الرئيسيةأخبار إيرانالانتفاضات العمالية وأزمة المعيشة في إيران

الانتفاضات العمالية وأزمة المعيشة في إيران

0Shares

الانتفاضات العمالية وأزمة المعيشة في إيران

في العاشر من ديسمبر، شهدت العاصمة والمدن الكبرى في إيران ليس فقط تجمعات مطلبية مهنية، بل كنا أمام انفجارٍ مركّز من السخط، تعود جذوره إلى بنية اقتصادية معيبة وشللٍ في منظومة التشريع. هذا اليوم، الذي تزامنت فيه احتجاجات عمّال النفط والكهرباء، وموظفي قطاع الرعاية الاجتماعية، ومستوري السلع الأساسية، كان دليلاً واضحاً على القطيعة الاجتماعية العميقة وانهيار الثقة بالمؤسسات الرسمية. هذه الموجة الواسعة من الغضب والاحتجاج تتجاوز مجرد المطالبة بزيادة الأجور، فهي في جوهرها اعتراض على طبيعة الظلم والقمع الاقتصادي اللذين يسحقان مختلف شرائح المجتمع.

المحور الأساسي لانتفاضة العاشر من ديسمبر كان تجمع ألف عامل من العاملين بعقود الشركات في مؤسستي النفط والكهرباء، الذين أحاطوا بقلب النظام التشريعي، أي البرلمان، بشعارات قاسية ومزلزلة. مطلب هؤلاء العمال كان اجتثاث نظام الوساطة الذي يمثله المقاولون، وتنفيذ «خطة تحويل الوضع الوظيفي». شعار «ظُلمنا، فلماذا تُهمل القوانين؟» كان خلاصة إحساس طبقي بالخيانة، إذ ترى هذه الفئة أن الوعود القانونية تحوّلت إلى أداة لتأجيل العدالة.

أما العبارة الصادمة «المدفع، الدبابة، ليس للمقاول حق » فهي استعارة عن حربٍ طبقية خفية، يُوضع فيها العامل المتعاقد تحت أقصى درجات الضغط لضمان أرباح المقاولين. وهؤلاء العمال، وهم يهتفون «كفى ظلماً وقهراً، موائدنا فارغة»، حوّلوا الفقر إلى لغة سياسية.

وبالتزامن مع مطالب عمّال قطاع الطاقة، كُشف الستار عن مأساة إنسانية في مجال الخدمات الاجتماعية: احتجاجات موظفي هيئة الرعاية الاجتماعية. هذه التجمعات، التي انطلقت من محافظات مختلفة، عرّت تناقضاً مؤلماً؛ فالعاملون الذين تقع على عاتقهم مهمة رعاية أكثر فئات المجتمع هشاشة، يجدون أنفسهم اليوم غارقين في أزمة معيشية خانقة وتحت خط الفقر المؤسسي. أحد هؤلاء الموظفين، الحاصل على شهادة ماجستير ولديه 15 سنة من الخدمة، كشف أن راتبه يبلغ 17 مليون تومان، في حين أن راتبه القانوني الفعلي لا يتجاوز 13 مليون تومان. هذه الأرقام تكشف هشاشة طبقة متخصصة ومتعلمة، عاجزة رغم خبرتها وتخصصها عن تأمين أبسط مقومات الحياة.

وفي شيراز أيضاً، رفع عمال المصانع الاتصالية سؤالاً موجعاً: «بماذا نعيش؟»، كاشفين عن ممارسات جائرة تُقابل فيها صرخات المطالبة بالحقوق، منذ أشهر، بالتجاهل والتهديد لا غير.

طهران ..آلاف عمّال النفط والغاز والكهرباء يحتجّون أمام البرلمان على تدهور الأوضاع المعيشية

مظاهرة حاشدة لخمسة آلاف من عمال النفط والغاز في مجمع بارس الجنوبي تشل “قلب الاقتصاد” 

ولم تقتصر ساحة الاحتجاجات على القضايا الداخلية للمؤسسات الحكومية، بل امتدت إلى الحلقة الحيوية في الاقتصاد، أي استيراد وتأمين السلع الأساسية. فقد تجمع مستوردو الأرز أمام وزارة الجهاد الزراعي، محتجين على «حالة اللايقين» التي استمرت 11 شهراً في الحصول على العملة الحكومية اللازمة لاستيراد هذه السلعة الأساسية. هذا الخلل الطويل في تخصيص العملة يبيّن أن أزمة المعيشة لا تنبع فقط من تدني الأجور، بل هي نتاج فشل بنيوي في السياسات الاقتصادية، يضغط على العامل ويعطّل في الوقت نفسه مسار الإنتاج وتأمين الغذاء.

هذه التجمعات في طهران لم تكن سوى جزء من خريطة احتجاجات شاملة. فمن الإضراب الذي استمر ثلاثة أيام لعمال فولاذ شادكان، إلى احتجاجات العمال المتعاقدين في عسلويه المطالبين بإلغاء الاستثناءات في قوانين العمل، وصولاً إلى احتجاجات طلاب الثانوية المتقدمين للامتحانات التنافسية ضد قرار اعتبروه موجهاً ضد «المحرومين»، واحتجاجات مزارعي كرج؛ جميعها تشير إلى شمولية الأزمة وتعدّد أبعادها.

إن هذه الاحتجاجات، قبل أي شيء آخر، تمثل وثيقة تاريخية لفشل السياسات الاقتصادية التي لا تكتفي بعدم تحقيق العدالة، بل تدفع الطبقات الكادحة والمتخصصة إلى هامش الفقر. «الظلم والقهر» و«المائدة الفارغة» هما اللغة المشتركة لكل تلك القطاعات التي خرجت إلى الشارع في يوم واحد، لتتحدى ديكتاتورية تحرس نظاماً طبقياً قائماً على الاستغلال الفجّ لجهد الكادحين.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة