الرئيسيةمقالاتحديث اليومهل نجح النظام الإيراني في تثبيت مجتبى خامنئي؟

هل نجح النظام الإيراني في تثبيت مجتبى خامنئي؟

0Shares

هل نجح النظام الإيراني في تثبيت مجتبى خامنئي؟

لم تكن مراسم نقل جثة علي خامنئي بين طهران وقم ومشهد، ثم نقله إلى العراق قبل دفنه، مجرد طقوس جنائزية عادية، بل كانت واحدة من أكبر العمليات السياسية والإعلامية التي نظمها النظام الإيراني منذ تأسيسه. فقد سخّر جميع أجهزته العسكرية والأمنية والإعلامية، وأنفق أموالاً طائلة، وعطّل المؤسسات والدوائر الرسمية، وحشد قوات الحرس والباسيج وأجهزة الاستخبارات وعائلاتهم، إضافة إلى عناصر الميليشيات التابعة له من خارج إيران، في محاولة لإظهار أن نظام ولاية الفقيه ما زال متماسكاً وقادراً على تجاوز أخطر مرحلة في تاريخه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل حقق هذا الاستعراض أهدافه؟

الحقيقة أن المشروع لم يكن يستهدف دفن علي خامنئي بقدر ما كان يهدف إلى تثبيت النظام بعد غياب الرجل الذي احتكر السلطة طوال أكثر من ثلاثة عقود. وقد سعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية.

أولها، إظهار أن نظام ولاية الفقيه لا يزال متماسكاً وأن وفاة خامنئي لم تهز أركانه.

وثانيها، تثبيت مجتبى خامنئي في موقع الولي الفقيه الجديد، ليس فقط أمام الرأي العام، وإنما أيضاً داخل الحرس والمؤسسات الأمنية، وبين أجنحة السلطة المختلفة، وكذلك داخل الحوزات العلمية والمرجعيات الدينية التي لم يعلن كثير منها حتى الآن مبايعته.

أما الهدف الثالث، فكان توجيه رسالة إلى الخارج بأن النظام يتمتع بالاستقرار والشرعية، وأن انتقال السلطة جرى بسلاسة، بما يعزز موقعه في أي مواجهة أو مفاوضات مقبلة مع الولايات المتحدة والدول الغربية.

ولهذا السبب، قامت الخطة بأكملها على صناعة صورة الحشود الجماهيرية. ولم يكن غريباً أن تنتهي وكالة «تسنيم» إلى الادعاء بأن 42 مليون شخص شاركوا في مراسم التشييع، وهو رقم لا ينسجم مع أي معيار واقعي أو ديموغرافي.

غير أن المشكلة الأساسية لم تكن في الأرقام، بل في الصورة نفسها.

فأهم شخصية كان يفترض أن تتصدر المشهد كانت غائبة تماماً، وهي مجتبى خامنئي. لقد كان يفترض أن يتحول التشييع إلى لحظة إعلان غير مباشر لانتقال السلطة، إلا أن غيابه الكامل عن أهم مناسبة في تاريخ النظام بعد وفاة والده نسف الرسالة التي حاول النظام إيصالها.

ولا يمكن لأي جهاز دعائي أن يعوض غياب الشخص الذي يفترض أنه أصبح رأس النظام.

إن نظام ولاية الفقيه يقوم على شخص الولي الفقيه أكثر مما يقوم على المؤسسات. فقد كان خميني، ثم علي خامنئي، يتدخلان بصورة مباشرة لحسم الخلافات وإدارة الأزمات ورسم السياسات. أما اليوم، فإن غياب مجتبى عن الواجهة يطرح سؤالاً كبيراً داخل أجهزة النظام نفسها حول قدرته على ممارسة هذا الدور.

ولهذا، فإن أخطر ما كشفته مراسم التشييع لم يكن حجم الحشود، بل حجم الفراغ السياسي الذي تركه غياب الرجل المفترض أنه أصبح القائد الجديد.

أما الدعاية المتعلقة بالملايين التي خرجت إلى الشوارع، فقد بدأت تتهاوى سريعاً أمام الوقائع. فقد شككت وسائل إعلام دولية عديدة في الأرقام الرسمية، بينما كشفت وكالة الصحافة الفرنسية، في تقرير للتحقق من الحقائق، أن بعض الصور المستخدمة لتضخيم الحشود جرى إنتاجها بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما قدرت وكالة أسوشيتد برس عدد المشاركين في مراسم طهران بنحو مائة ألف شخص فقط، وهي أرقام بعيدة جداً عن الرواية الرسمية.

وهذا يؤكد أن النظام لم يكن يعاني نقصاً في المشاركين بقدر ما كان يعاني أزمة شرعية، وهي أزمة لا يمكن تعويضها بالتصوير والإخراج الإعلامي.

والأهم من ذلك أن هذا الاستعراض لم ينجح في تحقيق الوحدة داخل النظام، بل كشف حجم الانقسامات القائمة. فقد برزت خلال أيام التشييع شعارات متناقضة، وتصاعدت الخلافات بين أجنحة السلطة، فيما غابت شخصيات بارزة من عائلة خامنئي ومن كبار المسؤولين السابقين عن المشهد، الأمر الذي عزز الانطباع بأن معركة الخلافة لم تُحسم بعد.

أما بالنسبة للشعب الإيراني، الذي يعيش أكثر من سبعين مليوناً منه تحت خط الفقر، فقد بدا هذا المشهد استعراضاً مكلفاً للسلطة أكثر منه مناسبة وطنية. فبينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، أنفق النظام مليارات التومانات على مراسم هدفت أساساً إلى ترميم صورته السياسية.

إن النظام استطاع، في ظل ظروف الحرب، أن يمرر مرحلة انتقال السلطة بصورة مؤقتة، لكنه أخفق في تحويل هذه المرحلة إلى مصدر شرعية جديدة. بل إن مراسم التشييع نفسها تحولت إلى مناسبة كشفت هشاشة النظام، وعجز القيادة الجديدة عن الظهور بثقة، واتساع الهوة بين السلطة والمجتمع.

لقد انتهى دفن علي خامنئي، لكن الأزمة الحقيقية بدأت بعد دفنه.

فمجتبى خامنئي يدخل اليوم مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي واجهها والده عام 1989. فهو يرث نظاماً مثقلاً بأزمات داخلية خانقة، وانقسامات حادة داخل مؤسسات الحكم، وضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة، فضلاً عن مجتمع يعيش حالة غضب متصاعدة.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة تثبيت السلطة، بل مرحلة اختبار بقاء النظام نفسه.

إن الأيام التي أعقبت دفن خامنئي لا تمثل نهاية أزمة الخلافة، بل بدايتها، وهي بداية مرشحة لأن تدفع إيران إلى مرحلة أكثر اضطراباً، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع الضغوط الخارجية، فيما يبدو أن قدرة النظام على شراء الوقت، كما فعل طوال العقود الماضية، أصبحت أكثر محدودية من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة