الرئيسيةأخبار إيرانتطبّق سوق القرطاسية: قصة انهيار التعليم في إيران

تطبّق سوق القرطاسية: قصة انهيار التعليم في إيران

0Shares

تطبّق سوق القرطاسية: قصة انهيار التعليم في إيران

مع اقتراب كل عام دراسي جديد، تتجه أنظار الأسر والمجتمع نحو المدارس ومستقبل تعليم أبنائهم. ولكن في إيران التي تعاني من أزمات اقتصادية خانقة، تحولت حتى أبسط الأدوات التعليمية، أي القرطاسية، إلى سلعة فاخرة وطبقية. يكشف تقرير نشرته صحيفة “آرمان ملي” الحكومية بتاريخ 18 سبتمبر 2025، كيف أن الدفتر والقلم والحقيبة المدرسية – وهي أدوات يجب أن تكون في متناول الجميع – أصبحت الآن مؤشرًا لقياس الفجوة الطبقية في المجتمع.

كتبت الصحيفة بلهجة حذرة: “سوق القرطاسية أصبح طبقيًا أيضًا”؛ وهو اعتراف لا يعكس حقائق السوق بقدر ما يشهد على الفساد والجريمة والنهب المنهجي.

وفقًا لهذا التقرير، بينما تنفق بعض الأسر ما يزيد عن 10 ملايين تومان لشراء حقيبة مدرسية واحدة، فإن الكثيرين غير قادرين حتى على توفير مجموعة أساسية من الأدوات الكتابية بقيمة مليون تومان. هذه الازدواجية تكشف بوضوح عن الوجه المشوه لمجتمع تحول فيه التعليم من فرصة متكافئة إلى امتياز طبقي.

جذور الأزمة: ما هو أبعد من ارتفاع أسعار الصرف

في محاولتها لشرح أسباب الغلاء، أشارت صحيفة “آرمان ملي” إلى ارتفاع أسعار الصرف، واعتماد الإنتاج على المواد الخام المستوردة، وحتى الانقطاعات المتكررة للكهرباء. هذه العوامل حقيقية بالطبع: إنتاج الأقلام والدفاتر يعتمد على الورق والخشب والجرافيت، والكثير منها يتم استيراده؛ كما أدت انقطاعات الكهرباء في الصيف إلى تعطيل الإنتاج المحلي، وزادت التكاليف الجانبية مثل النقل والتغليف من حدة التضخم.

ولكن ما أغفله التقرير هو دور السياسات الكلية والفساد الهيكلي. لماذا يجب على بلد يرفع شعار الاكتفاء الذاتي لسنوات أن يكون معتمدًا إلى هذا الحد في أبسط السلع التعليمية؟ لماذا اكتفت الحكومة بوعود متكررة وتخصيص هزيل للعملة الأجنبية بدلاً من دعم المنتجين المحليين بشكل حقيقي؟ الحقيقة هي أن غلاء القرطاسية ليس سوى انعكاس مصغر للأزمة العامة التي يعيشها الاقتصاد الإيراني؛ أزمة تمتد جذورها إلى الفساد المنهجي وإعطاء الأولوية للنفقات العسكرية والأمنية على حساب رفاهية الشعب وتعليمه.

تطبّق التعليم من بوابة القرطاسية

الفروق في الأسعار في سوق الأدوات الكتابية صارخة لدرجة يمكن اعتبارها مؤشرًا واضحًا على انعدام المساواة الاجتماعية. يمكن لأسرة أن تنفق الملايين على حقيبة ومقلمة، بينما تضطر أسرة أخرى إلى حساب كل قرش وحذف بعض الضروريات لشراء دفتر بسيط. هذه الفجوة ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل تؤثر بشكل مباشر على نفسية الطلاب.

الطالب الذي يدخل الفصل بمقلمة فاخرة ودفاتر ملونة يشعر بالتفوق والامتياز أمام زميله الذي لا يستطيع حتى شراء دفاتر كافية. وفي المقابل، يشعر الطالب المحروم بالدونية والحرمان. يؤدي هذا الوضع إلى تراجع الدافع، وانخفاض الثقة بالنفس، وفي النهاية انخفاض جودة التعليم في الطبقات الدنيا. بعبارة أخرى، تحولت سلعة تبدو بسيطة مثل القلم والدفتر إلى أداة لإعادة إنتاج الفجوة الطبقية في نظام التعليم الإيراني.

العواقب الاجتماعية والتعليمية

لقد تدهورت القوة الشرائية للأسر لدرجة أن العديد من الآباء أصبحوا مضطرين لشراء “الضروريات فقط” في بداية العام، وتأمين بقية اللوازم بمرور الوقت وبصعوبة بالغة. هذا الحل الاضطراري له عواقب عميقة: الطالب الذي يبدأ عامه الدراسي بنقص في الأدوات التعليمية يرافقه باستمرار شعور بالحرمان والقلق.

من ناحية أخرى، فإن إقبال الأسر على السلع منخفضة الجودة والمهربة – لكونها أرخص – يضعف السوق الرسمية؛ كما أن استخدام أدوات كتابية رديئة يقلل من إنتاجية الطالب ويزيد من استيائه. نتيجة لذلك، لا يتضرر المجتمع اقتصاديًا فحسب، بل ثقافيًا وتعليميًا أيضًا.

اعتراف يتجاوز السوق

إن تطبّق سوق القرطاسية، كما اعترفت صحيفة “آرمان ملي” عن غير قصد، ليس مجرد قضية اقتصادية. هذه الظاهرة هي علامة على الانهيار التدريجي للعدالة التعليمية والاجتماعية في إيران اليوم. كل دفتر وقلم يُباع بسعر فلكي هو دليل على عمق الفجوة الطبقية؛ كل حقيبة ظهر فاخرة بجانب دفتر نادر لطالب محروم هي صورة لمجتمع ممزق.

لقد أصبح التعليم ساحة لإعادة إنتاج اللامساواة، بدلاً من أن يكون أداة للتضامن والنمو المتكافئ للجيل الشاب. هذا الوضع لا يهدد مستقبل الأطفال فحسب، بل يهدد مستقبل المجتمع بأسره. واعتراف هذه الصحيفة بجزء من الحقيقة هو وثيقة على أزمة لم يعد نظام ولاية الفقيه قادرًا على إخفائها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة