انفجارُ خلافات بعد سيرك جنازة: انهيار مسودة تفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية
بمجرد انتهاء المسرحيات الحكومية المحيطة بـتشييع جثمان خامنئي، بل وحتى في أثنائها، انفتحت مجدداً الجروح الغائرة للأزمات الداخلية في عمق النظام؛ ويدور المحور الأساسي لهذه النزاعات الفصائلية المحتدمة هذه المرة حول مصير مسودة التفاهم المعلقة وكيفية مواجهة الظروف المستجدة.
ويشن تيار نافذ داخل السلطة، مستنداً إلى المواقف الأخيرة لواشنطن، هجوماً عنيفاً على الحكومة ورئاسة البرلمان، مطالباً بالإنهاء الرسمي والشامل لأي مسار دبلوماسي. وفي هذا السياق، شن الملا حميد رسائي، نائب رئيس اللجنة الثقافية في برلمان الملالي، هجوماً مباشراً على رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث كتب في قناته على تلغرام يوم 7 يوليو 2026: يا سيد قاليباف! أنت الذي كنت تفتخر بمسودة التفاهم هذه، ماذا تفعل الآن؟ لماذا لا تزال مصراً على إبقاء هذا التوقيع النحس قائماً؟
جنازة خامنئي في النجف وكربلاء… رسالة سياسية تسيء إلى سيادة العراق
يعتزم النظام الإيراني نقل جثة الولي الفقيه السابق علي خامنئي إلى العراق لإقامة مراسم في النجف وكربلاء، وسط انتقادات واسعة اعتبرت الخطوة استغلالاً سياسياً وإهانة للشعبين الإيراني والعراقي تسيء لسيادة العراق. وبدلاً من حشد الأنصار وتوحيد الصفوف، تحولت مراسم التشييع في الداخل إلى ساحة لتفجر الصراعات بين أجنحة السلطة المتناحرة، حيث شهدت توجيه هتافات لاذعة ضد مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي.
وفي ذات الاتجاه، هاجم القيادي القديم في الحرس البلطجة سعيد قاسمي، المسار الدبلوماسي باحتقار شديد، معلناً: إن مسودة التفاهم المزعومة كانت منذ اليوم الأول مجرد قصاصة ورق عديمة القيمة ومكانها النفايات؛ وكل من علق آماله على توقيعها مصاب ببلاهة لا تنتهي. انفخوا في أبواق الحرب بكل ما أوتيتم من قوة، لتتميز صفوف الرجال عن أشباههم في هذه المعركة النهائية. (موقع فرارو، 7 يوليو/تموز 2026).
الإعلان الرسمي عن وفاة مسودة التفاهم
بالتزامن مع هذه الموجة، تسعى وسائل الإعلام المرتبطة بالمنظومة الأمنية والعسكرية للنظام إلى تنظير وتبرير التحول الاستراتيجي من طاولة المفاوضات إلى الميدان. وحول هذا الشأن، كتبت وكالة أنباء تسنيم التابعة للحرس يوم 7 يوليو/تموز 2026:
رغم كل الجهود التي بذلها المسؤولون، فإن مسودة التفاهم هذه ولدت ميتة منذ البداية بسبب نكث الأمريكيين لعهودهم، وما حدث ليلة أمس لم يكن سوى الإعلان الرسمي عن وفاتها.
وفي السياق نفسه، طالبت صحيفة كيهان، المعروفة بكونها المعبر الرسمي عن توجهات بيت الولي الفقيه، بالخروج الكامل من المرحلة السياسية، حيث كتبت في عددها الصادر يوم 8 يوليو/تموز 2026:
على الجهاز الدبلوماسي أن يعلن رسمياً نهاية مسودة التفاهم، ليترك للميدان مهمة حسم الحساب مع ترامب مرة واحدة وإلى الأبد.
التهديدات الإرهابية والابتزاز الإقليمي
ينعكس التخبط والذعر الذي يعيشه النظام جراء عزلته المتنامية في صورة تهديدات إرهابية علنية؛ حيث تلح الأبواق الدعائية للسلطة بشكل غير مسبوق على إبراز لغة العنف. وعلى سبيل المثال، صرّح مقدم البرامج في القناة الثالثة للتلفزيون الحكومي، مشيراً إلى زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى دولة مجاورة: ها هو ترامب الآن على مقربة من حدودنا، وفي مرمى نيراننا، إنه في تركيا؛ ونحن لن نكف عن المقاومة والصمود ما لم نرق دماء أمثال ترامب على الأرض. (قناة تشند ثانية على تلغرام، 7 يوليو/تموز 2026).
ولم تقتصر هذه التهديدات على المسؤولين الغربيين، بل امتدت لتشمل دول المنطقة بابتزاز علني وصريح في حال تماهيها مع العقوبات وسياسات التضييق ضد طهران. إذ هدد المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في برلمان النظام، إبراهيم رضائي، عبر منصة إكس: على دول الخليج التي تقف إلى جانب ترامب في المواجهة بين إيران والإدارة الأمريكية أن تخشى على آبار نفطها وغازها. لا خطوط حمراء لدينا عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن أمن أمتنا العظيمة. (إكس، وكالة فارس، 7 يوليو/تموز 2026).
الورقة النووية.. المقامرة الأخيرة لمنظومة مأزومة
وفي ظل الانسداد الشامل الناتج عن تهاوي مسودة التفاهم، كشف ممثل الولي الفقيه في صحيفة كيهان، حسين شريعتمداري، عن الجاهزية الفنية للنظام لتصنيع أسلحة الدمار الشامل، قائلاً في 8 يوليو/تموز 2026: تمتلك الجمهورية الإسلامية المعرفة والقدرة الفنية اللازمة لصنع سلاح نووي، والمسافة التي تفصل إيران عن إنتاجه ليست تكنولوجية، بل هي مسألة قرار وإرادة سياسية فقط.
النظام الإيراني بين الحرب والسلام… مأزق وجودي لا مخرج منه
أعاد الهجوم الأخير للنظام الإيراني على السفن في مضيق هرمز، بعد إعلان وقف إطلاق النار، طرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته على السير نحو سلام مستدام. ويؤكد التحليل أن ملف التفاوض مع واشنطن لم يعد مجرد مسألة خارجية، بل تحول إلى أعنف ساحة صراع داخل هرم السلطة؛ إذ يمس أي تراجع بالأسس الأيديولوجية لنظام الولي الفقيه، لتصبح القضية صراعاً مصيرياً يرتبط مباشرة بجوهر النظام ومستقبل بقائه.
وجرى تكرار هذا الموقف فوراً من قِبل عناصر البرلمان لتقديمه كمهلة وضربة أجل للغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ حيث صرّح إبراهيم رضائي في هذا الصدد: أي هجوم أمريكي جديد سيقابل بتغيير فوري في العقيدة النووية. وفي المواجهة القادمة، ستكون خيارات مثل الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وتغيير العقيدة النووية، وإغلاق مضيق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز، خيارات مطروحة على الطاولة وقابلة للتنفيذ. (إكس، وكالة فارس، 7 يوليو/تموز 2026).
خلاصة المشهد وتشظي رأس السلطة:
تثبت قراءة هذه الوقائع القطعية أن النظام الحاكم في إيران، يعيش بعد انهيار مسودة التفاهم أزمة هيكلية عميقة وانقساماً حاداً في رأس السلطة. إن الإصرار المتزايد على التهديدات الصاروخية، وإغلاق الممرات المائية الدولية، والتلويح بالاغتيالات، والمانور بملف تصنيع السلاح النووي، يمثل استراتيجية انتحارية ومأزومة للهروب من الأزمات الداخلية والدولية الخانقة. لقد بات النظام يقف على حافة هاوية سحيقة، حيث يعني أي تراجع أو تراجع خطوة إلى الوراء انهياراً كاملاً لهيبته وسلطته في الداخل، بينما يعني أي تقدم عسكري الدخول في حرب تدميرية شاملة تعجل بسقوطه الحتمي.
- انفجارُ خلافات بعد سيرك جنازة: انهيار مسودة تفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية

- سقوطُ عمود الخيمة وبداية النهاية: قراءة في هلع بنيوي للنظام الحاكم داخل إيران

- جنازة خامنئي في النجف وكربلاء… رسالة سياسية تسيء إلى سيادة العراق

- سيرحل نظام الملالي الى مزبلة التأريخ

- كيف تحولت لجان برلمان النظام الإيراني إلى ساحة حرب لتوزيع نفوذ وثروة؟

- جنازةُ خامنئي المليارية: استعراضُ مستفزّ يعري العزلة الداخلية والدولية للنظام


