الرئيسيةأخبار إيرانتجارة الحجب بمليارات الدولارات.. كيف تحول قمع الإنترنت إلى منجم أرباح لشبكات...

تجارة الحجب بمليارات الدولارات.. كيف تحول قمع الإنترنت إلى منجم أرباح لشبكات الفساد في طهران؟

0Shares

تجارة الحجب بمليارات الدولارات.. كيف تحول قمع الإنترنت إلى منجم أرباح لشبكات الفساد في طهران؟

كشفت اعترافات غير مسبوقة صادرة عن مسؤولين كبار في حكومة طهران عن نشوء اقتصاد موازٍ وفاحش الثراء تديره مافيات بيع برامج كسر الحجب، حيث يُجبر ملايين المواطنين في إيران على دفع مبالغ طائلة للوصول إلى شبكة الإنترنت والمنصات المحجوبة؛ إذ يتراوح حجم التداول المالي السنوي لسوق كسر الحجب بين سبعة واثني عشر تريليون تومان، دون أن يدخل تومان واحد منها إلى الخزينة العامة. وفي وقت يستخدم فيه نظام الولي الفقيه العتمة الرقمية وسيلة مركزية لإخماد الاحتجاجات والتستر على الانتهاكات، تتحول سياسة الحجب إلى أداة مزدوجة للبطش الأمني والتربح المالي المنظم لصالح شبكات النفوذ المقربة من مراكز القوة.

من دعم مُعلن إلى عبء إضافي.. كيف تحولت البطاقة التموينية إلى أزمة تُرهق التجار والمواطنين؟

كان يُفترض بمشروع البطاقة التموينية الإلكترونية أن يخفف جزءاً من أعباء التضخم الشهري والمعيشي القاسي عن كاهل العائلات الإيرانية، لكنه سرعان ما تحول إلى مأزق معقد ألقى بظلاله الثقيلة على المتاجر والمستهلكين على حد سواء. فالتأخير المتمادي في تسديد مستحقات المتاجر المشاركة، وتوقف العديد منها عن قبول البطاقة، إلى جانب تبادل الاتهامات بين المؤسسات الحكومية، وضع هذا البرنامج في دائرة الفشل، ليتحول الدعم المُعلن إلى عبء إضافي أضر بالقطاع التجاري وتسبب في إرباك المواطنين المشمولين.

أماطت التصريحات الرسمية اللثام عن تحول الرقابة الإلكترونية في إيران من مجرد إجراء أمني إلى سوق تجارية ضخمة تبتلع مدخرات الأسر؛ حيث تشير التقديرات الميدانية إلى أن سوق برامج كسر الحجب المدفوعة يدر يومياً نحو 125 مليار تومان، ليصل العائد الشهري إلى ما يقارب أربعة تريليونات تومان. وتؤكد البيانات أن ما يقارب تسعين في المئة من مستخدمي الشبكة في البلاد يضطرون لشراء أو استخدام هذه البرامج لتجاوز القيود المفروضة على المنصات العالمية الأساسية. هذا الواقع يعني أن المواطنين يدفعون ضريبة مالية قسرية لشركات وجهات غير معلنة لمجرد الحصول على خدمة متاحة مجاناً في سائر دول العالم، في حين تعترف الدوائر الحكومية بعجزها عن تتبع مسار هذه التدفقات المالية أو معرفة الجهات النافذة التي تستقر تلك المليارات في حساباتها.

وتعكس هذه السياسة ازدواجية فاضحة في سلوك المنظومة الحاكمة؛ فبينما يُحرم ملايين المواطنين من حق الوصول إلى التطبيقات العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي، ينشط مسؤولو النظام ومكاتب الولي الفقيه وأجهزته الدعائية بحرية مطلقة على ذات المنصات المحظورة، مثل منصة إكس وإنستغرام وغيرها. هذا التباين الصارخ يكشف عن زيف الادعاءات الأخلاقية والأمنية التي يسوقها النظام لتبرير الحجب، ويؤكد ما حذر منه نواب ومراقبون داخل البلاد حول وجود “مافيا منظمة” تمتلك نفوذاً واسعاً داخل مراكز القرار، وتعمل جاهدة على إبقاء فضاء الإنترنت مغلقاً لضمان استمرار تدفق الأرباح الخيالية إلى جيوب المنتفعين من أدوات الالتفاف على الحجب.

ولا تنفصل الأبعاد الاقتصادية لهذه التجارة عن وظيفتها الأمنية المباشرة؛ إذ لطالما مثلت العتمة الرقمية السلاح الأبرز لنظام طهران في مواجهة الانتفاضات الشعبية. وتلجأ الأجهزة الأمنية عند كل منعطف ثوري إلى قطع خدمات الاتصال أو إضعاف جودة الشبكة، بهدف شل قدرة المتظاهرين على التنسيق الميداني، وعرقلة توثيق الانتهاكات الفظيعة التي يرتكبها حرس النظام الإيراني بحق المحتجين، ومنع وصول الحقيقة إلى الرأي العام العالمي. وتظهر الأرقام أن فترات الانقطاع والاضطراب الرقمي سجلت أرقاماً قياسية تخطت آلاف الساعات خلال موجات الاحتجاج المتلاحقة؛ مما يثبت أن الحصار الرقمي هو ركيزة قمعية استراتيجية يُراد منها خنق صوت الشارع وتسهيل تصفية المعارضين في الظلام.

تتجاوز التداعيات الكارثية للحجب حدود الإنفاق المالي على الاشتراكات الرقمية، لتمتد إلى تدمير مفاصل الاقتصاد الرقمي وشل مئات الآلاف من المشاريع الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال والطلاب والباحثين الذين يعتمدون كلياً على التواصل الدولي. وإلى جانب الخسائر الاقتصادية المباشرة، يؤدي الاعتماد القسري على برامج كسر الحجب مجهولة المصدر إلى مخاطر سيبرانية بالغة تهدد خصوصية المستخدمين وتعرض بياناتهم للاختراق، فضلاً عن تبديد موارد البنية التحتية للاتصالات في معارك تقنية عقيمة تهدف إلى ملاحقة المستخدمين بدلاً من تطوير قطاع التكنولوجيا وتوفير خدمات حديثة وآمنة للمجتمع.

مليون عامل يغادرون سوق العمل.. البطالة الحقيقية في إيران خمسة أضعاف الرقم الرسمي

كشفت وكالة «إيلنا» التابعة لمؤسسة «بيت العمال» الحكومية عن خروج نحو مليون عامل من سوق العمل الرسمي في إيران، فيما أكد عضو بارز في غرفة التجارة أن معدل البطالة الحقيقي يبلغ نحو خمسة أضعاف الرقم الرسمي المعلن. وأشارت الوكالة إلى أن الإحصاءات الرسمية لسوق العمل لا تعكس حقيقة ما أصاب الاقتصاد الإيراني، معتبرة أن هناك حاجة إلى مؤشرات جديدة تكشف الحجم الفعلي للأزمة، مضيفة أن خروج نحو مليون شخص من المشمولين بتأمين الضمان الاجتماعي خلال عام واحد يشكل مؤشراً مهماً على تدهور سوق العمل، وأن حتى الوظائف الجديدة لا تتمتع بالجودة والاستقرار اللذين كانت تتمتع بهما الوظائف السابقة.

تثبت هذه الحقائق أن ملف الإنترنت في إيران لم يعد مجرد مسألة تنظيمية أو تقنية، بل تحول إلى شبكة معقدة تجمع بين القمع السياسي، والنهب المالي، واحتكار النفوذ. إن إجبار الشعب الإيراني على دفع ثمن القيود المفروضة على حريته يعكس استنزافاً منظماً يضاف إلى أزمات الغلاء والتضخم الشهري المتصاعد، مؤكداً أن الاستبداد في طهران يوظف كافة مقدرات الدولة لخدمة بقائه، ومحاصرة تطلعات الجيل الجديد في التحرر والانفتاح على العالم الخارجي.

تكشف فضيحة اقتصاد كسر الحجب في إيران أن سياسات التعتيم الرقمي تحولت إلى منجم أرباح هائل تديره شبكات الفساد التابعة لنظام الولي الفقيه بالتوازي مع استخدامها كأداة بطش أمني لخنق الانتفاضات؛ إن ازدواجية النظام في استباحة الفضاء الرقمي لمسؤوليه وحرمانه عن الشعب، ونهب مليارات التومانات من جيوب المواطنين، يمثلان دليلاً قاطعاً على إفلاس المنظومة الحاكمة أخلاقياً وسياسياً، مما يزيد من غليان الشارع وإصراره على كسر كافة أشكال الحصار والاستبداد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة