الرئيسيةأخبار إيراناقتصادُ البقاء في إيران: كيف أجبرَ الفقرُ المواطنين على بيعِ زجاجاتِ العطرِ...

اقتصادُ البقاء في إيران: كيف أجبرَ الفقرُ المواطنين على بيعِ زجاجاتِ العطرِ الفارغة وسنداتِ المالكية؟

1Shares

اقتصادُ البقاء في إيران: كيف أجبرَ الفقرُ المواطنين على بيعِ زجاجاتِ العطرِ الفارغة وسنداتِ المالكية؟

لم تعد أزمة الفقر في إيران مجرد أرقام صماء تُصدرها مراكز الإحصاء الرسمية، بل أصبحت واقعاً ملموساً يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية للشارع الإيراني. وفي الوقت الذي تصر فيه الأجهزة التابعة لـ نظام الولي الفقيه على أن الضائقة المعيشية هي مجرد عارض مؤقت، تكشف المنصات والمواقع الإلكترونية للمبيعات عن حقيقة اقتصاد جديد يُعرف بـ اقتصاد البقاء. وفي تحول لافت، اضطرت حتى وسائل إعلام حكومية مثل موقع اقتصاد نيوز إلى الاعتراف بهذه الظاهرة، موثقةً انتشار إعلانات غريبة تعكس حالة البؤس والانهيار الاجتماعي، من تأجير الحواسيب المحمولة البسيطة وبيع زجاجات العطر الفارغة والشعر الطبيعي، وصولاً إلى تأجير سندات الملكية وقسائم الرواتب.

تقرير معيشي: قفزة قياسية في أسعار الخبز بإيران تعمق أزمة الغذاء لشرائح واسعة من المواطنين

سلط التقرير الضوء على الارتفاع المفاجئ والقياسي في أسعار الخبز بإيران بنسبة تصل إلى 100% رسمياً في كافة أنحاء البلاد. وأشارت البيانات الموثقة إلى إدراج التعرفة الجديدة في نظام المخابز الوطني في يونيو 2026، وسط انتقادات حادة لتوجه السلطات الحاكمة نحو استنزاف الموارد والمليارات في تمويل أجهزة القمع والنزاعات الإقليمية على حساب قوت الفقراء واحتياجاتهم اليومية الأساسية.

أزمة معيشية | أسعار الخبز | يونيو 2026

تحولت منصات الإعلانات المبوبة، التي كانت تُستخدم سابقاً لبيع السيارات والأثاث والهواتف الحديثة، إلى مرآة تعكس محاولات الملايين لتأمين السيولة النقدية اليومية بأي ثمن. ومن أبرز مظاهر هذا التردي انتشار إعلانات تطلب تأجير أجهزة الحاسوب المحمولة (اللاب توب) لفترات قصيرة؛ ليس لإنجاز مشاريع ضخمة أو أعمال تقنية متقدمة، بل لتأدية مهام مكتبية بسيطة ككتابة النصوص على برنامج وورد، أو إعداد جداول إكسل، أو متابعة الدروس الجامعية وتقديم طلبات التوظيف. إن عجز شريحة واسعة من الشباب والطلاب في طهران وباقي المدن عن امتلاك أداة رقمية أساسية للتعليم والعمل يكشف عن عمق الفجوة المعيشية التي تسببت فيها سياسات الإفقار الممنهج.

ولم يقتصر الأمر على الأدوات التقنية، بل امتد ليشمل تدوير كل ما يمتلكه الإنسان حتى استنزاف قيمته بالكامل. فبعد أن كان سوق الملابس المستعملة يقتصر على قطع معينة، أصبحت الإعلانات تعرض مجموعات كاملة من الأحذية المتهالكة والحقائب والأدوات المنزلية القديمة في حزمة واحدة لضمان بيعها بسرعة وتوفير القليل من المال لتدبير قوت اليوم. بل إن الأمور تجاوزت ذلك لتصل إلى بيع زجاجات العطور الفاخرة الفارغة للاستفادة من بقايا القيمة التجميلية أو الرمزية للمنتج، فضلاً عن تصاعد إعلانات بيع الشعر الطبيعي من قبل النساء لتأمين مبالغ إسعافية تضمن استمرار عائلاتهن، مما يعني أن جسد الإنسان ومقتنياته الشخصية البسيطة تحولا إلى رأس مال أخير لمواجهة التضخم الشهري والسنوي الجامح.

غير أن الظاهرة الأكثر خطورة في هذا السوق تكمن في خروج التجارة من نطاق الممتلكات الشخصية إلى التجارة بالمصداقية المؤسسية؛ حيث امتلأت المنصات بإعلانات تعرض تأجير سندات الملكية العقارية وقسائم الرواتب الوظيفية الرسمية. ويُطلب هذا النوع من الخدمات لاستخدامه كضمانات مالية أو كفالات قضائية لإطلاق سراح المعتقلين والموقوفين في السجون. إن تحول الوثائق الرسمية وسندات العقار إلى سلع يُتاجر بها في السوق السوداء يفضح مدى التقاطع المؤلم بين الضائقة الاقتصادية والهشاشة القانونية، حيث تجد العائلات نفسها مضطرة للمخاطرة بكل ما تملك لتفادي السجن أو لتأمين كفالة أقاربها.

تحليل اقتصادي: التضخم في إيران وحدود ما يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدة

يناقش التقرير الجذور البنيوية للأزمة الاقتصادية والتضخم المفرط في إيران، معتبراً أن النظام السياسي الديكتاتوري ينتج حتماً اقتصاداً مشوهاً ومريضاً. ويشير التحليل إلى أن توجيه موارد البلاد لخدمة بقاء السلطة الحاكمة وتفكيك المؤسسات المستقلة على مدى خمسة عقود جعلا من شبه المستحيل بناء اقتصاد تنموي شفاف، مؤكداً أن الأزمة أعمق من مجرد عقوبات أو قرارات عابرة بل ترتبط بشكل مباشر بهيكل الحكم التوتاليتاري.

التضخم البنيوي | الأزمة الاقتصادية | يونيو 2026

تُثبت هذه الإعلانات، التي تملأ الفضاء الرقمي في إيران، أن المجتمع وصل إلى مرحلة إعادة تعريف مفهوم الأصول لمواجهة الانهيار المعيشي. إن ما يحدث ليس سلوكاً استهلاكياً مدروساً، بل هو رد فعل اضطراري لسوء الإدارة الحاد والفساد المستشري تحت مظلة نظام الولي الفقيه. لقد أفرغت السياسات الحكومية جيوب المواطنين وأيقنتهم أن البقاء لم يعد يعتمد على زيادة الدخل، بل على التنازل التدريجي عن الممتلكات والوثائق والشعر وحتى زجاجات العطور الفارغة. إن لغة السوق هذه تقول الحقيقة الصريحة التي تحاول الإحصاءات الرسمية إخفاءها: إيران تعيش أزمة وجودية خانقة تحرم شعبها من أدنى مقومات الحياة الكريمة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة