ميزانياتُ قمع وحروب تعبر فوق جثث مرضى: مأساةُ ذوي الإعاقة تحت حكم الولي الفقيه
يكشف التدهور المتسارع للأزمة الاقتصادية في إيران عن وجه جديد بالغة القسوة؛ حيث طالت تداعياته الفئات الأكثر هشاشة وضعفاً في المجتمع الإيراني. ووفقاً لتقرير نشرته وكالة الأنباء العمالية الإيرانية (إيلنا – ILNA)، أقدم نظام الملالي على تعليق مخصصات دعم سبل العيش للعديد من الأشخاص ذوي الإعاقة منذ شهر يونيو/حزيران 2026، متذرعاً بوجود عجز مالي حاد وفقدان للتمويل اللازم داخل منظمة الرعاية الاجتماعية الحكومية (بهزيستي).
ولم يقتصر الأمر على قطع الرواتب الأساسية، بل امتد ليشمل تأخيراً طويلاً وممنهجاً في صرف مخصصات الرعاية التمريضية والدعم الموجه لشراء المستلزمات الصحية الأساسية؛ مما ترك آلاف العائلات تواجه بمفردها خطر الفقر المدقع في ظل تضخم مستعر وارتفاع فلكي في تكاليف الرعاية الطبية.
أزمة المياه في مشهد: جفاف السدود يكشف عمق الفساد الإداري والتدمير البيئي
تواجه مدينة مشهد كارثة مائية غير مسبوقة إثر نضوب الاحتياطيات خلف سدودها الرئيسية بالكامل وخروجها عن الخدمة. وبدلاً من إيجاد حلول هيكلية، تواصل الأجهزة الحكومية استنزاف المياه الجوفية ملقيةً بالمسؤولية على المواطنين، مما يوضح الفشل الإداري وتأثير مشاريع حرس النظام التدميرية على البنية التحتية والاقتصاد المحلي.
العجز المالي الحكومي وإهمال المحافظات المنسية
عزت التقارير العمالية تفاقم هذا المأزق الإنساني إلى الإهمال المزمن والمتراكم الذي يمارسه النظام بحق المسجلين في منظمة الرعاية الاجتماعية، وبخاصة ذوي الاحتياجات الخاصة. وتكشف المعطيات الميدانية أن هذا التدهور هو النتيجة الحتمية لغياب التخطيط الحكومي، وانعدام تكافؤ الفرص الاجتماعية والاقتصادية.
وتتضاعف قسوة المعاناة كلما ابتعدنا عن العاصمة طهران باتجاه المحافظات الطرفية والمناطق المهمشة؛ حيث يغيب الحد الأدنى من الخدمات والمرافق الطبية المجهزة، مما يحول حياة الآلاف من ذوي الإعاقة—الذين تشكل هذه المساعدات الحكومية الشحيحة مصدر دخلهم الوحيد—إلى كفاح يومي مرير من أجل البقاء.
شهادات من قلب الكارثة: الموت البطيء في بيوت الفقراء
تعكس القصص الواردة من الداخل الإيراني مأساوية الوضع الإنساني في ظل انسداد سبل العيش والتخلي الحكومي الكامل عن الرعاية:
- حالة حسين (44 عاماً): يعاني من إعاقة حركية شديدة وقرح فراش حادة؛ ورغم تصنيفه رسمياً من قِبل منظمة الرعاية كحالة عجز كامل، إلا أنه تفاجأ بقطع راتبه المعيشي الشهر الماضي دون سابق إنذار. والأنكى من ذلك، رفضت المنظمة الحكومية تغطية نفقات عمليته الجراحية بذريعة أنها أُجريت في العام الإيراني الماضي. ومع انهيار الوضع الاقتصادي العام، تراجعت قدرة الجمعيات الخيرية والمساعدات الأهلية التي كانت تسند حسين جزئياً بسبب شح التبرعات.
- شهادة راحلة (45 عاماً): تعيش بإصابة في النخاع الشوكي وتتلقى من منظمة الرعاية مبلغاً هزيلاً يعادل 1.5 مليون تومان شهرياً مخصصاً لشراء المستلزمات الطبية المعقمة. وتؤكد راحلة أن هذا المبلغ لا يكفي لتغطية كلفة القساطر الطبية والضمادات إلا لمدة أسبوع واحد فقط؛ في حين تقف عاجزة عن تأمين المستلزمات للأسابيع الثلاثة المتبقية من الشهر لعدم وجود أي فرصة عمل أو دخل بديل لها.
مخصصات تمريض تعادل العدم:
تصف راحلة مخصصات التمريض الشهرية البالغة 4.2 مليون تومان بأنها أصبحت تعادل ‘العدم’ مقارنة بالواقع المعيشي؛ حيث تلتهم كلفة زيارات الأطباء، الفحوصات التشخيصية، الأدوية، ونفقات النقل والمواصلات كامل الدخل قبل منتصف الشهر، مما يجبر المرضى على التعايش مع الآلام دون دواء.
ارتفاع فلكي في أسعار المستلزمات الطبية الحيوية
تتزامن هذه التخفيضات الحكومية مع قفزات جنونية في أسعار الأدوية وخدمات إعادة التأهيل والمستلزمات الصحية اليومية. وتشير التقارير إلى أن أسعار المواد الحيوية—مثل الشاش المعقم، والضمادات الخاصة بقرح الفراش، والقساطر، وأكياس جمع البول، والسرنجات—قد تضاعفت بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات خلال الأشهر الأخيرة.
ولا تمثل هذه الأدوات كماليات يمكن الاستغناء عنها، بل هي مستلزمات طبية يومية ضرورية لمنع حدوث مضاعفات والتهابات حادة قد تؤدي إلى تسمم الدم وفقدان الحياة لقرابة 45 ألف مواطن إيراني يعانون من إصابات النخاع الشوكي.
تفاقم أزمة المياه في إيران: سياسات فاشلة تهدد الأمن الغذائي والاقتصادي للملايين
تتجاوز أزمة المياه في إيران النطاق البيئي لتتحول إلى مأزق اقتصادي واجتماعي يهدد الأمن الغذائي ومستقبل العيش في المراكز الحضرية الكبرى. ومع تراجع مخزونات السدود بشكل حاد، تتهرب السلطات من أي إصلاح هيكلي حقيقي وتطالب المواطنين بالتضحية، مكرسةً عقوداً من سوء الإدارة وتدمير الموارد الحيوية للبلاد.
سوء الإدارة الممنهج وتزييف الأولويات
حتى داخل أروقة منظمة الرعاية الاجتماعية نفسها، يعترف المسؤولون بعجز المخصصات الحالية عن مواكبة الواقع؛ حيث أعلن نائب الخدمات التأهيلية بالمنظمة عن تقديم طلب لزيادة بدلات التمريض بنسبة تتراوح بين 80 إلى 90% مقارنة بالعام الماضي، إلا أن تنفيذ هذه الزيادة يظل معلقاً بانتظار موافقة الحكومة المترددة.
إن هذا الشلل الإداري يوضح بجلاء اتساع الفجوة بين الكلفة المعيشية الحقيقية وبين الدعم الشحيح الذي يقدمه النظام؛ وهو دليل إضافي على طبيعة أولويات السلطة تحت حكم الولي الفقيه. ففي بلد يمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز وثالث أكبر احتياطي للنفط في العالم، يُحرم ذوو الإعاقة من رغيف الخبز والضمادة المعقمة، بينما تُوجه الموازنات الضخمة ومقدرات البلاد لتمويل ترسانة الصواريخ، والمؤسسات الأمنية والقمعية، والمغامرات الإقليمية المنهكة.
- مستقبلُ متقاعدين في مهب الريح: كواليسُ فساد هيكلي داخل منظمة ضمان اجتماعي إيرانية

- ميزانياتُ قمع وحروب تعبر فوق جثث مرضى: مأساةُ ذوي الإعاقة تحت حكم الولي الفقيه

- ارتفاع أسعار الخبز يدفع أزمة تكلفة المعيشة في إيران إلى نقطة الانفجار

- الإفلاسُ المائي في إيران: كيف حوّل سوء الإدارة الحكومية الجفاف إلى كارثة بيئية؟

- مناجم إيران.. مقابر للعمال وثروات ينهبها الحرس

- الصين تخفض وارداتها من نفط النظام الإيراني إلى أدنى مستوى خلال 17 شهراً


