إيران.. سجال بين مسؤولي النظام يفتح ملف مليارات الدولارات المفقودة من عائدات النفط
في سياق الانهيار المعيشي المتفاقم والضغوط الاقتصادية الخانقة في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026، فجّر سجال علني وتلفزيوني بين اثنين من مسؤولي ورموز النظام الإيراني فضيحة مالية واسعة النطاق حول مصير مليارات الدولارات غير المحصلة من مبيعات النفط؛ حيث أزاحت المناظرة الستار عن حجم الفوضى وغياب الرقابة والشفافية في إدارة الثروة الوطنية عبر شبكات معتمة من الوسطاء والأمناء الماليين، في وقت يعاني فيه ملايين المواطنين من الغلاء الفاحش وتهاوي القوة الشرائية، لتتحول عائدات الموارد العامة إلى وقود لصراع الأجنحة والتصفيات السياسية في قمة الهرم الحكومي.
الانهيار الاقتصادي في إيران يتحول إلى أزمة أمنية تهدد استقرار نظام الولي الفقيه
كشفت تقارير اقتصادية ورسمية عن قفزات تضخمية قياسية تجاوزت 147% في أسعار المنتجين وتضخم غذائي بأكثر من 113%، إلى جانب خسائر بلغت 34 مليار دولار نتيجة الإغلاقات القسرية وفقدان مئات آلاف الوظائف. وتؤكد الوقائع أن نظام الولي الفقيه بات يتعامل مع التدهور المعيشي كمعضلة أمنية وجودية عبر ملاحقة المتعاملين وتجميد الحسابات ومضاعفة وتيرة الإعدامات، في حين تواصل وحدات المقاومة توجيه ضربات ميدانية لمقرات الحرس والباسيج، مؤكدة التحام الغضب الشعبي مع المقاومة المنظمة لإسقاط الاستبداد.
سجال علني يكشف ضياع 4.7 مليار دولار ووسيط مدين بـ 3.7 مليار
اندلعت شرارة السجال خلال مناظرة تلفزيونية حامية جمعت بين الناشط الإعلامي المحافظ وحيد أشتري، والرئيس السابق لمنظمة الخصخصة في إيران حسين قربانزاده؛ حيث كشف الأخير عن بيانات صادمة تتعلق بإدارة عائدات الطاقة إبان فترة وزير النفط محسن باكنجاد، مؤكداً أن نحو 4.7 مليار دولار من أصل قرابة 32 مليار دولار من مبيعات النفط لم تدخل الخزينة ولم يتم تحصيلها. وقارن قربانزاده هذه الأرقام بالفترة الممتدة من عام 2018 حتى أيلول/سبتمبر 2024، مدعياً أن المبالغ غير المحصلة حينها لم تتجاوز 480 مليون دولار من إجمالي مبيعات بلغت نحو 220 مليار دولار. وفجّر قربانزاده مفاجأة إضافية بإعلانه أن وسيطاً مالياً واحداً فقط مدين للدولة بمبلغ فلكي يصل إلى 3.7 مليار دولار، مما يضع الرقابة الحكومية والقدرة على استرداد الأموال العامة في قفص الاتهام المباشر.
نزاع هولدينغ «الخليج الفارسي» وتسييس الإخفاقات المالية
في المقابل، رفض وحيد أشتري تحميل وزير النفط وحده مسؤولية هذا الهدر المالي، مرجعاً جذور الخلافات والتوترات الأخيرة إلى صراعات النفوذ والهيمنة الإدارية المحتدمة حول «شركة صناعات البتروكيماويات للخليج الفارسي» (PGPIC)، وهي إحدى كبرى الشركات القابضة في البلاد. وسرعان ما انحرفت المناظرة إلى تراشق واتهامات شخصية متبادلة، في مسعى واضح لحرف الأنظار عن جوهر القضية المتمثل في مصير المليارات المنهوبة من أموال الشعب. وكشفت هذه المناورات كيف يُستخدم ملف الفساد كأداة ضغط لتصفية الحسابات السياسية المتعلقة بإقالة باكنجاد من وزارة النفط، بدلاً من إخضاع المتورطين للمساءلة القانونية واستعادة الأموال المهدورة.
شبكات «الوسطاء والأمناء»: قنوات الظل لإخفاء عائدات التصدير
يقف في صلب هذه الفضيحة نظام معقد من الأفراد والشركات المعروفين باسم «الوسطاء» أو «الأمناء»، الذين تعتمد عليهم أجهزة السلطة لتسويق النفط والالتفاف على العقوبات الدولية؛ فرغم أن هذه الآلية تُستخدم لتمرير جزء من التجارة الخارجية، إلا أنها تحولت إلى ملاذ آمن للغمولات غير القانونية، والتخفيضات المشبوهة، والتأخير المتعمد في تسليم الإيرادات في ظل انعدام تام للرقابة العامة. وفي هذا السياق، كشفت تقارير ديوان المحاسبة التابع للنظام عن خضوع 141 وسيطاً مديناً للتدقيق المالي، بالتوازي مع تجميد نحو 7.9 مليار دولار من عوائد التصدير غير النفطية في حسابات مرتبطة بشبكات وساطة تابعة لـ 18 بنكاً؛ ورغم إعلان مسؤولي البنك المركزي عن استعادة أكثر من 10 مليارات دولار من هذه الشبكات، إلا أن المجتمع لا يزال محروماً من أي كشف حساب شامل يوضح حجم الديون الحقيقية، والمبالغ المستردة، والتكاليف الباهظة لتشغيل شبكات السمسرة هذه.
انهيار معيشي وانكشاف هيكلي: حقائق الاستنزاف المالي تفضح زيف الإجراءات النقدية لنظام الولي الفقيه
كشفت البيانات المالية الصادرة في طهران عن تفاقم أزمة بنيوية حادة تقود إلى شلل إنتاجي وتآكل غير مسبوق في القدرة الشرائية، وسط تبخر أكثر من 11 مليار دولار من عائدات النفط وتورط شبكات ومافيات تابعة لمكتب الولي الفقيه وحرس النظام الإيراني في نهبها. وتؤكد الوقائع أن الإجراءات النقدية وضخ العملات الأجنبية جاءت لحماية ثروات الأوليغارشية والمضاربين بدلاً من دعم الكادحين، في حين تواجه البلاد فجوة استثمارية بقيمة 400 مليار دولار تهدد بانهيار شامل للبنية التحتية والقطاعات الحيوية.
التناقض الصارخ: تبديد مليارات النفط مقابل فقر المجتمع وحرمانه
تكتسب هذه السجالات المالية خطورة مضاعفة لكونها تمس بصورة مباشرة الحياة اليومية للمواطنين؛ فبينما تتصرف شبكات النفوذ والمافيات الاقتصادية بمليارات الدولارات وتتداولها كأصول خاصة خارج الأطر المحاسبية، تواجه العائلات الكادحة أزمة معيشية طاحنة تجعل من تأمين رغيف الخبز والدواء والسلع الأساسية كفاحاً يومياً شاقاً. إن عجز المؤسسات الرسمية عن تقديم تدقيق مالي شفاف ومستقل يؤكد أن الثروة النفطية—التي ينبغي أن تُسخر للتنمية والخدمات العامة ورفع مستوى معيشة المجتمع—تتعرض لنهب منهجي لحساب مراكز قوى تعمل تحت حماية أجهزة السلطة، مما يرسخ قناعة شعبية عارمة بأن استعادة مقدرات الوطن تقتضي وضع حد حاسم لمنظومة الفساد وغياب المساءلة برمتها.
تُثبت السجالات المتفجرة بين مسؤولي النظام الإيراني في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 أن شبكات الالتفاف على العقوبات وتجارة النفط الموازية قد تحولت إلى منظومة نهب ذاتية تعصى على الضبط المؤسسي وتستنزف ثروات البلاد لحساب مراكز القوى؛ فعندما يتبادل أقطاب السلطة الاتهامات بضياع مليارات الدولارات وبقاء مليارات أخرى في ذمة وسطاء مجهولين، تسقط كل الذرائع التي تحاول عزو الانهيار الاقتصادي إلى العوامل الخارجية وحدها. إن تفشي هذا النزاع العلني يعكس تصدع التماسك الداخلي لأجهزة الحكم وعجزها عن مداراة حجم الهدر المالي أمام شعب يكتوي بنيران الفقر والتضخم؛ مما يجعل من ملف عائدات النفط المنهوبة صاعقاً متفجراً يعمق الهوة بين المجتمع والسلطة، ويؤكد حتمية خروج أصحاب الحقوق لاسترداد ثرواتهم الوطنية ومحاسبة المسؤولين عن تبديدها.
- إيران.. سجال بين مسؤولي النظام يفتح ملف مليارات الدولارات المفقودة من عائدات النفط

- إيران.. حكومة بزشكيان تخطط لاستبعاد ملايين المواطنين من الدعم الغذائي وسط تفاقم الفقر والغلاء
- الانهيار الاقتصادي في إيران يتحول إلى أزمة أمنية تهدد استقرار النظام
- انهيار معيشي وانكشاف هيكلي: حقائق الاستنزاف المالي تفضح زيف الإجراءات النقدية لـ النظام الإيراني
- ديون بـ 370 تريليون تومان وأجهزة طبية بأسعار مضاعفة: كيف يُهدر النظام الإيراني مقدرات البلاد ومستقبلها؟
- اعترافات رسمية بنقص الأدوية الاستراتيجية وقفزات فلكية في تكاليف الاستشفاء بإيران
