اعترافاتٌ رسمية بإنهاك 60% من الإيرانيين: انكماشُ النمو وهبوطُ الدخل الفردي إلى النصف
كشفت تحذيرات استثنائية صاردة عن أبرز خبراء الاقتصاد والمسؤولين داخل نظام الملالي—في مقدمتهم الخبير الحكومي مسعود نيلي وحاكم البنك المركزي عبد الناصر همتي—عن دخول الاقتصاد الإيراني محطة ما قبل التضخم الجامح، وسط انكماش للنمو غير النفطي، وهبوط القدرة الشرائية للمواطنين إلى النصف، واعترافات رسمية بعدم قدرة 60% من المجتمع على تحمل المزيد من الضغوط المعيشية.
لم تعد التقييمات الأشد إفصاحاً وخطورة بشأن الأزمة الاقتصادية الخانقة في إيران تصدر عن المحللين المستقلين أو المؤسسات الدولية فحسب؛ بل باتت تتردد بشكل متزايد وصريح على ألسنة المسؤولين وخبراء الاقتصاد داخل هرم السلطة نفسه. وترسم هذه التحذيرات صورة قاتمة لاقتصاد تجاوز مرحلة التضخم المزمن ليدخل مرحلة بالغة الخطورة، قد تتوج بفوضى مالية وتضخم جامح (Hyperinflation) يهدد بانهيار المنظومة برمتها.
تحليل اقتصادي: التضخم في إيران وحدود ما يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدة
يناقش التقرير الجذور البنيوية للأزمة الاقتصادية والتضخم المفرط في إيران، معتبراً أن النظام السياسي الديكتاتوري ينتج حتماً اقتصاداً مشوهاً ومريضاً. ويشير التحليل إلى أن توجيه موارد البلاد لخدمة بقاء السلطة الحاكمة وتفكيك المؤسسات المستقلة على مدى خمسة عقود جعلا من شبه المستحيل بناء اقتصاد تنموي شفاف، مؤكداً أن الأزمة أعمق من مجرد عقوبات أو قرارات عابرة بل ترتبط بشكل مباشر بهيكل الحكم التوتاليتاري.
من التضخم المزمن إلى عتبة التضخم الجامح
أطلق الخبير الاقتصادي البارز والمقرب من أروقة صنع القرار، مسعود نيلي، أحدث جرس إنذار خلال مشاركته في مؤتمر آفاق الاقتصاد الإيراني لعام 2026 المنعقد في 20 يوليو/تموز؛ حيث جزم بأن اقتصاد البلاد قد وصل إلى ما وصفه بـ «المحطة الأخيرة قبل التضخم الجامح». ويعد تصريح نيلي أحد أوضح الاعترافات الصادرة من الداخل بأن السياسات المعتمدة قد دفعت البلاد نحو هاوية مالية غير مسبوقة.
وأوضح نيلي أن الاقتصاد الإيراني عبر العتبة الفاصلة بين التضخم المزمن وخطر الدخول في حقبة التضخم المفرط؛ فبينما شهدت إيران تضخماً مزنماً ثنائي الرقم منذ عام 1973 وحتى 2018، دخلت البلاد منذ ذلك الحين مرحلة نوعية جديدة تتميز بتضخم مرتفع بشكل استثنائي ومستمر يهدد الاستقرار المالي والاجتماعي.
شلل النمو الاقتصادي وانكماش القطاعات الإنتاجية
حدد نيلي انهيار معدلات النمو الاقتصادي كأول مؤشر بنيوي للأزمة؛ مشيراً إلى أنه—على عكس السنوات التي تلت الحرب الإيرانية العراقية—شهد النمو الاقتصادي حالة شلل وركود تام منذ عام 2007. ومع تصاعد التضخم واستمرار البطالة، يواجه النظام اليوم تدهوراً كاملاً في الركائز الثلاث للاستقرار الاقتصادي الكلي.
وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني صحة هذه التحذيرات؛ حيث لم يتجاوز النمو الاقتصادي لعام 2025 نسبة 0.2% فقط عند احتساب العائدات النفطية، بينما سجل النمو غير النفطي انكماشاً بالسالب بنسبة (0.3%-). وتعكس هذه الأرقام ركوداً عميقاً يضرب القطاعات الإنتاجية؛ مما يحذر من دخول التضخم أرقاماً ثلاثية الخانات، متبوعاً بانهيار كامل للعملة الوطنية.
حاكم البنك المركزي يؤكد أرقام الانهيار
لم تتأخر المؤسسات الرسمية في تأكيد هذه الرؤية القاتمة؛ حيث جاءت تصريحات حاكم البنك المركزي في نظام الملالي، عبد الناصر همتي، لتصادق رسمياً على عمق الأزمة. وأقر همتي بأن الاقتصاد يخضع لضغوط حادة في كافة القطاعات الرئيسية: التجارة الخارجية، الإنتاج، الاستثمار، المالية العامة، والمنظومة المصرفية.
وكشف همتي عن تراجع صادرات النفط بفعل العقوبات والقيود المتزايدة، معلناً أن تكوين رأس المال الثابت الإجمالي ظل بالسالب خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2025، ليصل إلى سالب 13% في الربع الثالث.
انهيار القدرة الشرائية للمواطنين :
تطرق حاكم البنك المركزي إلى الاعتراف الأشد إيلاماً والمتمثل في التآكل الكارثي لمستوى معيشة المواطنين؛ حيث هبط متوسط الدخل الفردي الحقيقي (بأسعار عام 2021 الثابتة) من نحو 141 مليون تومان في عام 2011 إلى 75 مليون تومان فقط في عام 2024. وبالمعيار العملي، تراجعت القدرة الشرائية للمواطن الإيراني إلى النصف خلال 13 عاماً فقط، عائدة بالبلاد إلى مستويات المعيشة التي كانت سائدة في تسعينيات القرن الماضي.
تقرير معيشي: قفزة قياسية في أسعار الخبز بإيران تعمق أزمة الغذاء لشرائح واسعة من المواطنين
سلط التقرير الضوء على الارتفاع المفاجئ والقياسي في أسعار الخبز بإيران بنسبة تصل إلى 100% رسمياً في كافة أنحاء البلاد. وأشارت البيانات الموثقة إلى إدراج التعرفة الجديدة في نظام المخابز الوطني في يونيو 2026، وسط انتقادات حادة لتوجه السلطات الحاكمة نحو استنزاف الموارد والمليارات في تمويل أجهزة القمع والنزاعات الإقليمية على حساب قوت الفقراء واحتياجاتهم اليومية الأساسية.
الشارع الإيراني يبلغ حدود الطاقة القصوى
يُترجم هذا الانهيار المالي المباشر إلى احتقان وضائقة اجتماعية متفجرة. فقبل شهر واحد فقط، أقر محمد بطحائي، رئيس منظمة الشؤون الاجتماعية في النظام، بأن نحو 60% من الإيرانيين لم يعودوا قادرين على تحمل أي ضغوط اقتصادية إضافية. ويعكس هذا الاعتراف الفجوة السحيقة بين الخطاب الحكومي والواقع اليومي لملايين العائلات التي تصارع ارتفاع أسعار الغذاء والسكن.
وبرغم هذه الاعترافات الصادمة، يواصل كبار مسؤولي النظام مطالبة المواطنين بتحمل المزيد من التضحيات؛ حيث صرح رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، مؤخراً بأن: الصمود بوجه العدو له أثمان، ويجب علينا قبول هذه الأثمان؛ ملقياً بتبعات الفشل السياسي والاقتصادي على كاهل المواطنين.
إن أهمية تحذيرات الخبراء المقربين من السلطة لا تكمن فقط في توقعاتهم بتفجر التضخم الجامح، بل في كونها اعترافاً علنياً ورسمياً بنهاية هامش المناورة وتآكل الثروة الوطنية.
وبعد سنوات من محاولة إرجاع الأزمات إلى ضغوط خارجية طارئة، يواجه نظام الولي الفقيه الحقيقة العارية: اقتصاد يعاني من فشل هيكلي، وفساد ممنهج، وسوء إدارة متراكم؛ مما يحول الضائقة المالية إلى أزمة حكم وجودية غير قابلة للتغطية أو التجميل.
- اعترافاتٌ رسمية بإنهاك 60% من الإيرانيين: انكماشُ النمو وهبوطُ الدخل الفردي إلى النصف

- مافيا فساد تُجهز على قطاع طبي: النظامُ الإيراني يمتص دماء الممرضين لتمويل آلة الحرب
- مأزقُ هيكلي لنظام الملالي: انسدادُ مسارات البقاء وحتميةُ البديل الديمقراطي المنظّم
- لغةُ أرقام صادمة: لماذا لا تملك طهران فرصةً للإصلاح الاقتصادي دون تغيير سياسي شامل؟
- مستقبلُ متقاعدين في مهب الريح: كواليسُ فساد هيكلي داخل منظمة ضمان اجتماعي إيرانية
- ميزانياتُ قمع وحروب تعبر فوق جثث مرضى: مأساةُ ذوي الإعاقة تحت حكم الولي الفقيه
