التعليم تحت سلطة النظام الإيراني: تكريس التجهيل والاستبداد في مواجهة إرادة التغيير الجذري
مع انطلاق العام الدراسي الجديد 2026–2027 في إيران، واستقبال قاعات التدريس لنحو 16.5 مليون تلميذ وطالب، من بينهم قرابة 1.15 مليون طفل يدخلون الصف الأول الابتدائي، تجد ملايين العائلات الإيرانية نفسها أمام اختبار قاهر يتجاوز الأعباء الموسمية لشراء الدفاتر والحقائب، ليتحول إلى معركة استنزاف يومية تعري الانهيار الطبقي وتسلّع حق التعليم الأساسي. وفي ظل الفاشية الحاكمة، لم تعد المدارس بيئة للتربية وبناء المستقبل، بل تحولت إلى مرآة عاكسة للخراب الاقتصادي الذي تديره «مافيات النهب المنظم»، وساحة أمنية تسعى من خلالها أجهزة الولي الفقيه لفرض الرقابة والتلقين الأيديولوجي، في مواجهة جيل صاعد يرفض الخنوع، وتتكامل نضالاته مع ضربات «وحدات المقاومة» لإسقاط منظومة التمييز والفقر.
أبارتهايد تعليمي وأرقام فلكية: تسليع المدارس وسحق المادة 30 من الدستور
يكشف الواقع المعاش للعام الدراسي 2026–2027 عن فجوة طبقية مهولة تمزق المجتمع الإيراني؛ ففي المدارس غير الحكومية (الخاصة) بالعاصمة طهران، وصلت الرسوم الدراسية المعتمدة رسمياً للمرحلة الثانوية العليا إلى حاجز فلكي يبلغ 2.2 مليار ريال إيراني. وكان رئيس منظمة المدارس غير الحكومية قد أقر في سبتمبر الجاري بأن الأقساط المقرة تتراوح بين 300 مليون و2.2 مليار ريال بحسب المحافظة والمرحلة الدراسية، دون أن يشمل ذلك تكاليف الزي المدرسي والنقل والوجبات والأنشطة الإضافية؛ حيث حُدد السقف الرسمي للمدارس الخاصة في طهران بـ 1.72 مليار ريال للابتدائي، وملياري ريال للمتوسط، و2.2 مليار ريال للثانوي.
وفي المقابل، يقف طالب المدارس الحكومية التي يُفترض أن تكون مجانية وفق المادة 30 من دستور النظام الإيراني نفسه —والتي تنص نظرياً على إلزام الدولة بتوفير التعليم المجاني للجميع حتى نهاية المرحلة الثانوية— أمام ابتزاز مالي مقنّع يفرغ هذا النص من أي قيمة قانونية. فقد وثقت تقارير إعلامية تابعة للنظام ذاته، ومنها تقرير وكالة «تسنيم» في يوليو 2026 حول مدارس مدينة كاشان، فرض مبالغ إجبارية تحت مسميات مساهمة أولياء الأمور أو رسوم التسجيل؛ حيث أفاد أحد الآباء باشتراط دفع 50 مليون ريال لتسجيل ابنته في الصف الأول المتوسط، بينما أكد آخر اضطراره لدفع 120 مليون ريال في العام الماضي لتسجيل طفله بحجة السكن خارج النطاق الجغرافي للمدرسة.
ولا تتوقف الكلفة عند عتبة التسجيل؛ إذ تشير التقديرات الميدانية إلى أن الحزمة الأساسية للقرطاسية والمستلزمات المدرسية لهذا العام تتراوح ما بين 30 مليوناً و170 مليون ريال، في حين قفز ثمن الدفتر المدرسي العادي من 850 ألف ريال في العام الماضي إلى 1.8 مليون ريال حالياً. وبإضافة أعباء الحقائب والأحذية والنقل المشتعلة، يصبح مجرد إرسال طفل إلى مقاعد الدراسة عبئاً عاجزاً عن تحمله ملايين الأجراء والموظفين الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري حدود الكفاف.
التسرب المدرسي وعمالة الأطفال: روافد قسرية لتوسيع «جيش الجياع»
أدى هذا الإفقار الممنهج إلى تحويل الأزمة الاقتصادية إلى كارثة تسرب مدرسي غير مسبوقة تلتهم مستقبل الطفولة؛ ففي مطلع سبتمبر الجاري، رصدت المنظومة الإلكترونية لوزارة التربية والتعليم المعروفة باسم « محمودوند» وجود 141,837 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 6 و11 عاماً خارج أسوار المدارس، من بينهم 78,670 تلميذاً و63,167 تلميذة. ورغم أن عدد الأطفال المؤهلين للالتحاق بالصف الأول الابتدائي بلغ 1.154 مليون طفل، إلا أن أوضاع شريحة واسعة منهم لا تزال معلقة ولم يُحسم تسجيلهم.
وتشكل هذه المعطيات جزءاً يسيراً من نزيف أوسع؛ حيث أظهرت البيانات الرسمية للعام الدراسي 2023–2024 وجود نحو 992 ألف طفل ومراهق خارج المنظومة التعليمية في المرحلتين الابتدائية والثانوية، موزعين على: نحو 192 ألفاً في المرحلة الابتدائية، و214 ألفاً في المرحلة المتوسطة، و586 ألفاً في المرحلة الثانوية العليا.
هذا الإقصاء التعليمي يدفع بمئات الآلاف من الأطفال واليافعين مباشرة إلى سوق العمل غير الرسمي والمهن الشاقة؛ حيث كشف مؤتمر عُقد في طهران في يونيو 2026 عن تقديرات صادمة تؤكد وجود نحو مليوني طفل عامل في إيران. إن تحويل الأطفال إلى مصادر دخل لمساعدة أسرهم العاجزة عن تأمين الغذاء والإيجار يمثل الإدانة الأبلغ لسياسات نظام الملالي؛ حيث تُصادر حقوق الأجيال لتتحول قسراً إلى وقود يغذي «جيش الجياع» المطحون تحت وطأة الفساد المالي لسلطة الاستبداد.
شلل المنظومة والعجز القياسي في المعلمين: حلول ترقيعية في قاعات متداعية
يعاني الطلاب داخل الفصول الحكومية من انهيار البنية المؤسسية ونقص الكوادر التعليمية؛ فقد اعترف وزير التربية والتعليم في حكومة النظام، كاظمي، قُبيل انطلاق العام الدراسي بوجود عجز يناهز 90 ألف معلم، مدعياً انخفاض هذا الرقم من 126 ألفاً في العام السابق، ومعلناً اللجوء إلى تغطية هذا النقص عبر تدبير 2.5 مليون ساعة تدريس إضافية بالاعتماد على المعلمين الشاغلين، والمتقاعدين، والتدريس بنظام الساعات والعقود المؤقتة.
غير أن النقابات المستقلة تكشف زيف الأرقام الحكومية؛ حيث قدرت «جمعية معلمي إسلام شهر»، في تقرير تبناه «المجلس التنسيقي لنقابات المعلمين الإيرانيين»، العجز الحقيقي بما بين 100 ألف و130 ألف معلم للعام الدراسي 2026–2027. وحذرت الهيئات النقابية من اكتظاظ القاعات الدراسية، والانحدار الشديد في جودة التعليم، والأزمات التمويلية الخانقة.
إن هذه الإجراءات الترقيعية لا تعالج أصل المشكلة، بل تكرس التمييز التعليمي ضد أبناء الطبقات الفقيرة؛ فبينما يتمكن أبناء مسؤولي النظام وأثرياء «مافيات النهب المنظم» من تأمين تعليم متقدم في المدارس الخاصة ودروس التقوية، يُحرم أبناء الكادحين في المدارس العامة المكتظة من أبسط شروط التحصيل العلمي السليم.
عسكرة المؤسسات التعليمية: ارتعاد النظام أمام وعي الطلاب وبسالة الشبيبة
لم يعد خافياً أن قادة الفاشية الحاكمة ينظرون إلى المدارس والجامعات بوصفها ثكنات أمنية وساحات صراع سياسي مشتعل؛ ففي تصريح يعكس الهلع من أي تحرك طلابي، أطلق الملا رضا نوري تحذيرات لمسؤولي التعليم زعم فيها أن العدو يسعى لاحتلال المنظومة التعليمية والجامعات، مطالباً المسؤولين والمعلمين بتنفيذ حملات تطهير داخل المؤسسات الأكاديمية وحث الطلبة على الانخراط في هذا المسعى الترهيبي.
وتأتي هذه التحذيرات الأمنية على خلفية الاحتجاجات الطلابية العارمة التي شهدتها المدن الإيرانية في يونيو 2026؛ حين انتفض طلاب المدارس الثانوية في طهران، ومشهد، وشيراز، وأصفهان، وتبريز، وكرمانشاه، والأهواز، ورشت، وغيرها من المدن، احتجاجاً على التعديلات الجائرة لقواعد القبول الجامعي (الكونكور)، والتي ضاعفت من وزن المعدل التراكمي للثانوية، في إجراء يمنح امتيازاً فاضحاً لخريجي المدارس الخاصة الباذخة على حساب الطلاب المكافحين في المدارس العامة.
وقد واجه النظام هذه الاحتجاجات بشن حملات قمع تأديبية مسعورة داخل الجامعات، حيث كشفت صحيفة «شرق» الحكومية عن فتح ملفات تأديبية وملاحقات قضائية طالت أكثر من 100 طالب في جامعة إيران للعلوم والتقنية، وإحالة ما بين 150 إلى 200 طالب إلى اللجان الانضباطية في جامعة طهران، بالإضافة إلى إصدار أحكام فصل دراسي بحق عدد من الطلاب وتعليق دراسة أكثر من 20 طالباً في جامعة شريف للتكنولوجيا.
إن هذه الهستيريا البوليسية تؤكد فشل محاولات التدجين التي أسس لها المقبور خميني، وتكشف عجز أجهزة الولي الفقيه عن تدجين جيل جديد حسم خياره الثوري رافضاً كل أشكال الديكتاتورية تحت الشعار الإستراتيجي الحاسم: «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه». وتلتحم هذه الإرادة الطلابية الصلبة مع النضال الميداني الذي تخوضه «وحدات المقاومة»، لتؤكد أن رهان الاستبداد على ترويض العقول قد سقط نهائياً، وأن غضب الطلبة والشباب يشكل رأس حربة في مسار الإطاحة بالفاشية وإقامة «جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب»؛ جمهورية تكرس مجانية التعليم وعدالته، وتستعيد كرامة المعلم والمتعلم في إطار مبادئ «خطة النقاط العشر» التي تضمن حق التعليم المتكافئ للجميع دون تمييز أو وصاية.
يبرهن مشهد العام الدراسي 2026–2027 أن الفاشية الحاكمة قد حولت منظومة التربية والتعليم في إيران إلى أداة للقهر الطبقي ونهب جيوب المواطنين، ومرتعاً لعسكرة المناهج وملاحقة الأحرار. إن حرمان مئات الآلاف من الأطفال من مقاعد الدراسة وتجريف حقوق المعلمين يعكسان طبيعة نظام الملالي القائم على الجهل والتفقير الممنهج لضمان بقائه في السلطة. غير أن تحويل المدارس والجامعات إلى ثكنات أمنية لم يفلح في كسر شوكة الشبيبة التي تقف في طليعة المواجهة؛ فالغضب المتراكم بين صفوف الطلاب والتحامهم مع نضال «وحدات المقاومة» يؤكدان أن قاعات الدرس ستظل خنادق للثورة حتى إسقاط ديكتاتورية الولي الفقيه، وتشييد جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب تضع حداً لعهود التمييز والاستبداد وتعيد للعلم والحرية مكانتهما المستحقة.
- التعليم تحت سلطة النظام الإيراني: تكريس التجهيل والاستبداد في مواجهة إرادة التغيير الجذري

- النظام الإيراني يدفع الكوادر الطبية تحت خط الفقر ويواجه احتجاجات المستشفيات بالملاحقات الأمنية
- خلف أرقام البطالة الرسمية.. انهيار سوق العمل في إيران
- انتشار أمني مكثف أمام محطات الوقود: ذعر نظام الملالي من التحام أزمة المحروقات بغليان جيش الجياع
- الخبز يدخل قائمة الكماليات في إيران
- 100 ألف كيلومتر مربع مهددة بالانهيار: مافيات النهب المنظم تحيل حواضر البلاد إلى فخاخ جيولوجية
