محرقةُ الأزمات وخيارُ التوريث: كيف يستند بقاءُ مجتبى خامنئي على قرع طبول الحرب؟
لم يكد دخان الجنائز ومسرحيات التشييع في مدينة مشهد يتبدد، حتى وجدت منطقة الشرق الأوسط نفسها مجدداً على حافة الهاوية. ففي أعقاب موت الولي الفقيه السابق علي خامنئي، تملك بعض صناع القرار في الغرب وهم مريح لكنه معيب للغاية؛ وهو الاعتقاد بأن الطبيعة الجوهرية للديكتاتورية الدينية قد تغيرت، مستندين في ذلك إلى تصور واهم بأن المجلس الأعلى للأمن القومي وحرس النظام يقودان مرحلة انتقال برغماتي وهادئ.
ولكن في 12 يوليو/تموز، تبدد هذا الوهم بالكامل عندما أقدم حرس النظام على إطلاق النار على السفن التجارية في مضيق هرمز واستهداف القواعد الأمريكية في خمس دول في المنطقة. وأثبتت هذه التحركات حقيقة صارخة: إن النظام لم يتغير، وأن ذات عقيدة البقاء الانتحارية واليائسة التي وجهت الأب طوال عقود، هي اليوم التي تملي وتصيغ تحركات وريثه وخليفته، الولي الفقيه الجديد مجتبى خامنئي.
كيف تُفكك تصدعات ما بعد الحرب هيكل النظام الإيراني؟
سارعت طهران إلى ادعاء النصر بعد الحرب بناءً على مغالطة بقاء النظام، غير أن هذا الصمود المزعوم جاء بكلفة تدميرية باهظة تركت بنية السلطة ممزقة بشكل حرج، لا سيما بعد مقتل الولي الفقيه علي خامنئي وتصفية كبار المسؤولين وقادة حرس النظام. وتحول التناحر الفصائلي الداخلي اليوم من صراع تقليدي على النفوذ والحصص إلى معركة وجودية محتدمة حول بقاء النظام نفسه والنهج القادر على حفظ كيان الدولة.
عهد الدم لا البرغماتية
عوضاً عن الانفتاح الدبلوماسي، آثر الولي الفقيه الجديد مضاعفة لغة الانتقام العنيف؛ ففي رسالة حادة أطلقها خلال مسرحية دفن والده، أعلن مجتبى خامنئي نواياه بوضوح مرعب قائلاً: نعاهدك على الانتقام لدمك الطاهر ودماء كافة شهداء هاتين الحربين من القتلة المجرمين الأذلاء. ولم يترك مجتبى أي مجال للتفسيرات الواهية للمحللين الغربيين الباحثين عن إصلاحيين معتدلين، حيث وجه تهديداً مباشراً لخصومه مؤكداً أن قتلة الولي الفقيد… سيحملون معهم حلم الموت الهادئ في فراشهم إلى القبر، معلناً أن هذا الثأر هو المطلب الراسخ لأمتنا.
وتتطابق هذه اللغة الحربية العلنية تماماً مع مناوراته السياسية الداخلية؛ فعندما تجرأ نائب الرئيس قائم بناه على التشكيك علناً في السلطة المطلقة لـ الولي الفقيه، قوبل بغضب عارم من غلاة المحافظين. كما كشفت رسالة سرية مسربة عن رفض مجتبى الصارم لمسودة التفاهم (MoU) المقترحة مع الولايات المتحدة، حيث صرح بعبارته الحاسمة: إنني، من حيث المبدأ، كان لدي رأي آخر؛ ليثبت بالدليل القاطع أن الهوية المتطرفة للنظام والحكم الديني المطلق هما أمران غير قابلين للتفاوض على الإطلاق.
لماذا يعتبر السلام أكثر خطورة على النظام من الحرب؟
بالنسبة لمراقب عقلاني، قد يبدو افتعال نزاع عسكري خارجي خلال مرحلة انتقال السلطة الحساسة بمثابة خطوة انتحارية؛ فالقمار بالحروب مكلف للغاية، واقتصاد إيران يئن بالفعل تحت وطأة الأنقاض. ومع ذلك، فإن كلفة السلام—أو حتى وقف حقيقي لإطلاق النار—هي بالنسبة لـنظام الملالي أعلى بكثير من كلفة الحرب.
فبدون أوكسجين الحروب، وصناعة عدو خارجي دائم، وفرض حالة الطوارئ المستمرة، تتلاشى قدرة النظام على ضبط الجبهة الداخلية وقمع الشارع؛ إذ يفسح السلام المجال للمطالب الشعبية والاجتماعية المتفجرة والناقمة للطفو على السطح. وبالإضافة إلى ذلك، تبرز المخاطر التالية:
- تفجر صراعات القوة الداخلية: في غياب غطاء الحرب لفرض الولاء المطلق والتماسك الإجباري، ستخرج المعارضة الشرسة والرفض العارم للولي الفقيه الجديد مجتبى خامنئي عبر كافة مستويات مفاصل القرار إلى العلن. والواقع يؤكد أنه لولا غطاء الحرب وتصدير الأزمات، لما تمكن مجتبى—المتآكل والمعزول سياسياً وغير المقبول شعبياً—من شق طريقه لتسلم عرش الخلافة.
- تمدد المقاومة المنظمة: يوفر مناخ السلم مساحة حيوية لـ وحدات المقاومة والشعب الإيراني لتسريع وتيرة عملياتها الميدانية، مستغلة الغضب الجماهيري لتفكيك أركان السلطة من الداخل.
انفجار خلافات بعد سيرك جنازة: انهيار مسودة تفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية
بمجرد انتهاء مراسم تشييع جثمان الولي الفقيه السابق علي خامنئي، انفتحت مجدداً الجروح الغائرة للأزمات الداخلية وصراعات الأجنحة المتناحرة في عمق النظام حول مصير مسودة التفاهم المعلقة. ويشن تيار متشدد داخل برلمان السلطة هجوماً عنيفاً على رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث طالب الملا حميد رسائي رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بالإنهاء الرسمي والشامل للمسار الدبلوماسي، مما يدفع النظام نحو انسداد سياسي وخيارات انتحارية.
ولاستباق هذه الأخطار والتحوط منها، يعتمد النظام على منطق الحرب لتبرير حملات الإرهاب الداخلي، وتنفيذ موجات إعدام السجناء السياسيين، واعتقال الآلاف تحت مظلة الحفاظ على الأمن القومي. كما يسعى النظام لإقامة جدار مادي يمنع التمرد عبر تنظيم مسيرات استعراضية قسرية وممنهجة كل ليلة للسيطرة على الشوارع والحيلولة دون تفجر احتجاجات عفوية.
سراب التنازلات الدولية:
يفسر هذا الضعف الهيكلي والهشاشة البالغة عجز طهران التام عن استغلال التنازلات الضخمة التي قدمتها واشنطن في مسودة التفاهم؛ فرغم استعداد الإدارة الأمريكية لتقديم حبل إنقاذ مالي ودبلوماسي، افتقر النظام إلى الإرادة والقدرة على الانخراط في اللعبة؛ كونه أضعف وأوهن من أن يتحمل تبعات هذا الانفتاح. وبخلاف المحللين في مراكز الأبحاث الغربية، يدرك الملالي عمق هشاشتهم؛ ويعلمون يقيناً أن الانفتاح الاقتصادي، والاندماج الإقليمي، وتطبيع العلاقات الدولية لن يجلب لهم الاستقرار؛ بل إن أي انتعاش اقتصادي سيمكن ويقوي مجتمعاً ثائراً أمضى عقوداً وهو يطالب بإسقاطهم.
المسار الواقعي الوحيد للمستقبل
على مدار 47 عاماً، حاولت المجموعة الدولية شراء الاستقرار عبر سياسات الاسترضاء الفاشلة، لتنتهي بتمويل الأزمات المستمرة التي نراها اليوم. لا يمكن رشوة هذا النظام لشراء السلام؛ لأن السلام هو بمثابة حكم الإعدام عليه.
ويتعين على المجتمع الدولي التخلي الفوري عن صيغه الدبلوماسية العقيمة، والاعتراف بالمحرك الحقيقي للتغيير: الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. إن فرض عزل اقتصادي وسياسي شامل ومطلق على النظام هو السبيل الوحيد لدعم البديل الوطني والديمقراطي الذي دفع الإيرانيون ثمنه دماءً وأرواحاً غالية.
- محرقةُ الأزمات وخيارُ التوريث: كيف يستند بقاءُ مجتبى خامنئي على قرع طبول الحرب؟

- إيران.. الذئاب الحاكمة تمزق بعضها البعض!

- إيران ما بعد حرب واسترضاء: فشلُ استراتيجي لمقاربات خارجية وحتميةُ بديل ديمقراطي داخلي

- وهمُ عدو خارجي: كيف تعيد إرادة داخلية رسم مستقبل إيران؟

- قواسمُ مشتركة بين نظام الملالي ونظام الشاه

- مستقبلُ إيران بعد غياب خامنئي: هل تملك منظومة مأزومة قدرة على استجابة لمطالب الشارع؟


