بعد التفاهم مع واشنطن… نظام ولاية الفقيه في معركة البقاء
أثار إعلان مذكرة التفاهم الأولية بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني كثيراً من التساؤلات حول دلالاتها السياسية وما يمكن أن تفضي إليه في المرحلة المقبلة. غير أن القراءة المتأنية لهذا التطور تظهر أن ما أُعلن ليس اتفاقاً نهائياً يحسم أسباب الصراع، وإنما تفاهم أولي يعكس ميزان قوى فرض على الطرفين وقف المواجهة العسكرية من دون أن يتمكن أي منهما من تحقيق أهدافه الأساسية.
فالولايات المتحدة لم تحصل على النتيجة التي كانت تسعى إليها، سواء بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب، أو الضغوط المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، أو الحسابات السياسية الداخلية والإقليمية. وفي المقابل، لم يقبل النظام الإيراني بهذه المذكرة من موقع القوة كما يحاول أن يصور الأمر، بل لأنه وجد نفسه أمام مخاطر متزايدة تهدد بقاءه، الأمر الذي دفعه إلى القبول بوقف مؤقت للمواجهة.
ومن هنا تبدو محاولات النظام تصوير التفاهم على أنه انتصار سياسي بعيدة عن الواقع. فالحقيقة أن النظام يمر اليوم بأضعف مراحله منذ قيامه، ولم يعد همه الأول توسيع نفوذه أو فرض شروطه، بل الحفاظ على بقائه في مواجهة أزمات داخلية متفاقمة وضغوط خارجية متزايدة. لقد انتقل من مرحلة الهجوم إلى مرحلة الدفاع عن وجوده.
والأهم من ذلك أن هذا التفاهم لم يعالج أياً من القضايا التي كانت سبباً في اندلاع الحرب. فالملف النووي، وبرنامج الصواريخ، والتدخلات الإقليمية، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، جميعها بقيت معلقة من دون حلول نهائية. وهذا يعني أن جذور الأزمة ما زالت قائمة، وأن احتمالات تجدد التوتر أو حتى العودة إلى المواجهة العسكرية تبقى واردة ما دام النظام متمسكاً بالسياسات نفسها.
ولا توجد مؤشرات تدل على أن نظام ولاية الفقيه مستعد لإجراء مراجعة حقيقية لنهجه. فالتجربة الممتدة على مدى أكثر من أربعة عقود أثبتت أن هذا النظام ينظر إلى الوقت بوصفه أحد أهم أسلحته السياسية. فهو يستخدم المفاوضات والاتفاقات المرحلية لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوضاعه، لا للتخلي عن سياساته الأساسية. ومن ثم فإن الاعتقاد بأن تقديم التنازلات سيقوده إلى تغيير سلوكه يبقى رهاناً أثبتت الوقائع فشله مراراً.
كما أن ما انتهت إليه الحرب يؤكد حقيقة أخرى كثيراً ما تجاهلتها بعض التحليلات، وهي أن نظام ولاية الفقيه لا يسقط بالقصف الخارجي، بل إن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من الداخل، على أيدي الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. فالحرب، رغم ما أحدثته من خسائر، لم تحسم الصراع، لأنها لم تمس جوهر الأزمة المتمثل في العلاقة بين النظام والمجتمع الإيراني.
واليوم، يجد النظام نفسه أمام تحديات أكثر خطورة من أي مواجهة خارجية. فالخبراء والمسؤولون المقربون منه يعترفون بتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويحذرون بصورة متكررة من احتمال اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات. وهذا يفسر استمرار حملات الاعتقال والإعدام وتشديد القبضة الأمنية، إذ يدرك النظام أن الخطر الأكبر الذي يهدد بقاءه هو الانتفاضة الشعبية، لا الضغوط الخارجية وحدها.
ومع انحسار أجواء الحرب، بدأت تتراجع أيضاً قدرة الدعاية الرسمية على إخفاء حجم السخط الشعبي. فالأزمات التي كانت قائمة قبل انتفاضة يناير لم تُحل، بل ازدادت تعقيداً. والتضخم، والانهيار الاقتصادي، والبطالة، وتراجع مستوى المعيشة، كلها عوامل تعود اليوم إلى الواجهة بقوة، بما ينذر بعودة الاحتجاجات الشعبية واتساعها.
وفي الوقت نفسه، بدأت التصدعات داخل بنية النظام تطفو إلى السطح من جديد. فالخلافات بين الأجنحة المختلفة، التي جرى احتواؤها مؤقتاً تحت ضغط الحرب، مرشحة للتصاعد مع عودة الصراع حول الخيارات السياسية والاستراتيجية، وهو ما يزيد من صعوبة إدارة المرحلة المقبلة.
أما العامل الذي يثير أكبر مخاوف السلطة، فهو استمرار نشاط وحدات المقاومة وشبكات أنصار منظمة مجاهدي خلق داخل إيران. فعلى الرغم من حملات الإعدام والقمع الواسعة، لم تنجح السلطة في القضاء على هذه الشبكات، بل تشير الوقائع إلى استمرار توسعها وانتشارها، الأمر الذي يجعلها عنصراً مؤثراً في أي تطورات سياسية أو شعبية مقبلة.
إن مذكرة التفاهم قد تنجح في وقف جولة من الصراع العسكري، لكنها لا تنهي الأزمة الإيرانية. فالأزمة الحقيقية تكمن في التناقض العميق بين نظام يعيش مأزقاً وجودياً وشعب يزداد إصراراً على التغيير. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لن تُحسم عند طاولة المفاوضات وحدها، بل في الداخل الإيراني، حيث تبقى الكلمة الفصل لإرادة الشعب ومقاومته المنظمة في رسم مستقبل إيران.






