الرئيسيةأخبار إيرانستون عامًا من الصمود: ملحمة منسوجة في نسيج تاريخ إيران

ستون عامًا من الصمود: ملحمة منسوجة في نسيج تاريخ إيران

0Shares

ستون عامًا من الصمود: ملحمة منسوجة في نسيج تاريخ إيران

إيران، الأرض التي نهض من ترابها طائر العنقاء مرارًا وتكرارًا، شهدت في قرنٍ واحد ديكتاتوريتين متتاليتين خنقتا أنفاس شعبها. في خضم هذا الظلم، قرر أبناؤها ألا يقفوا متفرجين. قبل ستين عامًا، حين كان استبداد الشاه يلقي بظلاله الثقيلة على المدن والقرى، نهض شباب أقسموا أن يخرجوا تاريخ هذه الأرض من مدار الصمت واللامبالاة. لقد أدركوا أن الحرية لا تُنال بالدعاء، ولا باستجداء الإصلاح من البلاط الملكي، ولا بالمساومة في غرف السلطة المظلمة؛ فالحرية لا تتحقق إلا بالتنظيم، وبدفع الثمن، وبتحطيم جدران الخوف. وهكذا، أبصرت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية النور، ابنةً لمعاناة الشعب وأمله.

ولادة منظمة: استجابة للتاريخ

لقد حوّلت ديكتاتورية بهلوي الإصلاحات إلى مجرد لعبة بلاط. وأدرك المجتمع الإيراني بالتجربة أن الانتفاضات المتفرقة، دون تنظيم، إما أن تخمد في نيران الاستبداد أو تُصادَر لصالح السلطة ذاتها. هذا ما يُعرف في علم اجتماع الحركات الاجتماعية بـ “التآكل في غياب المؤسسات”. عند هذا المنعطف التاريخي، فتح مجاهدو خلق طريقًا جديدًا: ربطوا المثال بالتنظيم، والإيمان بالعقلانية، والحماس بالانضباط. إذا كان الشاه يريد أن يسجن التاريخ في قصوره، فقد أخذ هؤلاء التاريخ إلى الشارع والمصنع والجامعة.

خميني: ولي العهد الحقيقي للشاه

مع سقوط الشاه، لم تثمر الحرية. يشهد التاريخ أن “السلطة” في ثورة 1979 انتقلت من يد إلى أخرى، لكن الاستبداد ظل قائمًا. كان خميني، بعباءته الدينية، ولي العهد الحقيقي للشاه: استمرار لنفس الاستبداد، ولكن في شكل مختلف. وبلغة حنة آرنت، تنحرف الثورة عن مسارها عندما تحل السلطة المطلقة محل الحرية؛ وهذا بالضبط ما حدث.

إذا كان الشاه يمثل الاستبداد الحديث والمركزي، فإن خميني أعاد إنتاج المنطق نفسه في هيئة دينية: إقصاء المعارضين، ومصادرة الثورة، وأمننة الحياة اليومية. لكن المنظمة الوحيدة التي كشفت هذا الوجه منذ الأيام الأولى كانت منظمة مجاهدي خلق. لقد أعلنوا: الحرية لا تقبل تاج الشاه ولا عمامة الشيخ.

مسعود ومريم رجوي: قادة تاريخيون

في هذا المسار، نُقش اسمان بحروف خالدة في تاريخ إيران: مسعود رجوي، الذي أرسى بكل كيانه، وبتضحياته التي شملت حياته وحياة قادة عظماء أمثال موسى خياباني وأشرف رجوي خلال عقود دامية، الأركان الفكرية والسياسية للمنظمة، وكان مثل نوح الذي حمى سفينة المقاومة العظيمة، ومريم رجوي، التي رفعت راية استمرارية هذه المقاومة بقيادتها للمرأة وبجرأتها في كسر أقدم المحرمات. إنهما ليسا مجرد قائدين لمنظمة، بل هما قائدان تاريخيان لأمة في مسيرتها نحو الحرية؛ شخصيتان دفعتا ثمن التحرير الباهظ بحياتهما وعمرهما، وبكلمة واحدة، بكل ما يملكان.

تجاوز إخفاقات النضالات السابقة

عانت تجربة النضال الإيراني على مدى مئة عام من نقاط ضعف كبيرة: عبادة البطل الفردي، وغياب البديل السياسي، وهيمنة الذكور على القيادة. لقد غير مجاهدو خلق هذه الجوانب الثلاثة:

  1. بالقيادة الجماعية ثم قيادة المرأة، خلقوا نموذجًا جديدًا؛ نموذجًا وضع المرأة، من الرمز إلى الهيكل، في قلب صنع القرار، وصاغوا، بتعبير منظّري النسوية، “عقدًا اجتماعيًا” جديدًا للمستقبل.
  2. بتشكيل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أوجدوا بديلًا ديمقراطيًا؛ مؤسسة لديها خطة واضحة ليوم التحرير، وهي بلغة الفيلسوف كارل بوبر “مؤسسة قابلة للاختبار” لنقل السلطة.
  3. بجيش التحرير ثم وحدات المقاومة، حوّلوا ساحة النضال من انتفاضات عابرة إلى مقاومة شبكية ومستمرة. هذه هي استراتيجية “التأثير غير المتكافئ” التي يُشار إليها في نظريات الحرب الحديثة.

الشعب: من جمهرة إلى أمة

يسعى الاستبداد إلى تحويل المجتمع إلى جمهرة سلبية؛ لكن المقاومة تجعل منهم أمة. لقد حافظت المنظمة، بذاكرة شهدائها وشبكة مقاوميها، على الذاكرة الجماعية للأمة حية. هذا ما أسماه إميل دوركهايم “طقوس البقاء”. فكل اسم شهيد ليس رثاءً صامتًا، بل هو مصباح في ليل بهيم.

ويريد الديكتاتور أن يسجن الناس في دائرة الخوف والعزلة؛ وهو ما أطلق عليه إريك فروم “الهروب من الحرية”. لكن مجاهدي خلق كسروا هذه الدائرة: بالبديل السياسي، حوّلوا الأمل من حلم إلى خطة؛ وبوحدات المقاومة، وضعوا إمكانية الفعل في أيدي كل شاب وعامل. لم يعد الأمل شعورًا، بل أصبح استراتيجية.

المرأة في القيادة: نقطة تحول تاريخية

إذا كانت المرأة في تاريخ إيران قد بدأت النضال مرارًا ثم تم تهميشها، فإنها هذه المرة بقيت في الصفوف الأولى وتربعت على القمة. هذا التغيير هو ما يسميه منظرو السياسة المقارنة “تغيير قواعد اللعبة”؛ وهو تغيير ضاعف من صمود المنظمة وشرعيتها.

البديل والميدان: جناحان لتحليق واحد

صاغ المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لغة السياسة والمستقبل: من فصل الدين عن الدولة إلى الانتخابات الحرة. وفي الوقت نفسه، حافظ جيش التحرير ووحدات المقاومة على لغة الميدان: شعلات متفرقة تمزق الظلام. فبدون بديل، يتحول الميدان إلى تمرد أعمى؛ وبدون ميدان، يصبح البديل حبرًا على ورق. إنهما جناحان لتحليق واحد.

الذكرى الستون: ليست إحياءً لذكرى، بل تجديدًا للعهد

ستون عامًا من المقاومة ليست مجرد ذكرى؛ إنها عهدٌ بدم مئات الآلاف من الشهداء، وبدموع الأمهات، وبصيحات السجناء، وبالشباب الذين يشعلون قناديل وحدات المقاومة في الظلام. عهدٌ يقول:

لا لتاج الشاه، ولا لعمامة الملالي؛

لا للاستسلام، ولا للمساومة؛

فقط الحرية، فقط الشعب، فقط إيران.

هذه السنوات الستون هي حكاية صمود؛ من جامعات الستينيات، ومن زنازين الشاه المظلمة، ومن ساحات الدم في الثمانينيات، ومن جيش التحرير والمجلس الوطني للمقاومة، حتى اليوم في وحدات المقاومة. هذه القصة لن تنتهي؛ لأن تاريخ إيران ينتظر اليوم الذي يتحول فيه هذا الصمود الممتد لستين عامًا إلى زهرة حرية متفتحة.

باسم الشعب، باسم الحرية، باسم إيران… يستمر العهد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة