انتفاضة 2022 في إيران: تحليل استراتيجي لثورة لا عودة عنها
يجب اعتبار عام 2022 عام الانتفاضات الكبرى في إيران. ففي ذلك العام، شهدنا سلسلة من المظاهرات والاحتجاجات العامة التي، وإن كانت مألوفة في المشهد الإيراني، إلا أن استمراريتها وزخمها كان ظاهرة فريدة في العقود الأربعة الماضية. بدأت شرارة الاحتجاجات مع “انتفاضة الجياع” ضد غلاء الأسعار، وتلتها “انتفاضة متروبول” في عبادان، التي اندلعت بسبب الفساد الحكومي. لكن الحدث المفصلي كان في 16 سبتمبر 2022، بعد مقتل الشابة مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، حيث انفجر الغضب المكبوت للشعب في انتفاضة شاملة عمت معظم مدن ومحافظات البلاد، ووجهت ضربة قاصمة لهيبة نظام ولاية الفقيه، وكشفت للعالم كله عن افتقاره للمشروعية والمستقبل.
“لا للشاه ولا للملالي”: شعار يحدد مستقبل إيران
أثبتت انتفاضة 2022 أن شعار “لا للشاه ولا للملالي” ليس مجرد رؤية لمستقبل إيران الديمقراطي، بل هو ضرورة حتمية لإسقاط الاستبداد الديني القائم. فبعد شهر من انطلاق الانتفاضة، وعندما أدرك نجل الشاه المخلوع ودوائره الرجعية والاستعمارية جدية الموقف، دخلوا على خط الأحداث بأمر من أسيادهم، وكشفوا تدريجيًا عن طبيعتهم ومهمتهم الحقيقية. وقد برزت في تحركاتهم سمتان مميزتان: العداء الشديد لـالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومجاهدي خلق، والصلات الوثيقة مع حرس النظام الإيراني. وقد كان المشهد فاضحًا لدرجة أن بعض فلول نظام الشاه نفسه تساءلوا عن هوية هؤلاء الذين ينتقلون مباشرة من أجهزة النظام الحاكم إلى دوائر الشاه في لباس المعارضة!
وقد علق مسؤول المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية على هذه المسرحيات قائلًا: “إن كل استعراضات نجل الشاه وحاشيته صبت في نهاية المطاف في مصلحة الملالي. وإلا لكانت جبهة الشعب في مواجهة الملالي أكثر بساطة ووضوحًا وتوحّدًا. ولهذا السبب، تصر المقاومة الإيرانية على مبدأ ‘لا للشاه ولا للملالي’ كأساس لجبهة الشعب”.
نقطة اللاعودة: لماذا لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟
إن إعادة المجتمع الإيراني الثائر إلى ما كان عليه قبل انتفاضة سبتمبر 2022 أشبه بمحاولة إعادة رصاصة أُطلقت إلى فوهة البندقية. إنها عملية لا رجعة فيها، يمكن تفسيرها باستخدام القانون الثاني للديناميكا الحرارية؛ فكما لا يمكن إعادة كعكة مخبوزة إلى مكوناتها الأولية، لا يمكن إعادة المجتمع إلى حالته السابقة بعد تحول نوعي عميق.
وقد اعترف عالم الاجتماع الحكومي “أمان الله قرائي مقدم” بهذا التحول النوعي في المجتمع الإيراني، قائلًا في مقابلة مع وسيلة إعلام حكومية:
“لقد تغير جيل الشباب ولم يعد يقبل الفرض والإجبار. التجربة أثبتت أن الإكراه في القضايا الاجتماعية والعقائدية يؤدي دائمًا إلى نتائج عكسية… الشاب اليوم مستقل وعقلاني، يتبع عقله ومعرفته وليس ما تريده الحكومة. عندما لا يستمع الشاب لوالديه، كيف يمكن أن نتوقع منه أن يغير معتقداته بناءً على رغبة السلطة؟ أعتقد أن المجتمع يسير في طريقه، وكلما زادت القيود، زادت المقاومة”.
وفي ختام حديثه، أعلن بصراحة نهاية عهد خامنئي والنظام، قائلًا: “المجتمع لن يعود إلى ما كان عليه قبل ستة أشهر، وصناع السياسة هم من يجب أن يتغيروا، لأن الشباب سيمضون في طريقهم”.
استقطاب حقيقي: من هو اللاعب الرئيسي في الميدان؟
من أبرز سمات انتفاضة 2022 أنها أوضحت الاستقطاب الحقيقي في المجتمع الإيراني. منذ 20 يونيو 1981، لم يكن هناك سوى استقطاب رئيسي واحد في المشهد السياسي الإيراني: في أحد طرفيه تقف القوة الساعية لإسقاط النظام، أي مجاهدي خلق والمقاومة الإيرانية، وفي الطرف الآخر يقف نظام ولاية الفقيه بجميع أجنحته. وقد تجلى هذا الاستقطاب بوضوح في شعار “الموت للظالم، سواء كان الشاه أو الولي الفقيه”، الذي أظهر رفض الشعب لأي عودة إلى الديكتاتورية.
وقد جاء الاعتراف بدور المقاومة من قلب النظام نفسه، حيث كتبت صحيفة “فرهيختكان” التابعة لعلي أكبر ولايتي:
“منظمة مجاهدي خلق في قلب الميدان، لكن جميع أعضاء المعارضة يتجاهلون ذلك ويمرون بجانبهم مطأطئي الرؤوس… لا أحد يعترف بأن منظمة مجاهدي خلق هي قلب هذه الحركة. يتم إنكار هذه الحقيقة البغيضة باستمرار، لكن لا يمكن تجاهل تأثيرها العملي. إن السؤال عن سبب ما حدث، سيجد جزءًا رئيسيًا من إجابته في الدور الحقيقي لمجاهدي خلق، الذي يتم إنكاره”.
لقد أثبتت انتفاضة 2022 أنها ليست مجرد موجة احتجاج عابرة، بل نقطة تحول استراتيجية أفرزت واقعًا جديدًا لا رجعة فيه. فقد أكدت صحة استراتيجية المقاومة المنظمة، وأوضحت الاستقطاب الحقيقي في المجتمع، وأثبتت أن أي محاولة لإعادة إنتاج الديكتاتوريات القديمة، سواء كانت الشاة أو ملالي، مصيرها الفشل. إن الاعترافات الصادرة من داخل النظام نفسه تؤكد أن المحرك الرئيسي للأحداث هو قوة منظمة لم يتمكن النظام من القضاء عليها على مدى أربعة عقود، وهي القوة التي ستقود إيران حتمًا نحو جمهورية ديمقراطية.
- نهاية الحرب.. الضربة القاضية لنظام الملالي
- ناشطة إيرانية: التغيير في إيران ممكن ونطالب الغرب بالاعتراف بحقنا في الدفاع عن النفس
- علي صفوي عبر أرايز نيوز: وقف إطلاق النار نافذة للانتفاضة، ولا بديل عن إسقاط ديكتاتورية الولي الفقيه
- جعفر زاده على نيوز نيشن: الشعب الإيراني يستأنف معركته ضد الولي الفقيه لإنهاء الاستبداد
- تلفزيون إل تورو: انتهاء الحرب يعرّي النظام والسلام الفعلي رهن بإسقاط الولي الفقيه
- الحرب داخل الحرب: كيف تستغل سلطة الولي الفقيه الصراع لتمرير المشانق؟







