ملا مقرب من النظام الإيراني يحذر من تآكل سلطة الولي الفقيه وتفكك الحكم من الداخل
كشفت تحذيرات غير مسبوقة أطلقها ملا بارز من داخل منظومة الحكم في طهران عن عمق الأزمة البنيوية وتصاعد الهواجس الوجودية داخل نظام الولي الفقيه؛ حيث لم تعد التهديدات مقتصرة على الغليان الشعبي الممتد في الشوارع، بل باتت تنبع من تفكك داخلي صامت وفراغ قيادي يهدد بتجريد الولي الفقيه من سلطاته المطلقة. وفي ظل الصراع المحتدم بين الأجنحة، تبرز مخاوف حقيقية لدى أوساط السلطة من تحول الخلافات إلى مسار تدريجي يقوض الركيزة الأساسية التي أُقيمت عليها بنية الحكم برمتها.
في مقابلة كاشفة مع الملا مهدي أبو طالبي، عضو الهيئة التدريسية في مؤسسة خميني، برزت مخاوف عميقة تسود أروقة النظام في طهران، لا تتعلق بالنزاعات الفئوية المعتادة أو الخلافات البيروقراطية، بل تمس جوهر الهيكل السياسي؛ وهو التآكل التدريجي لمبدأ الولي الفقيه. وقد أطلق أبو طالبي تحذيراً صريحاً من وجود تيارات داخل أركان السلطة تستغل غياب الولي الفقيه عن الساحة المباشرة للدفع نحو تقليص نفوذه وإرساء توجهات تتجاوز هذه المنظومة الاستبدادية.
إيران: تصدّع النواة الصلبة للسلطة وصراع أجنحة ولاية الفقيه
دخل نظام ولاية الفقيه في المرحلة الراهنة طورًا من أزمته السياسية يمكن وصفه، في أدبيات العلوم السياسية، بـ «الانسداد الاستراتيجي» أو «أزمة البقاء». فهذا النظام، الذي تأسس على مبدأ احتكار السلطة المطلقة وإدارة الدولة من أعلى إلى أسفل وإخضاع أجهزة القمع لقرار مركزي واحد، بات اليوم عاجزًا عن احتواء أزمته المزدوجة، المتمثلة في مجتمع يقف على شفا انتفاضة واسعة، وفي الوقت نفسه أزمة الخلافة التي تتفاقم في قمة هرم السلطة.
وأوضح الملا المقرب من دوائر القرار أن الخطوات الأولى لهذا المسار التفكيكي لا تبدأ بالإلغاء العلني للمنصب، بل بتفريغ سلطة الولي الفقيه تدريجياً من مضمونها؛ بحيث يبقى الرمز شكلياً في الواجهة بينما تنتقل سلطة اتخاذ القرارات والسياسات العامة إلى مؤسسات وأجهزة أخرى تفرض رؤيتها عملياً. وتكمن خطورة هذا التحول في أنه يستهدف الآلية المركزية التي أُسس عليها النظام، والقائمة على حصر السلطة المطلقة بيد رأس الهرم، مما يعني تحويل هذا الموقع الديكتاتوري إلى مجرد منصب فخري مسلوب الإرادة.
ويعزو الموالون للنظام تنامي هذه التحركات إلى الفراغ القيادي الناجم عن غياب الولي الفقيه عن التدخل اللحظي والمباشر في إدارة الأزمات اليومية وصنع القرارات السياسية. فعلى مدى عقود، كانت النزاعات الداخلية بين الأجنحة والكتل تُحسم فوراً بصدور توجيهات عليا ملزمة للجميع. غير أن تعذر هذا الحضور المستمر دفع المؤسسات إلى اتخاذ مبادرات مستقلة، مما يخلق سابقة سياسية بالغة الخطورة تجعل من استقلالية القرار أمراً واقعاً وتغير التراتبية الهرمية التي تستند إليها السلطة الحاكمة.
ولم يغفل التحذير البعد التاريخي لتصاعد هذا التحدي، حيث استعرض أبو طالبي المحطات المفصلية التي استهدفت فيها الاحتجاجات الشعبية أجهزة القمع التابعة للنظام، كوزارة المخابرات وحرس النظام الإيراني، وصولاً إلى انتفاضة جامعة طهران عام 1999 واحتجاجات عام 2009. واعتبر أن تلك المراحل شكلت البداية العلنية لهتافات الشارع التي أعلنت بوضوح وصول مبدأ الولي الفقيه إلى طريق مسدود وبطلان مشروعيته، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً ينسف البنية الفكرية والسياسية للنظام بدلاً من الاكتفاء بانتقاد مسؤولين أو حكومات معينة.
تكتسب هذه الاعترافات وزناً استثنائياً لكونها صادرة عن شخصية تنتمي إلى معقل المنظومة العقائدية المروجة لأفكار النظام، وليست نابعة من قوى المعارضة. وتؤكد هذه التصريحات ثلاث حقائق بنيوية: أولها أن مبدأ الولي الفقيه يتعرض لتحدٍ علني لا رجعة فيه؛ وثانيها وجود تيارات متنفذة تسعى لتقليص سلطاته فعلياً؛ وثالثها أن الفراغ القيادي الراهن وفر المناخ الملائم لتقدم هذا المسار. وتبرز هذه المعطيات حالة الذعر الداخلي من تآكل الأساس الأيديولوجي والمؤسسي الذي استند إليه الاستبداد لعقود طويلة.
إن الهاجس الأكبر الذي يؤرق حماة النظام يتمثل في اكتشاف المؤسسات والأجهزة قدرتها على إدارة شؤونها وتسيير القرارات دون الرجوع إلى الولي الفقيه أو انتظار فتاواه وأوامره. إن مثل هذه اللامركزية الواقعية تُفقد المنظومة طابعها الشمولي وتجعل من الصعب للغاية إعادة ضبط الهيمنة السابقة؛ فالقوة الفعلية للمؤسسات السياسية تُقاس بمدى ممارستها للسلطة على الأرض وليس بالنصوص النظرية، وهو ما يفسر الاستنفار لمنع تكرس هذا النهج في مراحله المبكرة.
إيران: صراع الأجنحة يتصاعد ودعوات لتصنيع قنبلة نووية تكشف مأزق النظام
تعكس التطورات المتسارعة داخل أروقة طهران حالة من التآكل الداخلي والتخبط المستشري في هيكل النظام الإيراني، حيث احتدم صراع الذئاب بين أجنحة السلطة المتصارعة على خلفية التطورات الأخيرة والمفاوضات مع واشنطن. ووصل هذا الارتباك إلى حد ممارسة الرقابة من قبل مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التابعة للولي الفقيه ضد بيانات بيته ومكتبه، بالتوازي مع تأجيل الكلمات الموجهة للشعب من قبل مسعود بزشكيان، وصولاً إلى تعالي أصوات الملالي المطالبة بصناعة وتفجير قنبلة نووية كخيار أخير لإنقاذ الثيوقراطية الحاكمة من السقوط المحتوم.
وتتقاطع هذه الانقسامات العميقة داخل بنية السلطة مع ما تشهده الشوارع والمدن الإيرانية من تصاعد في وتيرة الاحتجاجات والإضرابات؛ إذ يلتقي رفض الشارع لهيمنة الولي الفقيه والنهب المنظم للثروات مع التصدع المؤسسي الداخلي. لقد أثبتت التطورات أن الأزمة تجاوزت حدود الاحتجاج المطلبي على التضخم الشهري وتردي الأوضاع المعيشية لتصل إلى عمق النظام ذاته، مؤكدة أن معركة التغيير وإسقاط الاستبداد لم تعد تدور فقط بين الجماهير الثائرة والسلطة، بل باتت تنخر في جسد المنظومة الحاكمة من الداخل.
تكشف التحذيرات المتصاعدة من داخل أروقة الحكم في طهران أن نظام الولي الفقيه يعيش مرحلة تفكك هيكلي غير مسبوقة؛ فالصراع لم يعد محصوراً بين الشارع الثائر وآلة القمع، بل امتد ليعصف بالبنية المؤسسية للنظام ذاته في ظل فراغ قيادي يُفرغ السلطة من مضمونها. إن تآكل ركيزة الولي الفقيه من الداخل، بالتوازي مع انتفاضات الشارع ورفضه المطلق للاستبداد، يضع النظام برمته أمام مأزق وجودي يؤكد حتمية التغيير وزوال عهد الهيمنة المطلقة.
- مواجهة دولية متصاعدة مع نظام الإعدامات والمجازر في إيران

- ملا مقرب من النظام الإيراني يحذر من تآكل سلطة الولي الفقيه وتفكك الحكم من الداخل

- جولياني: المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بديل جاهز لمرحلة ما بعد سقوط النظام

- إيران: 30 عملية لوحدات المقاومة تستهدف مراكز القمع ورموز النظام

- صحيفة لوموند أكثر من 30 دولة تتهم طهران باستخدام الإعدامات لإسكات المعارضة

- من هو محسن رضائي؟ الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني


