728 x 90

إيران .. الأزمة داخل نظام الملالي في العام المنصرم

  • 3/22/2020
الأزمة داخل نظام الملالي في العام المنصرم
الأزمة داخل نظام الملالي في العام المنصرم

تورط نظام الملالي منذ نشأته في الصراع والجدال بين مختلف الزمر التي شاركت في السلطة. صراعٌ وجدلٌ يتصاعد كلما طال عمر هذا النظام. ففي عام 2019 استمر هذا الصراع أيضًا، ولكن هل مرت هذه الأزمة الداخلية بروتينها المعتاد في عام 2019 أم لا؟، وهل تنطوي على خاصية وتطور خاص؟

الحقيقة هي أن أهم تطور في العلاقات الداخلية في نظام الملالي هو مبادرة خامنئي لإستئصال الزمرة المنافسة وتوحيد مجلس شورى الملالي. ويتجسد رد خامنئي على غليان الوضع الاجتماعي وتصاعد الاحتجاجات الشعبية في الانكماش وتصعيد القمع.

ويعتبر توحيد المجلس الخطوة الأولى لانكماش نظام الملالي والخطوة اللاحقة لخامنئي مالم يتم قمعه بحلول ذلك الوقت، بمعنى أنه سيشكل حكومة، حسب قوله، حكومة شابة من المنتمين لحزب الله، عندما تنتهي فترة روحاني في عام 2020.

وتجدر الإشارة إلى أن خامنئي اعترف في 22 مايو 2019 بهذه الحقيقة، وصرح بأن مشاكله ستنتهي بتشكيل حكومة من المنتمين لحزب الله، حيث قال : " إذا مضيتم قدمًا أيها الشباب في هذه التحركات ومهدتم المناخ لتشكيل حكومة شابة من المنتمين لحزب الله، فإنني أعتقد أن الكثير من مخاوفكم ومشاكلكم سوف تنتهي، ولستم وحدكم من يعاني من هذه المشاكل والأحزان".

ولكي يغلق خامنئي المجتمع بشكل حرج، وقبل أن يضبّط الحكومة التي ينشدها، عين الملا الجلاد إبراهيم رئيسي، أحد أكثر العناصر السيئة السمعة في مذبحة السجناء السياسيين عام 1988 رئيسًا للسلطة القضائية، على الرغم من فشله في هندسة انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2017.

وفي الوقت نفسه، عيّن ثلاثة من أشرس قادة قوات حرس نظام الملالي وهم : حسين سلامي وفدوي ومحمد رضا نقدي في أرفع مناصب في قوات حرس نظام الملالي.

وكان الولي الفقيه يتهكم علانية وسرًا على روحاني بسبب سعيه للحصول على المزيد من السلطة. وفي رده على رغبة روحاني في الحصول على المزيد من الصلاحيات قال في 22 مايو 2019 : " سأل أحد الأصدقاء المتحدثين المحترمين " هل أوجه القصور التي نشهدها في المجتمع اليوم هي نفس العيوب والصعوبات التي ذكرتم بعضها تتعلق بالهيكل أم بالوسطاء؟

إن هيكل الدستور جيد، أي أنه على ما يرام ولا يشوبه شائبة، ولاشك في أنه يتم استكمال الهياكل بمرور الزمن. وعلى أي حال، لا أرى أي مشكلة في الهيكل. نعم، نحن الوسطاء لدينا مشكلة؛ وخطأنا ليس مثل خطأ الأشخاص العاديين، فعندما نُخطئ، فإن خطأنا يتسبب في حدوث انقسامات كبيرة في صميم المجتمع.

ولا شك أن توحيد الحكومة كان خطة خامنئي في عام 2017 وكان قد هيأ الوضع لتعيين رئيسي الجلاد رئيسًا للجمهورية، إلا أن مجاهدي خلق والمقاومة الإيرانية أفسدوا هذه الخطة بالتدخل الفعال وتنظيم حملة للمقاطعة مرددين هتاف "لا للجلاد ولا للمحتال" ورفع دعوة التقاضي على المتسببين في مذبحة 1988.

بعد هزيمة رئيسي وتولية روحاني، ظل هذا الانقسام في نظام الملالي، وحاول خامنئي إضعاف وتهميش حكومة روحاني قدر المستطاع، لذا، منح السلطة لقوات حرس نظام الملالي.

وكان قاسم سليماني أهم شخصية في هذه القوات وأصبح الرجل الثاني في نظام الملالي على أرض الواقع لدرجة أنه كان المسؤول الأول في السياسة الخارجية وتحكم في الملفات الحساسة مثل ملف العراق وريا واليمن ولبنان.

وأطلقت قوات حرس نظام الملالي على تكتل زمرة الإصلاحيين اسم قوة الظل. وجعلوا روحاني نفسه أكثر من مرة يتحسر ألمًا من أن حكومته تفتقر إلى الصلاحيات ومن أن السلطة الحقيقية في أيدي من يمتلكون الأموال ووسائل الإعلام والسلاح.

وفي العام الماضي، اعترف روحاني بأنه كان ينوي أن يقدم استقالته مرتين ورفض خامنئي قبول الاستقالة. هذا وتضغط زمرة خامنئي والمتحيزين لها عليه لكي يعزل روحاني ويستجوبه، إلا أن خامنئي كان يدرك حجم خطورة عزل روحاني والعواقب الخطيرة التي ستلحق بنظامه المرتعش.

ولذلك رفض عزله وأرسل رسالة إلى روحاني في 26 أغسطس 2018 يؤكد له فيها أنه لا ينوي عزله وأنه يدعمه.

لكن على الرغم من ذلك، تبني خامنئي في الحقيقية، أسلوب نتف الوبر مع روحاني وجعله مذلا، وآخر مثال على ذلك هو أنه أسند للحرسي باقري، رئيس الأركان المشتركة للقوات المسلحة رئاسة مركز لمكافحة وباء كورونا بعنوان " المركز الصحي والعلاجي"، وبهذه الطريقة أقال روحاني على أرض الواقع، وما زال هذا النزاع مستمرًا.

إن استئصال خامنئي لزمرة ما يسمى بالاصلاحيين في عام 2019، له معنى سياسي معين أيضًا، وهو أن تاريخ صلاحية زمرة الإصلاحيين قد انتهي في نظام الملالي ولم يعد لهم فائدة بالنسبة لنظام ولاية الفقيه .

وقد انتهت الحياة السياسية لهذه الزمرة كجزء من نظام الملالي أثتاء ثورة يناير 2018 عندما رفع أبناء الوطن شعار " يا إصلاحي يا أصولي، لقد انتهت اللعبة"، ونظرًا لأن هذه الزمرة قد حُرقت اجتماعيًا تمامًا أيضًا، إضافة إلى أنها ليست مرغوبة خارج البلاد، فقد أصبحت ملحقًا لا فائدة منه بالنسبة للولي الفقيه أيضًا، وبناءً عليه، بادر خامنئي باستئصالها واستبعدها من المشهد السياسي.

ومن المؤكد أن نظام ولاية الفقيه بهذا الاستئصال أصبح أكثر ضعفًا وهشاشةً، وليس أقوى وأكثر استقرارًا.وقد يكون السؤال هنا هو: على أي حال، نجح خامنئي في توحيد المجلس بما يخدم مصلحته وملأه بمن هم منتمين له، إذًا فلماذا نقول إن الولي الفقيه أصبح أكثر ضعفًا بهذا الاستئصال؟

وفي الوقت نفسه، عندما يصبح النظام يدًا واحدة، تتضاءل الحروب والصراعات داخل النظام التي تهدر الكثير من طاقته، ويمكن للنظام التعامل مع تناقضاته وقضاياه الأخرى بالمزيد من راحة البال؟

للرد على هذا السؤال يجب القول بأن الانقسام والتشتت متأصل في طبيعة وجوهر هذا النظام القروسطي، لأنه لا توجد لديه أي إيديولوجية توحد بين الزمر ومختلف الفرق. فهم عبارة عن زمر وعناصر تتجمع من أجل مصالحها الفردية ومصالح الزمر فقط، وعندما لم تتحقق هذه المصالح ينفصلوا عن بعضهم البعض.

إذ إن مفهوم اليسار واليمين كما نعرفه في الحكومات الأخرى لا معنى له في هذا النظام. فعلي سبيل المثال، أولئك الذين يلعبون لعبة الإصلاح للوصول إلى مناصب أعلى في هذه السنوات ويتحدثون عن الديمقراطية والتعددية وما شابهها من كلمات لمجرد الثرثرة، هم في الغالب نفس الأشخاص البلطجية والجلادون الذين مارسوا التعذيب في عقد الثمانينيات وكان يطلق عليهم غالبًا آنذاك خط الدفاع.

لذلك عندما نتحدث عن الإصلاحيين والأصوليين في هذا النظام، فإننا نتحدث بشكل عابر، وبناءً على التجارب المتكررة عشرات المرات في هذا النظام، فإننا سنرى في وقت ليس ببعيد صراع وتضارب في المصالح بين أولئك الذين يملأون المجلس الآن كأصوليين، وما هي الأسلحة التي لن يرفعوها في وجه بعضهم البعض.

وبالإضافة إلى قضية طبيعة هذا النظام الفاشي، فإننا نجد من ناحية التكوين أيضًا أن هيكل هذا النظام الذي لاشك في أنه ينبع من طبيعته المعادية للبشر والمتخلفة للغاية، يحول دون وجود أي نوع من الوحدة والتماسك.

ففي النظام الملكي الاستبدادي لولاية الفقيه، نجد أن جميع التشكيلات المعاصرة للحكومة، مثل رئيس الجمهورية والانتخابات والفصل بين السلطات ومجلس شورى الملالي وما شابه ذلك، مجرد أيقونات سخيفة.

فالولي الفقيه هو الكل في الكل، إذ يتمتع بسلطة تفوق سلطة السلطان المستبد في القرون الوسطى، ولا يمكن مقارنته إلا بالخلفاء الأمويين والعباسيين، لأن الولي الفقيه بالإضافة إلى ذلك هو المرجعية وواجب الإطاعة وجميع المسؤولين في النظام صغارًا وكبارًا ملزمون بالاعتقاد فيه قلبًا والالتزام بتعاليمه تطبيقيًا.

وفي هذه الفاشية الدينية، يكون الرئيس مجرد خادم. هذا ويرى عناصر النظام ووسائل إعلامه صراحةً أنه لا يهم من هو الرئيس، وبسبب هذا التناقض الكبير في الهيكل، فإنه يتعارض مع الولي الفقيه شاء أم أبى. والجدير بالذكر أن مصير جميع رؤساء النظام، وخاصة مصير أحمدي نجاد، الموالي لحكومة حزب الله الفتية الذي يحظى باستحسان خامنئي، دليل على هذه الحقيقة.

لذلك، فإن هذا الاستئصال لن يسفر عن التماسك والوحدة، بل إن الصراع والحرب بين نظام الملالي الزمر هذه المرة سوف يجتاح زمرة خامنئي وسينتقل إلى مقره، ونتيجة لذلك، لن يصبح نظام الملالي أكثر اتحادًا وتماسكًا، بل سيصبح أكثر ضعفًا وهشاشةً وضمورًا، وسوف يقترب أكثر إلى الإطاحة.