الشارع الإيراني يكسر جدار الخوف ويتقدم على القمع
في الأيام الأخيرة، لم تكن مراسم إحياء أربعينية شهداء الانتفاضة مجرد طقس رمزي عابر، بل تحولت إلى محطة جديدة في مسار مواجهة مفتوحة بين شعب أعزل وسلطة مدججة بأدوات القمع. من طهران إلى أراك، ومن كازرون ومرودشت وممسني، وصولاً إلى آبدانان في محافظة إيلام، دوّى شعار «الموت لخامنئي» في الشوارع، متحدياً الرصاص وقطع الإنترنت وانتشار القوات الأمنية.
أجهزة النظام سارعت إلى إغلاق الفضاء الرقمي، وأرسلت قوات القمع، وأطلقت النار لتفريق المحتجين. لكن ما لم تستطع إغلاقه كان الشارع ذاته. لم تُخْلِ القمعُ الساحات، ولم يُنهِ الرصاصُ الهتاف. بل بدا أن كل محاولة لإسكات الصوت تؤدي إلى تضخيمه، وأن كل رصاصة تُطلق تولّد عزيمة مضاعفة.
هذا التوالي في الهتاف ضد رأس السلطة ليس مصادفة، ولا فعلاً معزولاً. تزامنه مع أربعينية الشهداء يعكس انفجار غضب عام، ويؤكد أن الجسارة لم تعد حدثاً فردياً، بل تياراً ينتقل من مدينة إلى أخرى، ومن يد إلى يد. ما يجري ليس احتجاجاً عابراً، بل مساراً يتشكل ويتراكم.
في رسالةٍ كتبها أحد الشبان المشاركين في انتفاضة يناير، تتجسد صورة هذا التحول. يروي كيف لم ينسَ ليلته الأولى، حين سقط صديقاه، أحدهما جريحاً والآخر شهيداً، وكيف عاد إلى منزله وجسده مغطى بالدماء؛ بعضها من جراحه، وبعضها «أمانة» من رفاق لم يعودوا يتنفسون. ومنذ تلك الليلة، كما يقول، لم تعد الشوارع شوارع عادية، بل ساحات مواجهة بين شعب بلا سلاح واستبداد مسلح.
ويضيف أن البقاء في البيت بعد رؤية كل تلك التضحيات كان يعني التراجع، بل إنكار الذات. فالشارع – كما يصف – علّمهم أن القوة لا تختزل في السلاح، بل في الترابط. حين يبدأ الهجوم، لا يبقى أحد وحيداً؛ يدٌ تمتد، طريق يُفتح، باب يُشرع. غرباء يتكئون على بعضهم، فيتغير ميزان القوة. الخوف شعور فردي، لكن الجسارة فعلٌ جماعي.
هذه المعادلة البسيطة تفسر لماذا تفقد التهديدات فاعليتها حين يقف الناس جنباً إلى جنب. عندما تتكاثر الجسارة، يُعزل الخوف. وعندما تتحول الشوارع إلى فضاءات إرادة مشتركة، تتراجع فعالية القمع مهما اشتد.
اليوم، من طهران إلى مرودشت، ومن كازرون إلى آبدانان، تتبلور رسالة واضحة: الشعب يتقدم على القمع. الانتفاضة ليست لحظة عاطفية عابرة، بل مسار طويل يُرسم بكل هتاف، وبكل حضور، وبكل وقفةٍ في وجه الرصاص. وحين تتداول الأيدي شعلتها، لا يعود ممكناً لأي شارع أن يصمت.






