728 x 90

"لا تذلل صعاب الحياة إلا بنضال مشترك"

محمد رضا شجريان
محمد رضا شجريان

«منذ نشر خبر وفاة الأستاذ محمد رضا شجريان، كانت قضیة عدم قدرة العديد من محبیه على إقامة حداد جماعي له، من أبرز القضايا على مواقع التواصل الاجتماعي.

عندما لا يقام الحداد العام بشكل صحيح، يشعر الناس أنه لم يتم التعامل مع الأمر بشكل صحيح وأن مکانة ذلك الشخص لم تصان بالشكل المطلوب، ويمكن أن يبقى هذا مع الناس في صورة كراهية وغضب مكبوتين» (صحیفة اعتماد، 11 أکتوبر 2020).

قامتان فنیتان عظیمتان ترقدان إلی جوار بعض

محمد رضا شجريان، الفنان الذي دفن في طوس بالقرب من مشهد بمحافظة خراسان، صباح یوم السبت العاشر من أكتوبر 2020، في ظل حكم الملالي على جغرافية وحضارة وثقافة بلادنا إیران، يذكرنا بالنفي المأساوي الذي تعرض له الشاعر العظیم أبو القاسم فردوسي قبل 1000 عام. فقد تم نفي فردوسي من موطنه بسبب هجائه للسلطان محمود غزنوي وعاش في المنفى مغموراً ومطمور الصیت.

أما بالنسبة للأستاذ الفنان شجريان فإن جریمته تتمثل في کونه لم يرضخ للملالي، أعداء الثقافة والفن والموسيقى، وثار ضد الدیكتاتور المعمم. وبالتالي فإن الأول قد صان اللغة والثقافة الإيرانیة عن طریق "الشاهنامه" (أثر فردوسي)، والثاني صان موسيقى هذه البلاد وحماها من هجوم المعممین المتخلفین، وکان حب الوطن والشعب والثقافة الإیرانیة قاسمها المشترك، أما الآن فالاثنان یرقدان إلی جوار بعضهما البعض.

مراسیم الدفن في ظل إجراءات أمنیة مشددة

لجأت حكومة الملالي إلی إجراءات وممارسات احترازیة خوفاً من أن تتحول مراسیم دفن الفنان الإيراني الشهير إلى انتفاضة في شوارع طهران، من بینها: مهاجمة المعزین بكلاب الشرطة المسعورة، جعل كورونا ذریعة لمنع الحضور الجماهیري، تفريق الحشود الجماهیریة في طهران باستخدام القوة والعنف، مراقبة عائلة شجريان بشکل مستمر من قبل أشخاص بالزي المدني وکذلك عناصر الشرطة، نقل جثمان شجريان على عجل إلى مشهد، إقامة مراسم الدفن في وقت مبكر من الصباح، تدخل مسؤولین حكوميین وعناصر من وزارة المخابرات بالمراسیم وعدم السماح للحشود بتوديع فنانهم المحبوب عن قرب.

خطر انفجار الغضب الشعبي المکبوت

ما بدا واضحاً للغایة هو أن الحكومة قد اشتمت رائحة الخطر الوشیك وعرفت أنه إذا تأخرت في اتخاذ التدابیر اللازمة عشیة ذكرى انتفاضة نوفمبر، فإن انتفاضة مماثلة لانتفاضة نوفمبر 2019 الناریة ستتربص بها.

أظهر التجمع العفوي للشعب لتوديع الفنان شجريان ومشاهد تفاعله وغنائه الجماعي إلی جانب تردیده لشعار "الموت للديكتاتور"، استعداداً عاماً للتعبیر عن غضب شعبي مکبوت لسنوات مدیدة. غضب من شأنه أن يحول مراسیم تأبین ودفن فنان شعبي محبوب إلى بركان هائل.

وقد اعترف وسائل الإعلام الحكومية صراحة باستقطاب المجتمع. أحد طرفي القطبین، وهو غالبية الإيرانيين، لدیه القدرة علی إحداث انفجار هائل بمجرد شرارة واحدة:

«لقد تسببت الحقائق الراهنة في إيران في أن يتجاوز أي حدث طبيعي الإطار والإحداثيات العادية، وبعبارة أخرى، فإنه يأخذ إطاراً غير واقعي، وفي مثل هذه الأجواء يتم إنتاج الرهاب! سواء قبلت الحكومة أم لم تقبل، فقد أصبح المجتمع الإيراني اليوم ثنائي القطب! ثنائي القطب الذي يسميه البعض الأكثرية والأقلية، ویعتبر البعض الآخر النظرة الحادة القائمة بين القطبين علی أنها خطیرة!» (صحیفة اعتماد، 11 أکتوبر 2020).

تکریم غیر منجز ومراسم غیر مکتملة

تمكنت الحكومة من دفن جثمان أسطورة الأغنیة الإیرانیة من خلال مراسم تشییع ودفن متسرعة وخاضعة لرقابة أمنیة صارمة، لكن القضية لم تنته بعد.

رأى الناس الذين تجمعوا لتأبین وتکریم الفقید شجريان خوف الحكومة من إقامة مراسیم الدفن، ولهذا کانوا مستاءین وغاضبین من عدم إقامة مراسیم تلیق بمكانة أستاذ الموسيقى الإيرانية. وهو ما لم یغب عن ناظر وسائل الإعلام الحکومیة.

فقد کتبت صحیفة "اعتماد في 11 أکتوبر2020: «ترك هذا الفنان هیئة الإذاعة والتلفزة في النظام السابق لاعتقاده أن مکانة الموسيقى الإيرانية الأصيلة لم تحترم فیها، ومن ثم كان من المتوقع بطبيعة الحال أن یرفع عنه الحظر الإعلامي في السنوات السابقة، أو على الأقل یتم تعویض هذا الأمر وقت وفاته حتى نتمكن من الوصول إلى تضامن عام. كما قلت، عندما لا يقام الحداد العام بشكل صحيح، يشعر الناس أنه لم يتم التعامل مع الأمر بشكل صحيح وأن مکانة ذلك الشخص لم تصان بالشكل المطلوب، ويمكن أن يبقى هذا مع الناس في صورة كراهية وغضب مكبوتين».

هذا ليس "حداداً مقتضباً"، بل إنه غضب كامل. في مراسیم تأبین الأستاذ شجريان المقتضبة، رأى الناس تضامنهم ووحدتهم مع بعض، کما رأوا خوف الحكومة من قوة تضامنهم. نتيجة هذين الأمرين هي الإيمان بقوة العزائم التي ما إن ارتبطت ببعضها البعض ستتحول إلی انتفاضة عارمة تجتاح الشوارع.

أنسب إجلال

أنسب إجلال وتكريم لفنان لم يرضخ للمعممین أعداء الفن، هو رفع شعار "الموت للديكتاتور" وتردیده في الأجواء الملتهبة والثوریة للمدن الإيرانية.

هو قد ناشدنا للانضمام في شوارع طهران بعلامة النصر:

"انضم إلینا یا عزيزي! انضم إلینا یا عزيزي!

لا تبقی لوحدك مع الألم، لأن هذا الألم المشترك

لا يتم معالجته بشكل منفصل

صعاب الحياة بالنسبة لنا

صعاب الحياة بالنسبة لنا

لا تذلل أبداً إلا بنضال مشترك

لا تبقی لوحدك مع الألم، انضم إلینا يا عزيزي!

انضم إلینا، انضم إلینا

انضم إلینا يا عزيزي!"