الإنترنت الأبيض… أحدث فصول التمييز الرقمي في إيران
تكشف الفضيحة التي تفجّرت مؤخراً حول ما بات يُعرَف بـ«الإنترنت الأبيض» في إيران أحد أوضح مظاهر التمييز المنهجي الذي يمارسه النظام ضد شعبه. ففي الوقت الذي يَعِد فيه مسعود بزشکیان المواطنين بـ«حرية الإنترنت» ورفع الحجب عن فضاء التواصل، يتبيّن أن الحرية الموعودة ليست سوى امتياز حصري لطبقة الحاكمين، بينما يبقى ملايين الإيرانيين خلف جدران رقمية من الرقابة والقيود.
فقد أظهر التحديث الأخير لمنصّة إكس، الذي يُفعّل موقع المستخدمين الجغرافي، أن قيادات قوات الحرس، والمسؤولين الأمنيين، وأعضاء البرلمان، وأئمة الجمعة، ومسؤولي الحكومة وحتى عائلاتهم يستخدمون الإنترنت المفتوح بلا أي حجب. في المقابل، يعاني المواطن العادي من عناء استخدام كواسر الحجب المرهِقة، غير الآمنة، والمكلفة للوصول إلى أبسط أدوات العمل والتواصل.
هذا الاكتشاف لم يأتِ عبر تسريب سياسي، بل بفضل تقنية بسيطة فضحت ازدواجية النظام: فظهور الموقع الجغرافي «إيران» على حسابات هؤلاء — رغم أنهم من أشدّ المدافعين عن الحجب — يؤكد أنهم يستخدمون خطوطاً خاصّة لا تمرّ عبر طبقات الرقابة المفروضة على عامة الناس. هكذا يتحول الوعد بالحرية الرقمية إلى واقع معكوس: إنترنت مفتوح للحرس ورجال السلطة، وإنترنت مغلق ومفلتر للشعب.
وسائل الإعلام الإيرانية نفسها، التي تعكس صراع الأجنحة داخل السلطة، لم تستطع تجاهل الفضيحة. فقد استخدمت بعض الصحف عبارات لافتة مثل «الأبارتهايد الإلكتروني» و«الرياء المرعب» لوصف هذه السياسات التمييزية. صحيفة جهان صنعت أشارت إلى أن بزشکیان — الذي فاز بأقل نسبة مشاركة انتخابية — لم يُقدّم أي خطوة عملية لرفع الحجب، بل سمح بترسيخ سياسة الفصل الرقمي بين الطبقة الحاكمة والمواطنين.
أما صحيفة هممیهن فكشفت أن بعض المدافعين الشرسين عن الحجب، بل وحتى حسابات اشتهرت بشتائمها للنظام، ظهر أنها تملك «شريحة بيضاء» تسمح لها بإنترنت بلا قيود. فيما وصفت صحيفة اعتماد هذه الممارسات بأنها «قمّة الرياء»، إذ يتم رفع القيود عن السايبريين التابعين للنظام وحتى لجماعات أخرى، بينما يبقى الشعب الإيراني مكبّلاً خلف الجدران الرقمية.
إضافة إلى ذلك، كشفت الضجّة حول الإنترنت الأبيض جانباً أكثر خطورة: ارتباط الحجب بمافيات قوية تستفيد من بيع كواسر الحجب وتحقيق أرباح طائلة عبر التحكم بالوصول إلى الإنترنت. فالدفاع المستميت عن الفلترة ليس دفاعاً عن «القيم» كما يدّعي النظام، بل عن شبكة مصالح ضخمة تعتمد على استمرار القمع الرقمي.
إن فضيحة «الإنترنت الأبيض» ليست مجرّد سوء إدارة أو تمييز إداري، بل امتداد لنهج يقوم على الفصل بين «المواطن» و«السلطة» بكل تفاصيل الحياة، من الاقتصاد إلى السياسة إلى الفضاء الرقمي. وفي دولة تمنع شعبها من التواصل مع العالم بينما تمنح مسؤوليها حرية مطلقة على الشبكة، تصبح الرقابة ليست مجرد أداة… بل جزءاً من بنية الحكم ووسيلة إضافية لإدامة الاستبداد.
- المفاوضات مع أمريكا… الصراع الذي فجّر النواة الصلبة للنظام الإيراني

- قراءة في الوضع الإيراني الراهن وآفاق المستقبل

- إسقاط النظام الإيراني أم انتظار انهياره؟ المقاومة الإيرانية تقدم معادلة التغيير

- إيران بين حرب الخارج وقمع الداخل: الشعب يدفع الثمن والنظام يحافظ على بقائه

- لماذا تخشى طهران وحدات المقاومة أكثر من الحرب؟


