الرئيسيةمقالاتحديث اليوماقتصاد نظام الملالي على حافة الانهيار الكبير

اقتصاد نظام الملالي على حافة الانهيار الكبير

0Shares

اقتصاد نظام الملالي على حافة الانهيار الكبير

دخل سوق الصرف الأجنبي في إيران واحدة من أخطر مراحله منذ تأسيس نظام ولاية الفقيه، بعدما اقترب الدولار من عتبة 200 ألف تومان، في مشهد لم يعد مجرد أزمة نقدية عابرة، بل تحوّل إلى تعبير واضح عن الانهيار البنيوي الذي يضرب الاقتصاد الإيراني من جذوره. فما يجري اليوم ليس تقلباً طبيعياً في سوق العملات، بل انهيار متسارع للثقة في النظام الاقتصادي والسياسي معاً.

لقد أصبح التومان الإيراني مرآة حقيقية لأزمة النظام. فخلال أسابيع قليلة فقط، قفز سعر الدولار من حدود 157 ألف تومان إلى أكثر من 183 ألفاً، مع اقترابه المتكرر من 190 ألف تومان. وهذه القفزات الجنونية لا تعكس فقط حجم التضخم أو المضاربات، بل تكشف أن المجتمع الإيراني نفسه فقد ثقته بمستقبل الاقتصاد وبقدرة النظام على السيطرة على الأوضاع.

في مثل هذه الظروف، لا يعود الدولار مجرد عملة أجنبية، بل يتحول إلى ملاذ أخير للهروب من الانهيار. فالمواطن الإيراني الذي يرى مدخراته تتآكل يومياً، لم يعد يبحث عن الربح، بل عن حماية الحد الأدنى من قدرته الشرائية. ولهذا تتجه شرائح واسعة من المجتمع نحو الدولار والذهب، بينما يواصل التومان سقوطه الحر.

لكن جذور الأزمة أعمق بكثير من مجرد ارتفاع سعر الصرف. فالاقتصاد الإيراني يعيش حالة اختناق هيكلية نتيجة العقوبات، وتراجع الصادرات، والأضرار التي لحقت بالبنية الاقتصادية بسبب الحروب والتوترات الإقليمية، إضافة إلى الفساد المزمن وسوء الإدارة. كما أن القطاعات الأساسية التي كانت تشكل مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية، مثل البتروكيماويات والصلب، باتت تعمل بأقل من طاقتها بسبب نقص الطاقة وتداعيات الصراع.

وفي الداخل، يلتهم التضخم القدرة الشرائية للمواطنين بصورة غير مسبوقة. فارتفاع الأسعار لم يعد يقتصر على السلع الكمالية، بل طال المواد الأساسية والسكن والخدمات، بينما تتآكل الأجور بوتيرة متسارعة. وهكذا يتحول الاقتصاد تدريجياً إلى “اقتصاد بقاء”، حيث تكافح الأسر الإيرانية فقط من أجل الاستمرار يوماً إضافياً.

الأخطر من ذلك أن النظام لا يمتلك حلولاً حقيقية للخروج من الأزمة. فكل السياسات التي استخدمها خلال السنوات الماضية – من ضخ العملة الصعبة إلى التلاعب بأسعار الصرف المتعددة – لم تنتج سوى مزيد من الفوضى وفقدان الثقة. وحتى الوعود الرسمية بالسيطرة على السوق باتت تُقابل بسخرية واسعة داخل المجتمع، لأن الإيرانيين يدركون أن الأزمة لم تعد أزمة إدارة مؤقتة، بل أزمة نظام بأكمله.

لقد أثبتت التجربة أن الاقتصاد الإيراني لم يعد قادراً على تحمل هذا المستوى من الضغوط. فالركود العميق يترافق اليوم مع تضخم هائل، وهي المعادلة التي تدفع عادة المجتمعات نحو الانفجار الاجتماعي. ومع كل ارتفاع جديد في سعر الدولار، تتوسع دائرة الفقر، وتتآكل الطبقة الوسطى، ويزداد الغضب الشعبي تجاه السلطة.

وفي المقابل، يواصل النظام إنفاق موارده على أجهزته الأمنية ومشاريعه الإقليمية، بينما يدفع المواطن الإيراني وحده ثمن الانهيار. ولهذا لم تعد الأزمة الاقتصادية قضية معيشية فقط، بل تحولت إلى أزمة سياسية واجتماعية تهدد الاستقرار الداخلي بصورة متزايدة.

إن أخطر ما يواجهه النظام اليوم ليس فقط احتمال وصول الدولار إلى 200 ألف تومان، بل فقدانه المتسارع لأي قدرة على إقناع المجتمع بأنه يملك مستقبلاً قابلاً للحياة. وعندما يفقد الناس الأمل في الاقتصاد وفي السلطة معاً، تصبح كل أزمة مالية شرارة محتملة لانفجار أكبر.

ولهذا تبدو إيران اليوم أمام مرحلة جديدة لم يعد فيها السؤال: هل ينهار الاقتصاد؟ بل إلى أي مدى يمكن للنظام أن يصمد أمام تداعيات هذا الانهيار المتسارع، في ظل مجتمع يزداد فقراً وغضباً، ونظام يزداد عزلة وعجزاً يوماً بعد يوم.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة