728 x 90

برغم "إغراءات" بايدن..نظام الملالي يسير لمصيره المحتّم

مقال افتتاحي
مقال افتتاحي

بعد التغير الذي جرى في الإدارة في الولايات المتحدة، وقدوم بايدن، من خلال ما أفرزته نتائج الانتخابات، شعر نظام الملالي بالذهول والتفاؤل والهلع في الوقت نفسه من أعلى قمة هرم النظام إلى أسفله، وتحدث حينها مسؤولون عن "الفرص"، وبأنه "لا يحق لأحد أن يحرق الفرص"، بحسب ما ورد على لسان حسن روحاني في 11نوفمبر/ تشرين الثاني.

كما قالوا بأنه مع وصول الديموقراطيين "نشعر أن الفضاء جاهز لعلاقات أوثق وتفاعل أفضل"، وبأن "الوافد الجديد قال إنه يريد العودة إلى الاتفاق النووي" (روحاني - المرجع نفسه).

وخامنئي الذي يدرك محنة النظام وما يعانيه نتيجة سياساته، إضافة للعقوبات التي خلقت أوضاعاً صعبة كالركود الاقتصادي وتداعياته، كان الأشد ذهولاً وارتباكًا، وبهدف المزايدة ورفع الثمن، رفع صوته تكبرا واستعلاءا "إذا أرادوا أن يعود النظام إلى التزاماته، فعلى الولايات المتحدة أن ترفع جميع العقوبات!" (تصريح لخامنئي في 7 فبراير).

ولكن بعد 30 يومًا من تنصيب رئيس البيت الأبيض الجديد، أصبح من الواضح أنه ليس فقط "سياسة الولايات المتحدة تجاه الاتفاق النووي لم تتغير" ولكن "فقط لهجتها ونهجها (مقارنة بترامب) قد تغيرتا"، بحسب ما جاء على لسان آصفي، المتحدث السابق لوزارة خارجية النظام- 20 فبراير.

ولا يقتصر الأمر على عدم الإدلاء بكلمة حتى الآن في الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن رفع العقوبات النفطية والمصرفية والعقوبات الأخرى، بل "اتخذ بايدن (فقط) ثلاث خطوات استعراضية لتهدئة المناخ السياسي بعد شهر من تشكيل إدارته"،.. ولا يضمن رفع العقوبات في المجالات الاقتصادية والمالية والنقدية والنفطية والسياسية "(صحيفة جوان الناطقة باسم قوات الحرس – 20 فبراير).

من ناحيته قال الرئيس الأمريكي في مؤتمر ميونيخ في 19 فبراير في تجاهل كامل للنظام ودون التعليق على رفع العقوبات "نحن مستعدون لاستئناف المحادثات مع مجموعة 5 + 1 بشأن البرنامج النووي للنظام الإيراني، كما يجب علينا أيضا معالجة أنشطة النظام الإيراني المزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط".

وقبله كانت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي قد قالت في 18 فبراير: "النظام الإيراني بعيد عن الوفاء بالتزاماته".

من ناحية أخرى، لم يكن لممارسات النظام الابتزازية، بما في ذلك التهديد بتعليق البروتوكول الإضافي، تأثير على الجانب الآخر من العقوبات إطلاقًا، بل أدى ذلك إلى موجة من التحذيرات".

ومما يدلل على ذلك ما جاء في بيان مشترك لوزراء ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة – 18 فبراير، وورد فيه بحسب ما تلاه وزير الخارجية الألماني هايكو موس – 18 فبراير: "نؤكد على خطورة قرار تقييد وصول الوكالة " و" النظام الإيراني.. يلعب بالنار".

نظام محبط

تسببت هذه الحالة والصفعات المتتالية التي تلقاها النظام في إحباطه من أعلاه إلى أسفله، وأصبح الصراع بين الزمر الحاكمة أكثر تفاقمًا، وهذا ما عبر عنه أحد عناصر النظام في صحيفة أفتاب يزد – 20 فبراير، بالقول: "عقدة الاتفاق النووي عمياء للغاية وقد تصبح أكثر تعقيدًا مع التطورات الحالية".

كما في اليوم نفسه أعرب آخر عن أسفه، قائلاً: "تصريحات بايدن تظهر أنه لا رغبة لديه في العودة إلى الاتفاق النووي، وتعتبر محادثات مجموعة 5 + 1 مجرد اجتماعات لممارسة المزيد من الضغط على النظام، وإضافة القضايا الإقليمية والدفاعية إلى القضية النووية" (حسب ما ورد في صحيفة وطن إمروز – 20 فبراير)، وقال ثالث إن السبيل الوحيد للمضي قدمًا للنظام هو تجرع كأس السم لأن "بايدن يسعى لمناقشة قضايا الصواريخ والنفوذ الإقليمي للمنطقة" (بيكدلي، خبير حكومي، 20 فبراير).

من جانبها ذكّرت صحيفة "ستاره صبح" في 20 فبراير خامنئي بعواقب الامتناع عن تجرع كأس السم قائلةً: "إذا فقدنا الفرصة مرة أخرى، فقد يخضع النظام مرة أخرى للمادة 7 من ميثاق الأمم المتحدة ويظل خاضعًا لعقوبات!، وفي سياق التقريع والتنبيه انتقدت صحيفة "وطن امروز" في اليوم نفسه آمال زمرة روحاني، وكتبت: "أظهر خطاب بايدن مدى عدم جدوى خطاب التفاؤل بالنسبة لأمريكا في فهم العالم الحقيقي؛ ماذا يفعلون الآن مع بايدن، الذي يسلك نفس مسار ترامب في الاتفاق النووي؟"؛

صحيفة أخرى عبرت عن خيبة الأمل ذاتها، فقد جاء في صفحات صحيفة "سياسة روز" بتاريخ 20 فبراير: "أين موقفكم؟ لا نسمع أنباء عن رفع العقوبات قط، بل "تحاول الولايات المتحدة وأوروبا إغراء النظام بمصاصات؛ بينما حتى وعودهم وأفعالهم الاستعراضية ليست مغرية!".

وفي ظل انتكاسة النظام هذه، يرسل روحاني الخائب المصاب بالإحباط المتحدث باسمه إلى المسرح، مستذكراً جذور كل هذه المصائب، ليشكو من "عقدين من الأزمة الوهمية حول البرنامج النووي للنظام"، وهي الأزمة نفسها التي بدأت بكشف مشروع صنع القنبلة.. "بفعل الأعداء" اللدودين للنظام "مما تسبب الكثير من المشاكل للجمهورية الإسلامية!" بحسب (ربيعي – 20 فبراير).

مواجهة الجماهير المصير المحتّم

مقابل تبدّد تلك الآمال الزائفة، تدرك الأطراف المقابلة جيدًا مدى هشاشة نظام الملالي، الذي واجه عدة انتفاضات كبيرة على مدى السنوات القليلة الماضية، من ديسمبر2017 وإلى نوفمبر 2019 ويناير 2020، ومدى تراجع النظام في توازنات القوى.

ويدرك الطرف الآخر بوضوح أن المعطيات تختلف تماماً عن ما كانت عليه الأوضاع في 2015، أي خلال مرحلة التوقيع على الاتفاق النووي، فالشيء الوحيد الذي تلقاه خامنئي وروحاني حتى الآن في راحة يدهما هو "مصاصة مغرية" لتشجيعهما على الانغماس في تجرع كأس السم.

بينما يخلص النظام إلى واقع الأزمات، خاصة الأزمات الاجتماعية والأخطار التي تصاحبها، وضعاً يعترفون فيه بأنهم يعيشون لحظة "انتظار الأزمات حتى تتعمق"، ويحذرون، "إذا لم يتم اتباع السياسة الصحيحة، فإن النظام سوف يتلاشى وينفرط عقده، من الخطير جدا تجاهل هذا الموضوع" بحسب ما جاء في (صحيفة مردم سالاري في 20 فبراير).

في حين يمكن قراءة الوضع السائد بشكل متطابق بما ورد على لسان (أرمين، عضو سابق في مجلس شورى النظام في 20 فبراير) "كل المجموعات والنشطاء السياسيين يقرون بأن وضع النظام مقلق ويواجه أزمة وأزمة عظمى في مختلف المجالات"، وهذا الوضع "خلق أزمات عميقة كان أبرزها احتجاجات نوفمبر 2019" (صحيفة مستقل في 20 فبراير).

وفي ظل هذه المعادلة لم يتبق أمام خامنئي سوى خيارين فقط:

أولهما: التراجع المذل وتقديم تنازلات كبيرة (في ملفي الصواريخ وتدخلاته في المنطقة) مما سيؤول إلى انهيار هيمنة ولاية الفقيه وسلطتها، وبالتالي يؤدي إلى انفتاح الفضاء أكثر فأكثر على الانتفاضة التي ستفضي إلى زوال النظام.

وثانيهما: اتخاذ طريق المواجهة مع المجتمع الدولي، والتي ستكون نتيجتها استمرار سياسة الضغط القصوى، وزيادة العقوبات، والتوافق العالمي ضد النظام، وإقرار المادة 7 من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يجعل النظام ضعيفًا وهشًا لدرجة أنه لن يكون قادرا على مواجهة المجتمع الثائر، وستقرر سلسلة من الانتفاضات مصيره.

حينها لن يكون أمام الولي الفقيه الغارق في وحل الأزمات سوى ساحة المواجهة المفتوحة مع جماهير الشعب الإيراني القابض على الجمر، والذي صبر على رعونة ومغامرات نظام الملالي طويلاً.