728 x 90

المجتمع الإيراني بركان على أهبة الاستعداد للانفجار

العيش في نمط الاحتجاج
العيش في نمط الاحتجاج

إذا شبهنا سلسلة الانتفاضات التي حدثت في المجتمع الإيراني في عصر الديكتاتورية الدينية، وتحديدًا الانتفاضات الثلاث في 2009 و 2018 و 2019 بالزلازل بمختلف درجات ريختر، فسوف ندرك أن إيران حبلى بثورة شاملة وتغييرات جوهرية.

وكلما تقدمنا إلى الأمام من انتفاضة إلى أخرى ندرك تصاعد قوة الانتفاضة واتساع نطاقها وأن فترة وقوعها أصبحت أقرب أيضًا.

ومن منظور آخر، يمكن تشبيه الانتفاضات الاجتماعية الإيرانية بثلاث انفجارات نارية مستعرة من ذروة بركانية. وتشير هذه الانفجارات الثلاث في ثلاث فترات زمنية إلى أن المجتمع الإيراني على أهبة الاستعداد لأن يشهد انفجارا بركانيا ضخما.

نوعٌ من الانفجار الصهاري الذي يتم فيه تفريغ الغازات المتراكمة لسنوات عديدة وطرد الحمم البركانية الذائبة إلى الخارج. ويقول الخبراء الحكوميين الأكثر تحفظًا الذين دائمًا ما يعترفون في تحليلهم باستعداد المجتمع الإيراني لخوض انتفاضات كبرى:

"إن المجتمع الإيراني يشهد حالة من الحراك الثوري في السنوات الأخيرة، ونتيجة لذلك، فإن أي استياء سرعان ما يتحول إلى احتجاج اجتماعي". (سعيد مدني، عالم الاجتماع والباحث في القضايا الاجتماعية. صحيفة "اعتماد"، 1 أغسطس 2020).

الشعب الإيراني ونمط الاحتجاج

كتبت صحيفة "ابتكار" الحكومية في 1 أغسطس 2020:

"إن مجتمعنا يعيش على حافة نمط الاحتجاج منذ فترة طويلة. وقد وصل هذا المجتمع خلال هذه الفترة إلى نقطة الغليان عدة مرات، بيد أنها أُخمدت أيّا كان السبب. وكانت انتفاضة شهر نوفمبر منفذًا شبه مكتمل للمتمردين المتضورين جوعًا". (صحيفة "ابتكار"، 1 أغسطس 2020).

وهذا تفسير حذر ومتزن لواقع إيران. وحريٌ بنا أن نقول إن الشعب الإيراني يعيش في نمط الاحتجاج منذ ما يقرب من 4 عقود. وكلمة نمط مأخوذة من الكلمة اليونانية "باراديجما" بمعنى نمط ونموذج.

وأول من استخدم هذه الكلمة هو توماس كوهين في كتابه " هياكل الثورات العلمية". واستنادًا إلى هذا التعريف، استخدم الشعب الإيراني نمطه المهيمن وإطاره الفكري الثقافي ونمطه في الاحتجاج على نظام أخذ إيران والإيرانيين كرهينة، أي أن الاحتجاج على نظام حكم ولاية الفقيه رسخ في عقول وأعين الشعب الإيراني لدرجة أنه تحول إلى سلوك نمطي، واعترف به المجتمع رسميًا كنمط مقبول وساري المفعول لفترة طويلة، واعتاد عليه وكيّف نفسه معه.

والجدير بالذكر أن غالبية الإيرانيين يعترفون رسميًا بهذا النمط الذي لا بديل له. وقد رأينا مثالًا صغيرًا على ذلك في ترحيب 12 مليون إيراني بهاشتاج "لا للإعدام". وبسبب هذا النمط، تبلورت سلسلة من الانتفاضات على الصعيد الوطني. وإلقاء نظرة على العامل المشترك بين هذه الانتفاضات يجعل هذا المفهوم أكثر وضوحًا.

المعايير المشتركة في الانتفاضات الإيرانية الرئيسية الثلاث

المعايير المشتركة في الانتفاضات الإيرانية الرئيسية الثلاث هي:

- اندلعت كل الانتفاضات الثلاث حاملة فحوى التحرر من الاستبداد الديني.

- لقد استهدفت الانتفاضات الثلاث رأس نظام الحكم، أي على خامنئي شخصيًا، ومبدأ ولاية الفقيه المناهض لإيران والإيرانيين.

- جلبت الانتفاضات الثلاث العنصر الاجتماعي إلى الواجهة وتميزت بشموليتها على الصعيد الوطني.

- رد نظام الملالي على الانتفاضات الثلاث باللجوء إلى قوة البطش، بيد أن هذا البطش زاد من دوافع المتمردين ليس إلا.

- وصلت الاحتجاجات في جميع الانتفاضات الثلاث إلى العمق، واحتفظت بحرارتها وحيويتها مثل النار تحت الرماد، وأضافت إليها لكي تتصاعد من مكان آخر بمزيد من الراديكالية أكثر من ذي قبل في الظروف المواتية.

- ودعت كل الانتفاضات الثلاث إلى القضاء على الاستبداد الديني برمته. ففي انتفاضة يناير 2018، كان التخطيط يدور حول القضاء على زمر نظام الملالي، وفي انتفاضة نوفمبر 2019، ردد المتظاهرون هتاف "لا للشاه، ولا للملالي".

والجدير بالذكر أن هذه الانتفاضات الثلاث في تطورها الطبيعي تعمل الآن على بلورة انتفاضة كبرى واسعة النظاق.

حرب أكون أو لا أكون

إن القاعدة الطبقية للانتفاضة، ولاسيما بعد انتفاضة يناير 2018، وتحديدًا في انتفاضة نوفمبر 2019، كانت من أكثر العناصر الكادحة والأكثر تعرضًا لفقدان حياتها في المجتمع.

وهم أُناس تخلو وجبتهم الغذائية حتى مما يكفي من الخبز الجاف. ويحدث هذا الوضع المأساوي بفضل "النظام المقدس" الذي يعيش في كنفه 4 في المائة فقط من السكان حياة فاخرة.

واعترفت وكالة "إيلنا" للأنباء في 30 يوليو 2020، بأننا لم نعد نرى سوى القليل من العلامات على وجود الطبقة الوسطى في الاقتصاد الإيراني.

والجدير بالذكر أن الطبقة الوسطى التي يمكنها أن تحصل على الضروريات الأساسية للحياة، مثل الإسكان والسيارات خلال بضعة أشهر من الإدخار أو القروض، لم تعد موجودة في الهيكل الطبقي لإيران، لأن كل شيء أصبح فاخرًا وبعيد المنال عن يدها إلى حد بعيد".

نعم، إن انهيار الطبقة الوسطى بشكل لا هوادة فيه شكّل في الوقت الراهن جيشًا ضخمًا من الجياع لمواجهة الديكتاتورية الدينية. جيشٌ يجب أن يقاتل من أجل الخبز لنفسه ولأبنائه والعيش على الكفاف من أجل البقاء. وهذه حرب من أجل أكون أو لا أكون.

"لقد وصل الوضع المعيشي إلى نقطة التحذير منذ فترة طويلة، ويزداد عدد المحتجين على الوضع القائم كل يوم ". (صحيفة "ابتكار"، 1 أغسطس 2020).

عبور نقطة التحذير

لقد اقترب الوضع في إيران الآن إلى عتبة اتخاذ القرار لدرجة أن وسائل الإعلام في عصر الاستبداد تكتب علانية:

"إن عدم المساواة في توزيع الثروة والفجوة الطبقية المروعة في إيران قد وصل إلى نقطة مخيفة. ومن المؤكد أن هذا يشير إلى أنه لم يتم توزيع الإمكانيات بشكل متساو وأن البلاد لا تدار بشكل كفؤ، كما أن أثرياء المجتمع لم يقوموا بواجباتهم المالية، وسهم العقوبات القاسية يؤثر على وجبة أبناء الوطن، كما أن هذا الوضع يشير إلى عشرات السلبيات الأخرى.

ومهما كان سبب المشاكل، فإن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر. فنحن نعيش نقطة التحذير لفترة طويلة. وإذا تحرك جيش الجياع بشكل كامل، فسوف يقضي على الأخضر واليابس". (نفس المصدر).

الغضب البركاني العارم

بناءً على ما سبق ذكره، فإن عصر نظام حكم الملالي قد انتهى. حيث أن إيران في ظل استمرار سلسلة الانتفاضات وتطورها تعيش الآن على أبواب اندلاع ثورة شاملة وإحداث تغيير جوهري.

وما يقوم به نظام حكم الملالي من مناورات وتدابير للحفاظ على بقائه لا مصير لها سوى الفشل لا محالة. وتكتب العقول الحكومية: "إن عقدة سير الأحداث لا تكمن في إشراف مجلس شورى الملالي ولا في إدارة الحكومة، فالقضية أكثر حدة من هذه التصريحات".

فنيران غضب الجياع والمفقودين تستعر منذ فترة طويلة في خلفية المجتمع الإيراني وفي أعماقه. والجميع يرى ذلك، والجميع يشعر بدخانها ورائحتها ونشاطها، غير أن لا أحد يعرف بدقة متى ينفجر هذا الغضب العارم. وهذا الأمر من خصائص البركان.