام قائم على القمع والتمييز والنهب. وخلال ثمانية وأربعين عاما، تراكمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية إلى حد حول المجتمع إلى بركان نشط لا يمكن إخماده بالقوة.

لقد دفع الإيرانيون ثمنا باهظا من دمائهم، بدءا من إعدام ومجزرة عشرات الآلاف من أعضاء المقاومة، وصولا إلى قتل الشباب خلال الانتفاضات المتتالية. لكن كل موجة قمع ولدت موجة جديدة من الغضب، وكل انتفاضة كسرت جزءا إضافيا من حاجز الخوف.

وهنا تكتسب وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية أهمية حاسمة. فهذه الوحدات لا تكتفي بالتعبير عن الغضب الشعبي، بل تعمل على تنظيمه وتوجيهه نحو هدف واضح هو إسقاط النظام. ومع توسع نشاطها وتحولها تدريجيا إلى وحدات جيش التحرير، أصبحت تمثل القوة التي تربط بين الاحتجاج الشعبي والمشروع السياسي للتغيير.

إن النظام يدرك هذه الحقيقة، ولذلك سارع خلال الحرب إلى نشر قواته في الشوارع والإبقاء عليها لأشهر. كما كثف الاعتقالات والإعدامات وقطع الإنترنت، لأنه يعرف أن العوامل التي أدت إلى انتفاضة يناير لم تختف، بل ازدادت قوة. فالناس لم ينسوا المجزرة، ولم تتراجع أزماتهم المعيشية، ولم يعد الخوف قادرا على منعهم من التفكير في انتفاضة جديدة.

ويأتي الانهيار الاقتصادي ليضاعف من خطورة الوضع. فقد بدد نظام ولاية الفقيه ثروات البلاد على البرنامج النووي والمدن الصاروخية وتمويل الميليشيات التابعة له، فيما ترك الاقتصاد في حالة سقوط حر. تراجعت قيمة العملة، وفشل الاقتصاد في خلق فرص العمل، وتضررت البنية التحتية، وتفاقمت أزمات المياه والطاقة والبيئة، بينما وضعت مؤسسات الحرس ومكتب الولي الفقيه يدها على مقدرات البلاد.

ولهذا، فإن أي زيادة في عائدات النفط أو الإفراج عن الأموال المجمدة لن ينعكس على حياة الإيرانيين. فالأولوية بالنسبة إلى النظام ستبقى تمويل الصواريخ والطائرات المسيرة والجماعات التابعة له في المنطقة. وقد قدم مسؤولو النظام أنفسهم أدلة واضحة على ذلك عندما أعلنوا تخصيص ملايين براميل النفط لتجهيز القوة الجوفضائية للحرس، وأكدوا أن خطوط إنتاج الصواريخ لم تتوقف لحظة واحدة.

إن هذا النظام غير قادر على الإصلاح السياسي أو الاقتصادي، لأنه يدرك أن أي انفتاح حقيقي سيطلق ديناميات لا يستطيع السيطرة عليها. ولهذا لن يتخلى عن الاعتقالات والإعدامات، ولن يوقف برنامجه النووي أو تدخلاته الإقليمية، لأن هذه الأدوات تمثل ركائز بقائه.

لكن ما لا يستطيع النظام منعه هو تلاحم الانتفاضة الشعبية مع المقاومة المنظمة. فكلما اتسعت الأزمات، واشتدت الانقسامات، وضعفت القيادة، أصبحت الظروف أكثر نضجا لاندلاع مواجهة جديدة بين المجتمع والسلطة.

وفي مقابل هذا النظام المأزوم، يطرح المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بديلا ديمقراطيا واضحا يقوم على سيادة الشعب، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، والحكم الذاتي للمكونات الوطنية، وإلغاء عقوبة الإعدام.

إن الرسالة الأساسية التي حملتها كلمة مريم رجوي في مؤسسة إيناودي واضحة: نظام ولاية الفقيه قد يستطيع مواصلة القمع وإشعال الحروب وإنتاج الصواريخ، لكنه لن يستطيع الصمود إلى ما لا نهاية أمام شعب مستعد للانتفاض ومقاومة منظمة تمتلك الرؤية والبرنامج والقوة الميدانية اللازمة لصناعة التغيير.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة