هجمات النظام الإيراني على وكالة الطاقة الذرية
في خطوة تصعيدية جديدة، أعلن النظام الإيراني عن تغيير جوهري في طبيعة تعاونه مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في خطوة يراها المراقبون مناورة ضعف تهدف إلى إخفاء حقائق على الأرض والضغط على القوى الدولية.
يوم السبت، 12 يوليو 2025، وفي لقاء مع السفراء الأجانب في طهران، صرح وزير الخارجية للنظام، عباس عراقجي، بنبرة تمزج بين التهديد والقلق، بأن “آلية الزناد ستكون نهاية للدور الأوروبي في الملف النووي الإيراني”، وأضاف بخصوص العلاقة مع الوكالة: “تعاوننا مع الوكالة لم ينقطع، لكنه سيتخذ شكلاً ومساراً جديداً. لسنا راضين عن أداء الوكالة”.
وتأتي هذه التصريحات بعد ثلاثة أيام فقط من تأكيد عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، جواد ظهرهوند، في 9 يوليو، بأن “آخر مفتش للوكالة غادر إيران في الأيام القليلة الماضية عبر حدود أرمينيا البرية”. وفي نفس اليوم، احتفت وسائل الإعلام الحكومية بعناوين مثل “بدء تعليق التعاون بين إيران والوكالة رسمياً”، معلنةً عن الإجراء الجديد للنظام.
وفي المقابل، حذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في مقابلة مع صحيفة بولندية، قائلاً: “قرار طهران طرد المفتشين يقلل من الشفافية، وكلما قلت قدرتنا على الوصول، زادت المخاطر على الأمن الدولي بأسره. يجب أن نكون على الأرض لنتحقق من كل شيء بأعيننا”.
هذه التطورات هي حلقة في سلسلة من الإجراءات بدأت في 25 يونيو 2025، مع إقرار برلمان النظام قانوناً يقضي بتعليق التعاون مع الوكالة، وهو ما صادق عليه مجلس صيانة الدستور على الفور، وأصدر مسعود بزشكيان أمراً رسمياً بتنفيذه. ينص القانون على أن الحكومة “مكلفة بتعليق أي شكل من أشكال التعاون مع الوكالة القائم على معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) والضمانات المرتبطة بها فوراً، حتى يتم استيفاء شروط منها ضمان أمن المنشآت والعلماء”.
وخلف هذه الخطوة تكمن حقيقة واضحة: نظام الملالي، تحت ضغوط دولية هائلة، لا يملك القدرة على المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وأوروبا. لذلك، يستهدف الوكالة الدولية باعتبارها “الحلقة الأضعف”. من ناحية أخرى، يُعتقد أن النظام لا يريد السماح لمفتشي الوكالة بالاطلاع على حجم الدمار الذي لحق بمنشآته النووية في فوردو ونطنز وأصفهان جراء هجمات أمريكية محتملة.
ويظن النظام أن التلويح بصنع قنبلة نووية بعد تعليق التعاون هو استعراض للقوة وورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية. إنها نفس اللعبة المألوفة لكسب الوقت والمراوغة للالتفاف على الضغوط.
واللافت أنه على الرغم من التهديدات المتكررة بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، اكتفى النظام حالياً بتعليق التعاون مع الوكالة مع الحفاظ على عضويته. هذا التناقض هو أيضاً علامة على التردد و”اللعب على الحبلين” الذي لطالما اتسم به النظام: التظاهر بالصلابة للاستهلاك المحلي، مع ترك نافذة مفتوحة للتراجع في أي مفاوضات محتملة لاحقاً مع الجانب الأمريكي.
ولكن هذه المناورة، التي تنطلق من موقف ضعف، قد تكون لها عواقب وخيمة على النظام نفسه، لدرجة أن الخوف تسرب إلى بعض أجنحة السلطة. في 8 يوليو، حذرت ما تسمى بـ “جبهة الإصلاح” في بيان: “نعرب عن قلقنا العميق إزاء القانون الأخير الذي أقره البرلمان بشأن تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والإجراء المتسرع الذي اتخذه بزشكيان لإصداره وتنفيذه. نعلن أن نتائجه في ظل الظروف الخطيرة الحالية تتعارض مع المصالح الوطنية وأمن ومصالح النظام… هذه الإجراءات لها عواقب خطيرة ومكلفة، بما في ذلك زيادة احتمالية تفعيل آلية الزناد”.
يسعى نظام الملالي من خلال هذه اللعبة المحفوفة بالمخاطر إلى احتواء الضغوط، لكنه في المقابل يعرّض نفسه لمخاطر قد يجد معها أن طرق العودة أصبحت مغلقة.
- وقف الإعدامات شرط لأي مسار نحو الاستقرار في إيران والمنطقة
- إعدامات مجاهدي خلق… استراتيجية رعب في مواجهة مجتمع يغلي
- إيران وإعدامات سياسية في ظل الحرب
- نظام الملالي يهرب إلى المشنقة لتأجيل سقوطه
- إعدام مجاهدي خلق… محاولة يائسة لإخماد نار التغيير
- لا عودة إلى الوراء: إيران بين سقوط النظام وصعود البديل الديمقراطي







