الرئيسيةأخبار إيرانكيف كشفت الحرب عن أزمات النظام الإيراني المتراكمة ومأزقه البنيوي

كيف كشفت الحرب عن أزمات النظام الإيراني المتراكمة ومأزقه البنيوي

0Shares

كيف كشفت الحرب عن أزمات النظام الإيراني المتراكمة ومأزقه البنيوي

تترك كل حرب آثارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الأرض قبل أن ينجلي غبارها عن السماء. لقد حاول نظام الملالي استغلال أجواء “حالة الطوارئ” التي فرضتها الحرب والتهديدات المستمرة لإخفاء أزماته المتراكمة خلف ستار من القمع والدعاية، لكن ما نشهده اليوم من تفجر سلسلة من الأزمات يكشف أن هذا الغطاء كان أرق من أن يتحمل ضغطًا بهذا الحجم. إن القاسم المشترك بين كل هذه الأزمات هو الانهيار الكامل لرأس المال الاجتماعي للنظام وتفجر انعدام الثقة في قلب المجتمع.

وكانت إحدى الحيل الدعائية الشائعة للنظام هي إلقاء لوم الأزمة الاقتصادية على العقوبات. لكن الشعب الإيراني طرح مرارًا وتكرارًا سؤالًا صريحًا: إذا كان الفقر والتضخم ناتجين فقط عن العقوبات، فلماذا تم إنفاق ولا يزال يتم إنفاق مليارات الدولارات في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وكذلك في الصناعات الصاروخية والنووية؟ هذا السؤال لا يتحدى فقط طريقة تخصيص الموارد، بل يوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى الهيكل السياسي الاحتكاري والاقتصاد الريعي الحاكم؛ وهو هيكل قضى على إمكانية قيام مؤسسات مستقلة وخاضعة للمساءلة عبر سيطرته على الموارد، وحصر دائرة صنع القرار في قبضة فئة قليلة.

ومن منظور الاقتصاد السياسي، يمكن الخوض في التفاصيل الفنية لانهيار قيمة العملة الوطنية، وتراجع مؤشرات الرفاهية، وانخفاض الاستثمار الأجنبي، والإغلاق المتتالي للمؤسسات الإنتاجية؛ لكن الجذر يكمن في مكان آخر: في بنية حكم طائفية أشبه بحكم أمراء الحرب (ملوك الطوائف)، حصرت السلطة والثروة في حلقة ضيقة. نتيجة هذا التركيز هي ظهور ظاهرة يطلق عليها علماء الاجتماع “الاحتكار السلطوي”، حيث يقوم الحكام بتخصيص الموارد العامة وفقًا لأهوائهم، ويربطون أي نقد يوجه إليهم بتهديد الأمن القومي.

الجمود في قمة السلطة واستحالة الإصلاح

في خضم هذا المأزق، اعترفت صحيفة “جهان صنعت” الحكومية في عددها الصادر بتاريخ 8 يوليو 2025، تحت عنوان “طريق للنجاة”، بالواقع المرير حيث كتبت:

“لإنقاذ صناعة الطاقة والاقتصاد الوطني، تحتاج إيران إلى إصلاحات هيكلية وإعادة نظر في سياساتها الخارجية… بدون مراجعة عميقة للسياسة الخارجية وإصلاحات هيكلية… حتى لو تراجع الضغط الخارجي، لن يكون للاقتصاد الوطني القدرة على النهوض.”

يحمل هذا الاعتراف الرسمي معنى واضحًا: الأزمة الحالية ليست مجرد نتاج للضغوط الخارجية، بل هي نتيجة للجمود التام في عملية صنع القرار في قمة السلطة. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما معنى “الإصلاحات الهيكلية” في نظام يهيمن فيه الولي الفقيه وشبكة من المؤسسات المعينة على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية؟ الحقيقة هي أن أي خطوة نحو الإصلاح الحقيقي تتطلب تحديد سلطات المؤسسات العليا وعلى رأسها خامنئي؛ ومثل هذه العملية لا يمكن أن تنبثق من رحم الدستور الحالي. من هنا، فإن أي نقاش حول الإصلاح الحقيقي يؤدي حتمًا إلى حتمية إسقاط الهيكل القائم.

تآكل رأس المال الاجتماعي

تنقل الصحيفة عن الخبير الاقتصادي مرتضى أفقه قوله: “لقد تآكل رأس المال الاجتماعي، واليوم لم يعد الناس يتمتعون بذلك التجاوب السابق؛ لقد استهلكت الحكومات خلال هذه الفترة كل الاحتياطيات المتاحة، وللأسف لم يبق شيء”.

وفقًا لعلماء الاجتماع، يمثل رأس المال الاجتماعي الدعامة غير المرئية لشرعية أي حكومة. عندما تنكسر هذه الدعامة، فإن أي سياسة جديدة تهتز في رياح انعدام الثقة وتسقط. وتختتم الصحيفة مقالها، مع إقرارها باستحالة إصلاح النظام، بإطلاق رصاصة الرحمة على مستقبله قائلة: “لحل المشاكل الاقتصادية الحالية، الوصفات الاقتصادية البحتة ليست فعالة… من الضروري أن نغير نظرتنا إلى التفاعلات العالمية… خاصة حل الخلافات العميقة مع أوروبا وأمريكا، الأمر الذي يمكن أن يهيئ الأرضية لحل المشاكل الاقتصادية.”

والترجمة السياسية لهذه التوصية واضحة: تغيير جذري في توجه السياسة الخارجية والتخلي عن أيديولوجية المواجهة، وهو ما يعني كسر المحرمات التي بني عليها النظام لأكثر من أربعين عامًا.

قد تخلق الحرب على المدى القصير هامشًا آمنًا للقمع وتصدير الأزمات، لكنها على المدى الطويل تعمل كمرآة تعكس بوضوح كل العيوب الهيكلية. يواجه نظام الملالي اليوم أزمة شاملة يتشابك فيها التضخم الجامح مع انهيار وذبول رأس المال الاجتماعي.

لقد أثبتت تجربة العقدين الأخيرين أنه لا زيادة عائدات النفط ولا الاتفاقات المؤقتة قادرة على تضميد هذا الجرح العميق؛ لأن جذور الأزمة تكمن في آلية تركيز السلطة ورعاية الريع. فإذا كان الإصلاح الهيكلي الحقيقي يعني استعادة سيادة الشعب على مصيره، فإننا نصل إلى ضرورة تغيير نموذج الحكم؛ تغيير لا يمكن تحقيقه إلا بنفي الهيكل الحالي. والقوة التي ستعجل بتحقيق ذلك ليست حربًا خارجية، بل تضامن الشعب الإيراني حول انتفاضة منظمة، ستكون بمثابة منصة انطلاق نحو مستقبل ديمقراطي.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة