ماذا تكشف تجربة مجاهدي خلق عن دور المرأة؟
ميدل ايست اونلاين
بقلم: نزار جاف
في الذكرى الحادية والستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، جاء انتخاب مهناز ميمنت أمينة عامة جديدة للمنظمة ليعيد إلى الواجهة قضية ظلت تحتل موقعا خاصا في تجربتها السياسية والتنظيمية منذ عقود: مكانة المرأة في القيادة وصناعة القرار، وفي مشروع إيران المستقبل.
قد يبدو للوهلة الأولى أن الأمر لا يتجاوز وصول امرأة إلى قمة هرم منظمة سياسية. لكن اختزال الحدث بهذه الصورة يغفل دلالته الأوسع. فوفق الخطاب السياسي والتنظيمي للمنظمة، لا تتعلق القضية بمجرد إشراك النساء في النشاط السياسي أو منحهن مواقع قيادية بصورة رمزية، وإنما بمحاولة تحويل المساواة بين المرأة والرجل من شعار معلن إلى ممارسة داخل البنية التنظيمية نفسها.
فالمساواة الحقيقية لا تبدأ عندما تصل امرأة الى موقع القيادة، وإنما عندما يصبح الطريق الى ذلك الموقع مفتوحا أمامها على أساس الكفاءة والأهلية وتحمل المسؤولية، لا على أساس جنسها. فالقيادة ليست لحظة وصول، بل مسار يبدأ بالتأهيل والمشاركة، ويمر بتحمل المسؤوليات وصنع القرار.
ومن هذه الزاوية، تبرز تجربة مجاهدي خلق باعتبارها محاولة لجعل المرأة جزءا أصيلا من البنية القيادية والتنظيمية، وليس مجرد قوة مساندة لها.
خلال العقود الماضية، برزت نساء في مستويات متعددة من الهرم التنظيمي، وصولا الى المواقع القيادية العليا. ويأتي انتخاب مهناز ميمنت في سبتمبر/أيلول 2026 في سياق هذا المسار، بعد زهراء مريخي التي تولت منصب الأمينة العامة قبلها، ثم انتقلت بعد انتهاء مهمتها إلى رئاسة المجلس المركزي.
وهذه النقطة ليست تفصيلا تنظيميا عابرا. فانتقال المسؤولية من امرأة إلى أخرى، مع استمرار القيادات السابقة في مواقع مؤثرة، يقدم صورة مختلفة للقيادة النسائية؛ صورة لا تقوم على امرأة واحدة تظهر في القمة ثم تختفي، وإنما على وجود كوادر نسائية قادرة على تداول المسؤوليات والانتقال بين مواقع القيادة.
أما ميمنت نفسها، فإن وصولها إلى موقع الأمينة العامة جاء بعد مسيرة تنظيمية طويلة. فقد أصبحت عضوة في الهيئة التنفيذية عام 1989، ثم تولت مسؤوليات تنظيمية مختلفة، وكانت عضوة في مجلس القيادة منذ عام 1993، وفي المجلس المركزي منذ عام 2014، قبل أن تصبح رديفة للأمينة العامة منذ عام 2021. وبالتالي فإن انتخابها، وفق المعلومات التي قدمتها المنظمة، جاء نتيجة مسار طويل من التدرج وتحمل المسؤولية.
لكن تجربة المرأة في مجاهدي خلق لا تتوقف عند المناصب القيادية.
فالمنظمة تربط قضية المرأة بمفهوم أوسع للمساواة يشمل الحقوق السياسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية، فضلا عن المشاركة في صنع القرار. وفي البرنامج السياسي الذي طرحته مريم رجوي، تبرز المساواة بين النساء والرجال باعتبارها إحدى ركائز النظام السياسي المنشود، مع التأكيد على المشاركة المتساوية للنساء في القيادة السياسية.
وهنا تتحول قضية المرأة من “ملف نسائي” إلى اختبار لطبيعة النظام السياسي نفسه.
فحين تكون المرأة متساوية أمام القانون، وحين يكون التعليم والعمل والمشاركة السياسية حقا متاحا لها، وحين تستطيع الوصول الى مواقع صناعة القرار، فإن المسألة لا تتعلق بتحسين وضع النساء فحسب، بل بإعادة تعريف مفهوم المواطنة.
وفي السياق الإيراني تكتسب هذه المسألة حساسية مضاعفة. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، أصبحت المرأة في قلب منظومة واسعة من القيود القانونية والاجتماعية، الأمر الذي جعلها أيضا في قلب الصراع حول مستقبل البلاد. ومع مرور السنوات، برزت أجيال من النساء الإيرانيات في الاحتجاجات والحركات المطالبة بالحرية، لتتحول المرأة من موضوع للسياسات الرسمية إلى طرف فاعل في معادلة التغيير.
ومن هنا يمكن طرح السؤال الأهم: هل يمكن أن تتحول المساواة بين الجنسين من مطلب سياسي إلى ثقافة تنظيمية؟
التجربة التي تقدمها مجاهدي خلق تقول إن ذلك ممكن من خلال إسناد المسؤوليات القيادية الى النساء بصورة متكررة، وإتاحة المجال أمامهن لتحمل مسؤوليات مباشرة في مراكز القرار، وعدم اختزال مشاركتهن في أدوار ثانوية أو مساندة.
ولهذا فإن دلالة انتخاب مهناز ميمنت لا تكمن في كونها امرأة أصبحت أمينة عامة في عام 2026 فحسب، وإنما في أن انتخابها يأتي ضمن سلسلة متواصلة من الحضور النسائي في مواقع القيادة. وهذه الاستمرارية هي التي تمنح الحدث بعده السياسي، لأنها تجعل وجود المرأة في قمة الهرم التنظيمي أقرب إلى قاعدة متكررة منه إلى استثناء عابر.
وتضيف سيرة ميمنت الشخصية بعدا إنسانيا إلى هذه الصورة. فبحسب التقرير المنشور عن انتخابها، فقد عاشت تجربة عائلية قاسية في مواجهة النظام؛ إذ قتلت والدتها وأحد أشقائها وأحد أفراد عائلتها الآخرين خلال سنوات القمع، فيما أمضى والدها سنوات في البحث عن أبنائه المعتقلين ثم عن قبورهم. وهي سيرة تعكس جانبا من التاريخ القاسي الذي عاشته عائلات إيرانية عديدة خلال العقود الماضية.
وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية: المساواة لا تعني أن تحصل المرأة على مكان إلى جانب الرجل، وإنما أن يصبح المكان نفسه مفتوحا أمام الاثنين على أساس الكفاءة والأهلية والمسؤولية.
وقد يختلف الإيرانيون والمراقبون حول تاريخ مجاهدي خلق وخياراتها السياسية، وهذا أمر طبيعي في تقييم أي حركة سياسية. لكن هذا الاختلاف لا يلغي حقيقة أن الحضور النسائي في مواقع القيادة داخل المنظمة لم يعد حادثة منفردة، بل مسارا امتد عبر عقود.
لذلك، فإن انتخاب مهناز ميمنت يطرح سؤالا يتجاوز شخصها والمنصب الذي تولته: ماذا يعني أن تصبح قيادة المرأة جزءا من ثقافة تنظيمية وسياسية مستمرة؟
إن الإجابة لا تخص مجاهدي خلق وحدها، بل تمس سؤال إيران المستقبل بأكمله: هل تكون المرأة مواطنة كاملة الحقوق، قادرة على المشاركة في صناعة القرار وتحديد مصير بلدها، أم تبقى أسيرة قوانين ووصايات تحدد لها ما يجوز وما لا يجوز؟
في النهاية، ليست المعركة من أجل المرأة معركة على مقعد في مؤسسة سياسية، وإنما معركة على مفهوم المواطنة ذاته؛ وعلى حق المرأة في أن تكون كاملة الأهلية والحقوق، وشريكا كاملا في بناء المجتمع والدولة وصناعة المستقبل.
ومن هنا، فإن انتقال القيادة النسائية من حالة الاستثناء إلى حالة التكرار يطرح سؤالا أكبر من المنظمة نفسها: هل تستطيع إيران المستقبل أن تجعل المساواة ممارسة يومية، لا مجرد شعار سياسي؟
- ماذا تكشف تجربة مجاهدي خلق عن دور المرأة؟

- تظاهرة كبرى للإيرانيين في نيويورك بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

- مضاعفة أسعار الوقود تفجر غضباً شعبياً: نظام الملالي يبتز جيوب المواطنين تحت غطاء الإصلاح التدريجي

- «بلومبرغ»: غروسي يحذر من تحركات مريبة حول شبكة أنفاق «جبل الفأس» المحصنة في إيران

- نيوزماكس: المقاومة الإيرانية المنظمة تخرج من الظل.. وحراك الشارع يُسقط ثنائية الحرب والمساومة

- الظروف اللاإنسانية في مختلف السجون الإيرانية


