العفو الدولية: مسؤولون إيرانيون ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية خلال قمع احتجاجات 2022
أصدرت منظمة العفو الدولية، في 16 سبتمبر 2026، بالتزامن مع الذكرى الرابعة لانتفاضة الشعب الإيراني عام 2022، تقريرًا موسعًا بعنوان «مهندسو القسوة: جهاز الدولة المنظم للجرائم ضد الإنسانية في إيران». ويقع التقرير في أكثر من ألف صفحة، وهو ثمرة سنوات من التحقيق والتوثيق، ويخلص إلى أن مسؤولين في النظام الإيراني ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية خلال حملة قمع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد عام 2022.
ووفقًا لنتائج التقرير، فإن قمع الاحتجاجات لم يكن سلسلة من الإجراءات المنفصلة أو العفوية، بل جزءًا من سياسة حكومية منظمة هدفت إلى إسكات الاحتجاجات الشعبية. وتؤكد منظمة العفو الدولية أن الاستخدام الواسع للقوة المميتة ضد المتظاهرين جرى تصميمه وتنفيذه عبر المؤسسات الأمنية والرسمية، بمشاركة مسؤولين وقادة كبار على مختلف المستويات.
ووثق التقرير مجموعة واسعة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من بينها القتل غير القانوني، والتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات الجماعية، والاضطهاد السياسي والإثني، إضافة إلى حالات من العنف الجنسي والاغتصاب. ويرى معدو التقرير أن الهدف من هذه الممارسات كان قمع الحركة الاحتجاجية التي اندلعت عقب وفاة جينا (مهسا) أميني أثناء احتجازها لدى شرطة «الأمن والأخلاق»، والتي تحولت سريعًا إلى واحدة من أوسع موجات الاحتجاج في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
وأعلنت منظمة العفو الدولية أنها حددت خلال تحقيقاتها 87 مسؤولًا إيرانيًا ينبغي إخضاعهم لتحقيقات جنائية بسبب دورهم المحتمل في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ويشمل هؤلاء 62 قائدًا أمنيًا، بينهم قادة في قوات الحرس وقيادة قوى الأمن الداخلي، إضافة إلى 25 مسؤولًا في وزارة الداخلية، بمن فيهم محافظون ومسؤولون محليون. وأوضحت المنظمة أن هذه القائمة ليست نهائية، لكنها تقدم صورة واضحة عن سلسلة القيادة والمسؤولية في عمليات القمع.
وبحسب التقرير، تولت قوات الحرس وقوى الأمن الداخلي الدور الرئيسي في إدارة عمليات القمع، بينما جرى رسم السياسات العامة عبر مؤسسات من بينها المجلس الأعلى للأمن القومي ومجلس الأمن الداخلي ومجالس الأمن في المحافظات. وتقول المنظمة إن القوات الأمنية استخدمت مرارًا الأسلحة الحربية والمسدسات وبنادق الخرطوش ضد المتظاهرين وحتى المارة، كما أطلقت النار في بعض الحالات على أشخاص غير مسلحين من مسافات قريبة.
وخصص التقرير جانبًا مهمًا لتوثيق أوضاع الأقليات القومية، ولا سيما الأكراد والبلوش، مؤكدًا أنهم تحملوا نصيبًا غير متناسب من الضحايا وأعمال القمع. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، فإن 62 في المائة من الضحايا الموثقين ينتمون إلى هاتين المجموعتين. وفي محافظة سيستان وبلوشستان، ولا سيما خلال الأحداث المعروفة باسم «الجمعة الدامية في زاهدان»، قُتل عشرات الأشخاص، كما سقط عشرات القتلى في المناطق الكردية خلال الاحتجاجات أو العمليات الأمنية.
وانتقدت منظمة العفو الدولية بشدة البنية القضائية والقانونية في إيران، معتبرة أن الحصانة الهيكلية التي تتمتع بها الأجهزة الأمنية وارتباط السلطة القضائية بمراكز النفوذ السياسي حالا دون إجراء تحقيقات مستقلة في انتهاكات حقوق الإنسان. وأشارت إلى أن عائلات الضحايا لا تُحرم فقط من العدالة، بل تتعرض في كثير من الحالات للضغوط والمضايقات.
وفي جزء آخر من التقرير، تناولت المنظمة أحداث يناير/كانون الثاني 2026، محذرة من أن استمرار الإفلات من العقاب قد يؤدي إلى تكرار أعمال عنف واسعة النطاق ضد المتظاهرين مستقبلاً. ودعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إنشاء آلية خاصة لملاحقة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، كما طالبت الدول المختلفة باللجوء إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية لفتح تحقيقات وملاحقات قضائية بحق الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
ولإعداد هذا التقرير، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 270 شخصًا، من بينهم متظاهرون ومعتقلون سابقون وأفراد من عائلات الضحايا ومحامون وصحفيون ونشطاء حقوقيون وعاملون في القطاع الطبي. كما راجعت أكثر من 2000 مقطع فيديو وكميات كبيرة من الوثائق الرسمية والأحكام القضائية وتقارير الطب الشرعي والوثائق المسرّبة.
ويخلص تقرير «مهندسو القسوة» إلى أنه يمثل محاولة شاملة لتوثيق آليات قمع احتجاجات عام 2022 في إيران، وتحديد المسؤولين المحتملين عنها، ولفت انتباه المجتمع الدولي إلى ضرورة تحقيق المساءلة القضائية. وتؤكد منظمة العفو الدولية أن إنهاء الإفلات من العقاب وإرساء آليات فعالة للعدالة يمثلان شرطًا أساسيًا لمنع تكرار أعمال القمع الدموية في المستقبل.
وشددت كالامار على أن مطالبة القضاء الإيراني بمحاسبة المتورطين أمر ينفصل تماماً عن الواقع؛ لكون المؤسسات القضائية شريكاً أصيلاً ملطخة أيديها بالدماء، مؤكدة أن المنظومة توظف حالياً تصاعد التوترات العسكرية الخارجية كذريعة لفرض أحكام الطوارئ، وعسكرة الفضاء العام، وشن حملات إعدام انتقامية واسعة لتصفية المعارضين وكسر إرادة التغيير الشعبي التي تفجرت منذ ديسمبر 2017 وحتى انتفاضة 2026.
استحقاقات التحرك الدولي: محكمة دولية وملاحقات بالولاية القضائية العالمية
أمام الشلل التام والفيتو المتوقع في مجلس الأمن الدولي، وضعت منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية عبر حزمة مطالب ملزمة:
- قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنشاء آلية قضائية جنائية دولية بصورة عاجلة للتحقيق في الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في إيران وتحديد المسؤولين الجنائيين عنها تمهيداً لمحاكمتهم.
- حث الدول الأعضاء في مجلس الأمن على إحالة الملف الحقوقي الإيراني فوراً إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية (ICC).
دعوة أجهزة الادعاء والنيابات العامة في كافة دول العالم إلى تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية (Universal Jurisdiction) ضد المسؤولين الإيرانيين المشتبه بتورطهم في جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الـ 87 مسؤولاً المذكورين في التقرير، وإصدار مذكرات توقيف دولية لملاحقتهم أينما وجدوا.
- العفو الدولية: مسؤولون إيرانيون ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية خلال قمع احتجاجات 2022

- القاضي غولدستون في مؤتمر دولي: مرتكبو الجرائم ضد الإنسانية في إيران لن يفلتوا من العدالة
- إضراب السجناء السياسيين عن الطعام في 62 سجناً بإيران في الأسبوع الـ 138 لحملة «ثلاثاء لا للإعدام»
- البروفيسورة ليلى سادات: جرائم النظام الإيراني ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم
- هدم سجن كوهردشت.. محاولة جديدة من النظام الإيراني لطمس آثار مجزرة 1988
- موجة إعدامات متسارعة في إيران: 22 سجيناً أُعدموا خلال أيام وسط مطالبات بتحرك أممي عاجل
