تصدعاتٌ بنيوية في هرم السلطة: لماذا يعجز نظامُ الملالي عن احتواء أزمة بقائه الهيكلية؟
تكشف الانقسامات المتزايدة والعلنية داخل هرم السلطة في إيران عن أزمة هيكلية مستعصية تعصف بنظام الملالي عقب التوريث المثيرة للجدل لمنصب «الولي الفقيه» لصالح مجتبى خامنئي؛ حيث يتلاقى الشلل السياسي وصراع الأجنحة الحاد مع احتقان معیشي متفجر يقوده مجتمع مستعد للانتفاض وشبكات معارضة منظمة، مما يضع قدرة المنظومة الحاكمة برمتها على البقاء أمام معضلة تاريخية غير مسبوقة.
إن الانقسامات التي تطفو على السطح بشكل متزايد بين أقطاب النظام الإيراني لا يمكن اختزالها في مجرد منافسات شخصية أو صراع تقليدي على المكاسب الفصائلية. بل إنها تعكس في جوهرها أزمة وجودية وهيكلية تراكمت عبر سنوات، وتعمقت بفعل تقاطع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العنيفة.
ومع تحول الخلافات بين كبار المسؤولين إلى مادة للسجال العلني، يبرز سؤالان استراتيجيان: لماذا بات النظام هشاً إلى هذا الحد أمام التفتت الداخلي؟ ولماذا يبدو عاجزاً عن احتواء هذه الانشقاقات؟
انفجار خلافات بعد سيرك جنازة: انهيار مسودة تفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية
بمجرد انتهاء مراسم تشييع جثمان الولي الفقيه السابق علي خامنئي، انفتحت مجدداً الجروح الغائرة للأزمات الداخلية وصراعات الأجنحة المتناحرة في عمق النظام حول مصير مسودة التفاهم المعلقة. ويشن تيار متشدد داخل برلمان السلطة هجوماً عنيفاً على رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث طالب الملا حميد رسائي رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بالإنهاء الرسمي والشامل للمسار الدبلوماسي، مما يدفع النظام نحو انسداد سياسي وخيارات انتحارية.
وتقدم المعطيات الميدانية عاملين مترابطين لتفسير هذا المشهد: الأول هو الجاهزية العالية للمجتمع الإيراني لاستئناف الانتفاضات الشاملة، والثاني هو تآكل الهيمنة المطلقة التي كان يفرضها منصب «الولي الفقيه» على النظام السياسي، وهو المأزق الذي انفجر بعنف أكبر عقب صعود مجتبى خامنئي المشكوك في شرعيته.
مجتمع في حالة اشتباك دائم: البركان الاجتماعي
تضرب جذور عدم الاستقرار الراهن عمق العلاقة التصادمية بين المجتمع الإيراني والسلطة؛ فعقود من القمع السياسي، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، والمظالم المعيشية غير المحسوبة، خلقت توترات بنيوية آخذة في الاتساع.
ولم تفشل الحكومات المتعاقبة في تلبية المطالب الأساسية للمواطنين فحسب، بل إنها أمعنت في خنق الحريات المدنية، بالتزامن مع انهيار اقتصادي، وتفشي الفساد الممنهج، والتضخم، والبطالة، والانهيار البيئي. وبدلاً من تخفيف هذه الضغوط طوال العقود الماضية، أشرف «الولي الفقيه» البائد علي خامنئي على سياسات ضاعفت من حدتها، لينتهي الأمر بالمجتمع إلى ما يشبه البركان الاجتماعي المهيأ للانفجار عند أي محطة.
وأثبتت الانتفاضات العارمة في أعوام 2017 و2019 و2022، ويناير 2026 وصولاً إلى الموجات الاحتجاجية الحالية، أن الغضب الشعبي لم يهدأ، بل تطور إلى حراك وطني متكرر يضم العمال، والمعلمين، والمتقاعدين، والطلاب.
اعترافات صريحة من داخل حصن السلطة
ولم يعد الحديث عن الفجوة السحيقة بين الشعب والدولة حكراً على المراقبين الدوليين أو قوى المعارضة؛ إذ بات كبار مسؤولي النظام يقرون بها علناً وبشكل تكراري:
- تحذيرات الرئاسة: حذر رئيس النظام، مسعود بزشكيان، من أن العجز عن حل مشكلات المواطنين وتأمين كفافهم قد يفجر أزمات اجتماعية خطيرة لا يمكن السيطرة عليها.
- تآكل رأس المال الاجتماعي: وبدوره، اعتبر رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، أن الاختلالات الاقتصادية الحادة وتدهور الظروف المعيشية قد أتيا على ما تبقى من رأس المال الاجتماعي للنظام.
وفي خضم هذا التراجع، تواصل شبكات المعارضة المنظمة، وفي مقدمتها وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق، توسيع نطاق عملياتها في الداخل. وتحذر وسائل الإعلام والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة بشكل مستمر من دور هذه الشبكات في تأطير الاحتجاجات المشتتة وتحويلها إلى مواجهات سياسية هادفة وموجهة ضد رأس النظام.
قيادة منقسمة حول هندسة البقاء
لا تقتصر الأزمة على الضغط الشعبي؛ بل تمتد إلى انقسام حاد داخل القيادة حول كيفية الحفاظ على قبضة السلطة.
وينقسم نظام الملالي اليوم إلى جناحين متصارعين:
- جناح المناورة الاقتصادي: يرى ضرورة المسارعة لترميم الاقتصاد المنهار وتخفيف الاحتقان الاجتماعي كخطوة إجبارية لمنع تفجر انتفاضة شاملة تطيح بالجميع.
- جناح القمع المطلق: يصر على أن أي تراجع أو انفتاح—مهما كان صغيراً—سيُفسر كدليل ضعف، مما يشجع الشارع على مزيد من الاحتجاج. ويرى هذا التيار أن الاستمرار في سياسة الحديد والنار والحفاظ على أجواء الحرب هما الضمانة الوحيدة لمنع سقوط السلطة.
وانعكس هذا الشرخ العميق على صفحات الصحف الناطقة باسم الفصائل المختلفة؛ فبينما تطالب بعضها بإعادة بناء الشرعية المفقودة، تجزم المنابر الأصولية المتشددة بأن أي تنازل سيعجل بالانهيار الشامل.
أزمة التوريث تعمق الشروخ في هرم ولاية الفقيه
جاءت قضية خلافة السلطة عقب موت علي خامنئي لتشعل فتيل الأزمة الأشد خطورة؛ حيث تؤكد المعطيات الميدانية والتقارير المسربة أن مجتبى خامنئي تنصّب في موقع «الولي الفقيه» تحت بند أحكام الطوارئ والظروف شبه الحربية، وبرغم معارضة واسعة ومكتومة داخل مجلس الخبراء.
وتشير التقارير إلى أن عشرات الأعضاء في مجلس الخبراء عارضوا هذا التعيين العائلي وشككوا في شرعيته القانونية والفقهية، مؤكدين أن الأصوات لم يجرِ فرزها وعدّها بشكل رسمي ونظامي قبل إعلان النتيجة وفرض الأمر الواقع. ورغم محاولات التعتيم، فإن هذه التسريبات غدّت نقاشاً مستعصياً حول شرعية رأس الهرم، وعرّت الانقسام الحاد داخل المؤسسات الحاكمة العليا.
كيف تُفكك تصدعات ما بعد الحرب هيكل النظام الإيراني؟
سارعت طهران إلى ادعاء النصر بعد الحرب بناءً على مغالطة بقاء النظام، غير أن هذا الصمود المزعوم جاء بكلفة تدميرية باهظة تركت بنية السلطة ممزقة بشكل حرج، لا سيما بعد مقتل الولي الفقيه علي خامنئي وتصفية كبار المسؤولين وقادة حرس النظام. وتحول التناحر الفصائلي الداخلي اليوم من صراع تقليدي على النفوذ والحصص إلى معركة وجودية محتدمة حول بقاء النظام نفسه والنهج القادر على حفظ كيان الدولة.
الركائز الثلاث تحت وطأة التحلل البنيوي
طوال ما يقرب من خمسة عقود، استندت سلطة نظام الملالي على ثلاث ركائز بنيوية مترابطة: القمع الداخلي المطلق، السعي الحثيث وراء السلاح النووي، وتصدير الأزمات ودعم الميليشيات والوكلاء في المنطقة.
واليوم، يواجه هذا الثالوث ضغطاً تفكيكياً غير مسبوق؛ حيث يرى غلاة المحافظين أن التراجع في أي من هذه الملفات سيعني الفناء الفوري للنظام، في حين يجادل آخرون بأن الاستمرار في ذات السياسة الصدامية—في ظل العزلة الدولية والغليان الداخلي—بات هو نفسه المحرك الأساسي للاستقرار المفقود والمعجل بالسقوط.
إن التفتت الحالي الذي يعيشه النظام الإيراني يتجاوز صيغ التنافس الفصائلي التقليدي؛ إنه نقطة التقاء تاريخية لعدة أزمات خانقة: انهيار مالي، احتجاجات مستمرة، سقوط الشرعية الشعبية، تصدع أزمة التوريث، والإنهاك الاستراتيجي.
ولم يعد السؤال المطروح في الأوساط السياسية هو هل توجد تصدعات داخل النظام أم لا؛ بل إن السؤال المفصلي والحاسم بات: هل تمتلك البنية السياسية القائمة على عقيدة «ولاية الفقيه» القدرة على احتواء هذه التصدعات، أم أن هذه الشروخ ستستمر في الاتساع لتعلن الانهيار الحتمي مع دخول إيران مشهداً سياسياً بالغ السخونة والاضطراب؟
- استعراض لـ وحدات المقاومة في كرج: تحدٍّ صريح لآلة الإعدامات وتأكيدٌ ميداني على جاهزية المقاومة المنظمة

- إيران.. 30 عملية لوحدات المقاومة في 19 مدينة احتفاء ببدء العام الـ62 لانطلاقة مجاهدي خلق

- الأمم المتحدة تندد بمشروع مكافحة النفوذ في طهران: تصعيد قمعي لعزل المجتمع

- السجين السياسي مهدي وفائي ثاني يؤكد تجذر نهج «مجاهدي خلق» وصمود جيل جديد بوجه استبداد الولي الفقيه

- واشنطن إكزامينر: الرهان على المقاومة المنظمة هو السبيل الوحيد للتغيير الديمقراطي في إيران ودحض أكاذيب نظام الولي الفقيه

- سجينتان سياسيتان: المشانق لن تخمد روح المقاومة.. وشعلة وحدات المقاومة ستحرق الاستبداد


