728 x 90

الشارع الإيراني ينتفض مجدداً ضد الفساد والنهب

مقال افتتاحي
مقال افتتاحي

انطلقت صباح الأحد 21 فبراير تجمعات احتجاجية على مستوى البلاد شملت المتقاعدين المحرومين والمستَغلين في أكثر من 20 مدينة من البلاد، بما في ذلك طهران، تبريز، مشهد، كرمانشاه، أصفهان، أراك، الأهواز، كرج، قزوين، رشت، ساري، شوشتر، دزفول ،هفت تبه، أردبيل، يزد، نيشابور ،خرم آباد، إيلام وبجنورد.

وهتف المواطنون والمتقاعدون الغاضبون: "رواتب فلكية سبب البؤس العام"، "وآه من كل هذا الظلم"، "رواتبنا بالريال، والنفقات بالدولار"، "كفى وعوداً، موائدنا فارغة"، "لن نتراجع حتى نحصل على حقوقنا"، "كفى ظلماً، موائدنا فارغة"، "اللصوص سرقوا صندوق المتقاعدين"، "يا حجة بن الحسن، اجتث جذور الظلم "، "لم ير شعب قط كل هذا الظلم" والعديد من الشعارات.

ويعد هذا الاحتجاج الخامس على مستوى البلاد للمتقاعدين خلال الشهرين الماضيين، حيث باتت الاحتجاجات خلال الفترة الأخيرة تشهد انتشاراً أوسع، وتتخذ شعارات ومطالب أكثر راديكالية وذات بعد سياسي، وليس مطلبياً فحسب، مستهدفةً "جذور الظلم" و"كل هذا الظلم"، بحسب بعض الشعارات التي يرفعها المحتجون.

تراكم الغضب

في الوقت الذي شكلت فيه جائحة كورونا عاملاً مساعداً وذريعة لنظام خامنئي لمنع انطلاقة ثورة الشعب الحتمية بعد انتفاضتي نوفمبر 2019، ويناير 2020، إلا أن نبرة الاحتجاجات لم تتوقف عن التصاعد في مختلف أنحاء البلاد.

ويضغط الحال الذي وصل إليه الشعب الإيراني من تدهور للوضع المعيشي نتيجة ارتفاع معدلات الفقر والجوع والبطالة، وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، أشار إليها (محسن هاشمي رفسنجاني 18 فبراير)، سابقاً بالقول: "إذا كنا لا نريد أن نقول إن أحداث (اقرأ انتفاضات) ديسمبر2017 ونوفمبر 2019 أدت إلى نفاد صبر المجتمع، لكننا وصلنا الآن إلى المرحلة المعنية، والوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم".

ويكفي إلقاء نظرة سريعة على اعترافات المسؤولين الحكوميين والوكلاء والإعلاميين، عن الأحوال المعيشية للشعب، وما يعانيه المواطن الإيراني من تداعيات التضخم والفقر، لتسليط الضوء على ما وصل إليه المجتمع الإيراني من تحولات، بسبب التدهور الاقتصادي والاجتماعي، باتت تضعه على شفير الانفجار:

صحيفة ستاره صبح: القوة الشرائية للمواطنين تراجعت، وانخفضت قيمة العملة الوطنية، واتسع هامش التمييز المجتمعي واللامساواة، وازداد معدل الفقر والبؤس منذ عام 2017، واتسعت رقعة البطالة، وتدهورت الأوضاع البيئية، وأصبحت الحياة صعبة للناس (20 فبراير).

أما صحيفة وطن امروز، فقد أفادت بأن: السيولة في الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري شهدت زيادة بمقدار 744 ألف مليار تومان، والتي زادت مرة ونصف عن الشهر نفسه من العام السابق، حيث تشير الأرقام إلى أن رقم السيولة في الاقتصاد الإيراني أصبح خطيراً للغاية (20 فبراير).

صحيفة كار وكاركر: ارتفع معدل التضخم بالنسبة للسلع الأساسية كالمواد الغذائية بنسبة 6 و 9 أعشار بالمائة مقارنة بالشهر الماضي، حيث بلغ 66 و 8 أعشار بالمائة (21 فبراير).

قصور العصابة وأكواخ الشعب

المتقاعدون وبقية الفئات المهمشة التي خرجت في تجمعات الأحد أشاروا إلى جذور المأساة التي يعيشونها، من خلال شعار "أيدينا فارغة، ومعيشتكم فاخرة"، الذي حمل دلالات التفاوت الطبقي والاجتماعي الهائل، ويؤكد على أن فقر وحرمان المواطن الإيراني يعود للاستشراء الكبير للفساد، وحجم النهب الذي يمارسه تنين الفساد ذو السبعة رؤوس، بينما تدعي هذه العصابة "الكفاح ضد التربح الريعي"، إلا أننا "عندما ندقق في حياتهم، نرى أن كل ما لديهم هو من التربح"، بحسب ما جاء على لسان اسحق جهانغيري، نائب روحاني، في 20 فبراير.

أولئك الذين يشكلون عصابات المافيا في النظام، وينهشون جسد البلاد، وينهبون ثرواتها، وما تبقى في موائد الشعب الإيراني، "يمثلون فقط الطبقة الريعية الحاكمة، فئة وصلت بالفعل إلى مكانة اقتصادية عالية بسبب التربحات الحكومية" بحسب ما ورد في (صحيفة مستقل، في 20 فبراير).

المتتبع لحجم السرقة والنهب في المجتمع الإيراني يدرك حالة الغضب والاستياء التي تصيب الشارع الإيراني، ويتلمس بسهولة دوافع المحتجين للخروج إلى الشارع من حين لآخر، فما يتم الكشف عنه خلال صراع الذئاب داخل النظام، يؤدي إلى الصدمة والسخط، إحدى جوانب هذا الفساد صرّح به (لاركاني، عضو مجلس شورى النظام، في 20 فبراير)، حيث قال : "1500 تريليون ريال، أي ما يعادل 70 مليار دولار من رأس مال البلاد، تلاشت في سوق الأوراق المالية"، وانتقلت من جيوب الشعب إلى جيوب الحكومة.

ويردف لاركاني في اعترافاته مشيراً إلى واحدة من حيل اللصوص الحاكمين بالقول "تم بيع شركة وهمية برأسمال 200 مليار تومان للمواطنين برقم 3200 مليار تومان (في البورصة)؛ على الرغم من أن الشركة ليس لها حتى مكتب رئيسي، وأسهمها المباعة ليست أكثر من ورقة" (نفس المصدر).

الاحتجاجات تعبير عن نبض الشارع

الاحتجاجات المتتالية والمتنامية من مختلف أطياف المجتمع الإيراني، يمكن قراءتها كمؤشر لانتفاضات وانفجار كبير قادم، انتفاضات ستتميز بزخم أكبر مما شهدته البلاد في ديسمبر 2017 ونوفمبر 2019 والتي هزت نظام ولاية الفقيه بأكمله، وأصابته بالذعر وبرعشة الموت، بعد أن "أدى تجاهل مطالب ومعيشة الطبقات الدنيا والمهمشة إلى خلق أزمات عميقة، ومن الأمثلة الواضحة عليها احتجاجات تشرين الثاني (نوفمبر) 2019" بحسب ما أوردته (صحيفة مستقل في 20 فبراير).

ويزيد من حالة الغضب الناتج عن تصاعد التضخم والفقر، ذلك القتل المتعمد خلال تفشي وباء كورونا، حيث من المحتمل أن يكون عاملاً مساعداً في اعطاء الزخم الأكبر للانتفاضات المقبلة، بحيث تفوق في شدتها انتفاضة نوفمبر 2019، لأن "المرونة السابقة (للشعب) قد ضاعت"، بحسب ما جاء في (صحيفة جهان صنعت، بتاريخ 21 فبراير)، فيما الأيام المقبلة ستكون حبلى بالأحداث، وسيشهد المستقبل القريب تصاعد الغضب الجماهيري، وتمثلات المجتمع الثائر، ومعاقله، في صورة الإنفجار الكبير.