لماذا يُدمّر النظام الإيراني سجن كوهردشت؟ أسئلة حول محو الأدلة التاريخية
أثار الإعلان عن بدء هدم سجن كوهردشت في کرج، في 13 سبتمبر 2026، موجةً جديدة من الأسئلة حول مصير الأدلة المرتبطة بعقودٍ من القمع السياسي في إيران، ولا سيما ما يتعلق بملفّ الإعدامات الجماعية عام 1988. فالسجن الذي كان يُنظر إليه كمجمّع قديم أو منشأة انتهى عمرها التشغيلي، يمثّل بالنسبة للناجين وعائلات الضحايا موقعًا مركزيًا في ذاكرة القمع الذي مارسته الفاشية الحاكمة.
هدم سجن كوهردشت محاولة جديدة من النظام الإيراني لمحو آثار مجزرة 1988
بعد تدمير قبور شهداء ثمانينيات القرن الماضي، وخصوصاً ضحايا مجزرة عام 1988، يشرع النظام الكهنوتي بقيادة الولي الفقيه في خطوةٍ جديدة لطمس الأدلة عبر هدم سجن كوهردشت في كرج، الموقع الذي شهد إعدامات جماعية ووحشية. تهدف هذه العملية إلى محو آثار الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وإخفاء مواقع الإعدامات، في محاولةٍ يائسة لطمس ذاكرة الضحايا ومحو مسؤولية الجلادين. تأكد من التحقق من التفاصيل عبر مصدر الخبر.
من الإغلاق إلى الهدم… مسارٌ مقصود أم صدفة؟
لم يبدأ المشروع مع إعلان هدم الجدران، بل سبقه قرارٌ بإفراغ السجن في أغسطس 2023 ونقل السجناء السياسيين إلى سجن قزل حصار. ثم جاء تصريح رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي في فبراير 2026 حول «تغيير استخدام الموقع»، قبل أن يُعلن رسميًا بدء الهدم في سبتمبر.
هذا التسلسل، كما يوضح محمود رؤیایی ــ أحد الناجين وشاهد على أحداث 1988 ــ ليس مجرد إجراءات إدارية، بل خطوةٌ تُميّز بين إغلاق السجن ومحو السجن. فالموقع المغلق يمكن أن يبقى شاهدًا تاريخيًا، أما الموقع المهدوم فيُفقد جزءًا من الأدلة المادية التي قد تُستخدم يومًا في التحقيق أو المحاسبة.
السفير يواخيم روكر: طهران تستنسخ سيناريو 1988 وأي اتفاق يتجاهل وقف الإعدامات خطأ فادح
انعقد مؤتمر دولي لخبراء الأمم المتحدة والعدالة الجنائية لبحث مجزرة عام 1988 واستمرار الإعدامات السياسية في إيران. افتتحت السيدة مريم رجوي رسالةً أكدت فيها أن المسار القضائي لملاحقة مرتكبي المجازر جزء لا يتجزأ من حركة الشعب ومقاومته المنظمة لإسقاط الاستبداد وإقامة الجمهورية الديمقراطية. يحذر المشاركون من أن أي تسوية أو اتفاق يتجاهل وقف الإعدامات ومحاسبة الجلادين سيعني تكرار سياسة الطمس التي ينتهجها النظام بقيادة الولي الفقيه.
سجن بُني للعزل… وتحول إلى مركز للقمع السياسي
تاريخ كوهردشت يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين شُيّد في عهد الشاه وعُرف بـ«سجن الألف زنزانة» بسبب تصميمه القائم على العزل الانفرادي. وبعد عام 1982، أصبح السجن مركزًا رئيسيًا لاحتجاز المعارضين السياسيين، حيث استُخدمت الزنازين الانفرادية لكسر إرادة السجناء وإجبارهم على التخلي عن قناعاتهم.
لكن ذروة القمع جاءت عام 1988، حين تحوّل أحد ممرات السجن إلى ما عرفه الناجون بـ«ممر الموت»، حيث كانت تُنقل مجموعات من السجناء إلى لجانٍ تحدد مصيرهم: البقاء أو الإعدام. ويصف رؤیایی كيف كان السجناء يُعطَون أوراقًا لكتابة وصاياهم قبل اقتيادهم، دون أن يتراجع كثيرون منهم عن مواقفهم رغم معرفتهم بما ينتظرهم.
لماذا يهمّ الموقع؟
في تجارب العدالة الانتقالية حول العالم، تُعدّ المواقع المرتبطة بالجرائم الجماعية جزءًا من الأدلة التي تُستخدم لإعادة بناء الحقيقة. فالهدم لا يمحو الشهادات ولا الوثائق، لكنه يُضعف القدرة على إجراء تحقيقات مستقبلية تعتمد على المعاينة الميدانية.
وتشير شهادات الناجين إلى أن ما يجري في كوهردشت ليس حالة منفردة؛ إذ سبق أن تعرّضت مواقع أخرى مرتبطة بالضحايا للتغيير أو الإزالة، مثل أجزاء من مقبرة بهشت زهرا أو مواقع يُعتقد أنها تضمّ قبورًا جماعية لضحايا 1988. ويرى منتقدو الفاشية الحاكمة أن هذه الإجراءات جزءٌ من نمطٍ يهدف إلى جعل الأدلة المادية أقل قابلية للتتبع.
معركة الذاكرة… بين الهدم والبقاء
بالنسبة للناجين وعائلات الضحايا، لا يمثّل كوهردشت مجرد مبنى، بل رمزًا لذاكرة جماعية لا يمكن محوها بالجرافات. فالهدم قد يزيل الجدران، لكنه لا يزيل الشهادات، ولا أسماء الضحايا، ولا الوثائق التي وثّقت ما جرى.
ومع تصاعد الدعوات الدولية للمحاسبة على الإعدامات الجماعية، يرى رؤیایی أن السلطات باتت أكثر قلقًا من بقاء الأدلة، وأن الهدم يأتي في سياق محاولة الحدّ من إمكانية التحقيق المستقبلي. لكن التجارب العالمية تُظهر أن مرور الزمن لا يلغي المطالبة بالعدالة، وأن السجلات والشهادات يمكن أن تبقي القضية حيّة لعقود.
اختفاء سجن كوهردشت لا يعني اختفاء الحقيقة. فالهدم قد يغيّر شكل المكان، لكنه لا يغيّر ما حدث داخله. ومع استمرار الجدل حول الذاكرة والمحاسبة، يبقى السؤال الأهم: هل سيُسمح للأدلة التي بقيت خلف تلك الجدران أن تبقى حيّة، أم سيُدفن جزءٌ منها تحت أنقاض الهدم؟
- لماذا يُدمّر النظام الإيراني سجن كوهردشت؟ أسئلة حول محو الأدلة التاريخية

- مؤتمر دولي لكسر جدار الحصانة: محاكمة قادة النظام الإيراني حتمية تاريخية تنتظر الإرادة السياسية
- السفير يواخيم روكر: طهران تستنسخ سيناريو 1988 وأي اتفاق مع النظام يتجاهل وقف الإعدامات يمثل خطأً فادحاً
- الاتحاد الأوروبي يدين قمع المحتجين والإعدامات وسياسات الترهيب في إيران
- أناليزا تشامبي: حماية الأدلة وتوسيع الولاية القضائية ضرورة لمحاسبة مرتكبي الجرائم في إيران
- العفو الدولية: مسؤولون إيرانيون ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية خلال قمع احتجاجات 2022
