الرئيسيةأخبار إيرانالنظام الإيراني يتخبط في مأزق الخيارات الصفرية

النظام الإيراني يتخبط في مأزق الخيارات الصفرية

2Shares

النظام الإيراني يتخبط في مأزق الخيارات الصفرية

دخل الصراع المحتدم داخل أروقة نظام الملالي حول مآلات الحرب، والمفاوضات، والاتفاق النووي، مرحلة تكسير عظام غير مسبوقة، مجسداً التآكل الهيكلي والارتباك الإستراتيجي الذي يعصف بـ الفاشية الحاكمة في طهران. إن التراشق العلني الحاد والاتهامات المتبادلة بالخيانة والمسؤولية عن الأزمات الكارثية الراهنة—والتي تفجرت إثر دفاع الرئيس السابق حسن روحاني عن مسار الدبلوماسية وما قابله من هجوم كاسح شنه مقربون من مكتب الولي الفقيه وأئمة الجمعة—لا يمثلان مجرد تصفية حسابات انتخابية أو خلافاً حول إرث سياسي مضى؛ بل هما إقرار فاضح بوصول المنظومة الاستبدادية برمتها إلى طريق مسدود وعجزها عن التوفيق بين كلفة التصعيد العسكري القاتلة ومخاطر تجرع كأس سم المفاوضات في ظل عزلة شعبية ودولية خانقة.

هجوم نافر من دوائر الولي الفقيه.. استهداف شخصي يعكس عمق التصدع

دشن مهدي فضائلي، عضو مكتب الولي الفقيه، هجوماً شخصياً لاذعاً ضد حسن روحاني في 11 سبتمبر/أيلول، واصفاً فترته الرئاسية بأنها الأكثر فشلاً وعجزاً منذ ثورة 1979. ومضى فضائلي في تسقيط روحاني بالادعاء بأنه كان الأقل شعبية والأكثر عزلة، بل والأكثر وقاحة وفجاجة في التعامل مع منتقديه وفق استطلاعات الرأي التي استند إليها.

«تاونهال»: تصدع سلطة مجتبى خامنئي وصراع الأجنحة يهزان أركان نظام «الولي الفقيه»

أكد موقع «تاونهال» الأمريكي في تحليل للسياسي الأوروبي البارز استراون ستيفنسون، أن السؤال الجوهري في طهران بعد أشهر من تولي مجتبى خامنئي مقاليد الحكم بات: حين يتحدث الولي الفقيه، من ذا الذي لا يزال يصغي إليه حقاً؟ وأوضح أن المعادلة البنيوية التي أرساها المقبور خميني وحافظ عليها علي خامنئي لعقود، والقائمة على إذعان التيارات لكلمة الفصل في قمة الهرم، تشهد اليوم تصدعاً حاداً وضغوطاً غير مسبوقة تضرب ركائز المنظومة وتكشف عجز السلطة المطلقة عن ضبط الصراعات الداخلية المتفجرة.

يكشف هذا الهجوم الحاد، الموجه مباشرة من الدائرة الضيقة لصنع القرار في بيت الولي الفقيه، عن حالة الهستيريا التي تصيب الجناح المهيمن من مجرد طرح فكرة التسوية أو إعادة فتح مسار التفاوض؛ حيث تسعى هذه الدوائر إلى تحميل حكومة روحاني السابقة مسؤولية الانهيار الاقتصادي الشامل وعسكرة المشهد، في محاولة يائسة لتبرئة رأس النظام من تبعات السياسات المغامرة التي قادت البلاد إلى حافة الإفلاس والحروب المفتوحة.

روحاني ومناورة الترقيع.. التوفيق المستحيل بين الصواريخ والدبلوماسية

جاءت ردود الفعل المتشنجة في أعقاب تصريحات لروحاني رفض فيها الفصل المصطنع بين الترسانة العسكرية والمسار الدبلوماسي؛ حيث زعم أن القوات المسلحة، والدبلوماسية، والصواريخ، والمسيّرات، والمفاوضات، كلها أدوات تخدم بقاء النظام ولا ينبغي وضعها في معسكرين متضادين، معتبراً أن التوصل إلى اتفاق مشرف يصب في مصلحة الحكم لا يتعارض مع امتلاك القدرات العسكرية.

واستحضر روحاني تجربة حكومته بين عامي 2014 و2017 عند إبرام خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، مدعياً أن تلك المرحلة شهدت تراجعاً في التضخم، ونمواً اقتصادياً، وتحقيقاً للاكتفاء الذاتي في البنزين والسولار والتحول إلى التصدير. غير أن النقطة الأكثر إثارة للذعر في خطاب روحاني تمثلت في تشديده على استحالة نجاح الدبلوماسية دون ثقة الشارع ومشاركته؛ وهو ما عُدّ طعناً صريحاً في شرعية الجناح الحاكم واعترافاً ضمنياً باتساع الهوة الوجودية بين المجتمع والدولة، وتحدياً مباشراً لسردية التشدد التي ترى في التفاوض ركوعاً واستسلاماً.

علم الهدى وفوبيا الاستفتاء.. تكريس الحرب لعقود وقرون

لم يتأخر رد غلاة التيار المهيمن؛ ففي 10 سبتمبر/أيلول، خرج ممثل الولي الفقيه في مشهد، أحمد علم الهدى، ليعلن بلا مواربة أن الحرب والمواجهة الراهنة هما النتيجة المباشرة للاتفاق النووي الذي هندسته حكومة روحاني. ورفض علم الهدى أي حديث عن استطلاع رأي المجتمع أو الاحتكام لخياراته، مدعياً أن البلاد ليست في حالة حرب اختيارية بل في موقع دفاع، ومشدداً على وجوب استمرار المواجهة بصرف النظر عن مدتها الزمنية، حتى لو استمرت لعقود أو قرون.

وتناغم مع هذا الطرح ممثلون محليون للنظام؛ حيث هاجم إمام جمعة غيلان غرب، محمد علي ساداتي، الدعوات المطالبة بإجراء استفتاء شعبي حول الاستمرار في الحرب ومسارات المواجهة، معتبراً أن فكرة الاستفتاء بحد ذاتها تمثل تنفيذاً لمطالب العدو. وتفضح هذه التصريحات الرعب العقائدي والأمني الذي يشكله مصطلح الشعب أو الاستفتاء لدى أركان الاستبداد، لإدراكهم التام أن أي تصويت حر سيعني إسقاطاً فورياً لمنظومة ولاية الفقيه ورفضاً قاطعاً لمغامرات حرس النظام الإيراني.

صراع الأجنحة يعصف بطهران: تحركات لعزل بزشكيان واتهامات بالانقلاب وسط رعب من انفجار اجتماعي وشيك

شهدت أروقة النظام الإيراني تصعيداً خطيراً في صراع الأجنحة وحرب الذئاب المفتوحة، بانتقال التيارات المتشددة داخل البرلمان إلى مساعٍ عملية لعزل مسعود بزشكيان وتجريده من صلاحياته عبر إقرار مشروع «عدم الأهلية السياسية». وتكشف هذه التطورات عن تصدع حاد في قمة هرم السلطة، يتزامن مع دعوات لإعلان الأحكام العرفية وسط تحذيرات متصاعدة من كبار الملالي المقربين من بيت الولي الفقيه من أن تؤدي هذه الانقسامات المحتدمة إلى إشعال فتيل انفجار اجتماعي عارم تخرج السيطرة عليه من أيدي المنظومة بأسرها.

مأزق الخيارات الصفرية وسقوط استراتيجيات البقاء

يعكس هذا الصدام المحتدم أزمة الخيارات التاريخية التي يواجهها النظام برمتها:

  • خيار التصعيد والمواجهة: بات يستنزف الموارد المتبقية للبلاد، ويجرجر الاقتصاد إلى انهيار كلي، ويفاقم السخط الاجتماعي لدى الملايين من المواطنين الذين يرفضون دفع فواتير المغامرات الإقليمية من موائدهم الخاوية.
  • خيار التراجع والمفاوضات: يعني تفكيك الأذرع الإقليمية وشل القدرات التخريبية، وهو ما تراه المنظومة الحاكمة بداية التداعي السريع لهيبتها وانهيار خطوط دفاعها الأيديولوجية والأمنية.

إن تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن الكارثة الراهنة يؤكد أن سفينة الحكم تتخبط في مياه عاصفة بلا بوصلة؛ فالجناح المتشدد يخشى أن يؤدي أدنى تراجع إلى كسر حاجز الخوف لدى الجماهير، بينما تدرك الأطراف الأخرى أن الاستمرار في النهج الحالي يسرّع وتيرة الانفجار الداخلي الحتمي.

إن احتدام حرب الأجنحة وتراشق أقطاب السلطة بملفات الحرب والاتفاق النووي يمثلان عَرَضاً بارزاً من أعراض الاحتضار السياسي لـ الفاشية الحاكمة، ودليلاً قاطعاً على فشل الولي الفقيه في الحفاظ على أدنى درجات التماسك داخل نظامه المأزوم. لقد سقطت كافة أوهام الرهان على تسويات خارجية تمنح النظام قبلة الحياة، وتهاوت معها محاولات تصدير الأزمات عبر التهديد والحروب لحماية عرش الاستبداد من السقوط. واليوم، بينما تواصل مافيات النهب المنظم المرتبطة بـ حرس النظام الإيراني نهب قوت المواطنين وتركهم فريسة للفقر والتضخم، يتحول هذا التناحر على قمة السلطة إلى ثغرة تاريخية يستثمرها جيش الجياع المحروم لدك معاقل القمع بإسناد مباشر من ضربات وحدات المقاومة في عموم المدن المحتجة. إن وعي المجتمع الإيراني تخطى كافة مناورات اللصوص وألاعيب توزيع الأدوار بين المتشددين والمدعين بالإصلاح، متمسكاً بالمعادلة الوطنية الناجزة: «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»، ومصمماً على المضي قدماً لكنس منظومة الاستبداد برمتها وتأسيس جمهورية دیمقراطیة، تعددية، ومستقلة تستعيد ثروات إيران وتضمن حريتها وكرامة شعبها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة