التهدئة مع واشنطن… مهلة مؤقتة أم بداية النهاية؟
مع دخول مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني مرحلة التنفيذ، وبدء الحديث عن احتمال تخفيف العقوبات، وزيادة صادرات النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، يبرز سؤال محوري: هل تمثل هذه التطورات فرصة حقيقية لإنقاذ نظام ولاية الفقيه من أزماته المتراكمة، أم أنها مجرد مهلة مؤقتة لن تغير شيئاً في مسار الأحداث؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن النظام حصل على فرصة ثمينة لالتقاط أنفاسه بعد مرحلة شديدة الصعوبة. غير أن التجربة الممتدة على مدى سبعة وأربعين عاماً تؤكد أن المشكلة لا تكمن في حجم الموارد التي يمتلكها النظام، بل في طبيعة المشروع الذي يحكم سلوكه. فكل انفراج اقتصادي لا يتحول إلى إصلاح داخلي، بل إلى وسيلة جديدة لترميم أدوات القمع وتمويل السياسات التي قامت عليها ولاية الفقيه منذ تأسيسها.
ولهذا جاءت كلمات السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، لتعبر عن هذه الحقيقة بوضوح عندما أكدت أن «هذا النظام لن يتخلى أبداً عن استراتيجيته الثلاثية المتمثلة في المشروع النووي، والصواريخ الباليستية، والجماعات التابعة له بالوكالة، وأن تنصيب مجتبى خامنئي يؤكد استمرار النهج نفسه الذي اتبعه النظام طوال الأعوام السبعة والأربعين الماضية، واستعداده لارتكاب أي جريمة من أجل البقاء».
إن هذه الرؤية تفسر طبيعة المرحلة الحالية. فالنظام لا ينظر إلى المفاوضات باعتبارها بداية لتغيير سياساته، بل باعتبارها فرصة لشراء الوقت، وتأمين موارد مالية جديدة، وإعادة ترميم مؤسساته الأمنية والعسكرية، وتحسين قدرته على مواجهة أزماته الداخلية. وفي الوقت نفسه، يحاول استثمار أي تفاهم خارجي لإقناع الداخل بأنه خرج منتصراً، عبر حملات دعائية واستعراضات إعلامية هدفها رفع معنويات قاعدته وإضعاف إيمان المجتمع بإمكانية التغيير.
غير أن هذه الصورة تخفي واقعاً مختلفاً داخل بنية السلطة نفسها. فالتفاهم مع الولايات المتحدة لم ينهِ الانقسامات داخل النظام، بل عمّقها. إذ يرى فريق أن ما تحقق هو ثمرة التشدد والتمسك بالمشروع النووي والصاروخي، بينما يعتبر فريق آخر أن ما حصل لم يكن ممكناً إلا بعد التراجع والانخراط في التفاوض مع واشنطن. وبين هذين الاتجاهين يقف مجتبى خامنئي عاجزاً عن فرض رؤية موحدة أو احتواء الصراع المتصاعد بين أجنحة الحكم، وهو ما يزيد من هشاشة النظام في مرحلة ما بعد خامنئي.
وفي المقابل، لا تبدو العلاقة بين النظام والمجتمع الدولي أقل تعقيداً. فالمجتمع الدولي يطالب في نهاية المطاف بتخلي طهران عن مشروعها النووي، وبرنامجها الصاروخي، وشبكة نفوذها الإقليمية، وهي الملفات التي يعتبرها النظام ركائز وجوده. ومن هنا، فإن التناقض بين الطرفين ليس تكتيكياً، بل يمس جوهر استراتيجية النظام، الأمر الذي يجعل أي تفاهم عرضة للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي.
أما داخل إيران، فإن المشهد يبدو أكثر حساسية. فالأسباب التي فجرت انتفاضة يناير 2026 لم تختف، بل ازدادت عمقاً. والأزمة الاقتصادية، والبطالة، وارتفاع الأسعار، واتساع رقعة الفقر، كلها ما زالت قائمة. وليس هناك ما يشير إلى أن العائدات المحتملة من تخفيف العقوبات ستُوجَّه لمعالجة هذه الأزمات، لأن أولويات النظام تبقى مرتبطة بأجهزته الأمنية والعسكرية وبمشاريعه الاستراتيجية، لا بتحسين مستوى معيشة المواطنين.
بل إن المفارقة تكمن في أن أي تحسن اقتصادي محدود قد يرفع سقف توقعات المواطنين، وعندما لا تتحقق تلك التوقعات، يتحول الإحباط إلى غضب، والغضب إلى احتجاج. ولهذا فإن الانفراج الاقتصادي المؤقت قد لا يبعد شبح الانتفاضة، بل قد يهيئ ظروفاً جديدة لتوسعها.
وتؤكد الوقائع التي أعقبت انتفاضة يناير أن المجتمع الإيراني تجاوز مرحلة الخوف. فالقمع، والإعدامات، وحملات الاعتقال، لم تنجح في كسر إرادة الاحتجاج، كما أن وحدات المقاومة وشبكات المقاومة المنظمة واصلت نشاطها واتسعت رقعتها رغم كل الإجراءات الأمنية. وفي المقابل، فقدت المشاريع التي حاولت تقديم بدائل خارج إطار المقاومة كثيراً من تأثيرها، الأمر الذي جعل شريحة متزايدة من الإيرانيين ترى أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر نضال الشعب ومقاومته المنظمة.
إن النظام يسعى اليوم إلى شراء الوقت، بينما تعمل قوى التغيير على تقصير المسافة نحو لحظة الحسم. وقد تؤجل التفاهمات بعض الاستحقاقات، لكنها لن تلغي التناقضات البنيوية التي يعيشها النظام، ولن تغير طبيعته، ولن تمنحه الشرعية التي فقدها داخل المجتمع.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كانت الانتفاضة القادمة ستقع، بل حول توقيتها. فكل المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تدل على أن النظام دخل مرحلة تتراكم فيها الأزمات بوتيرة أسرع من قدرته على إدارتها. وفي مثل هذه الظروف، قد تمنح المفاوضات النظام بعض الوقت، لكنها لن تمنحه حلاً، لأن أصل الأزمة لا يكمن في العقوبات أو نقص الموارد، بل في طبيعة نظام جعل من القمع، والتوسع، والأزمات الدائمة، شرطاً لاستمرار بقائه. ومن هنا، فإن مستقبل إيران سيظل مرهوناً بإرادة شعبها ومقاومته المنظمة، لا بنتائج تفاهمات مؤقتة مهما بلغت أهميتها.






