فرصة مؤقتة أم بداية النهاية؟ قراءة في مستقبل النظام الإيراني بعد مذكرة التفاهم
في هذه الأيام، وفي ضوء مذكرة التفاهم وما أعقبها من إجراءات، والنتائج التي يفترض أن تفضي إلى رفع العقوبات المتعلقة بتصدير النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وغيرها؛ تطرح جملة من الأسئلة:
ما الفرص التي يواجهها النظام في هذه المرحلة؟ وإلى متى ستظل نافذة هذه الفرص مفتوحة؟ وكيف يمكن للنظام أن يستفيد منها؟ وهل الاستفادة منها ستكون من طرف واحد، أم إنه مضطر إلى تقديم تنازلات مقابل ما سيحصل عليه؟ وهل سيقبل النظام في نهاية المطاف بحسابات الأخذ والعطاء التي تفرضها هذه الصفقة؟ وأخيرا، هل ستؤدي هذه الفرص إلى إبعاد النظام عن خطر الانتفاضة، أم أن طريقة استغلالها ستوفر الظروف اللازمة لاندلاعها؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة، نتناول أولا عددا من المحاور الأساسية:
السياسات العامة للنظام
- تقول السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، في هذا الشأن:
“إن هذا النظام لن يتخلى أبدا عن استراتيجيته الثلاثية المتمثلة في الأسلحة النووية، والصواريخ الباليستية، والجماعات التابعة له بالوكالة. كما أن تنصيب ابن خامنئي أثبت أن النظام ماض في مواصلة سياسة الأعوام السبعة والأربعين الماضية من دون أن يغير منها قيد أنملة، وأنه مستعد لارتكاب أي جريمة من أجل الحفاظ على بقائه.” - يحاول النظام استغلال الفرصة التي أتيحت له، من خلال عقد الصفقات والتفاهمات مع الدول ضد المقاومة الإيرانية، وترويج رواية الانتصار في الحرب، والترويج لما يسميه بالإنجازات، إضافة إلى تنظيم استعراضات دعائية، مثل التشييع الجماهيري المزعوم لخامنئي، وغيرها من مظاهر الدعاية، بهدف إظهار القوة، والسعي إلى إضعاف الإيمان والأمل بالانتفاضة وإسقاط النظام في أذهان أبناء الشعب الإيراني.
الانقسامات داخل النظام
- تعكس الانقسامات داخل النظام وجود استراتيجيتين متعارضتين للحفاظ عليه. فهناك جناح يرى أن ما يعتبره النظام من إنجازات أخيرة هو ثمرة استمرار نهج خميني وخامنئي القائم على المشروع النووي، والصواريخ، والجماعات التابعة، ولذلك يدعو إلى مواصلة هذا النهج. في المقابل، يرى الجناح الآخر العكس تماما، ويقول إن هذه المكاسب تحققت نتيجة التراجع عن ذلك النهج، والانخراط في مسار التفاوض والتعامل مع الولايات المتحدة، التي كان النظام يصفها دائما بـ”الشيطان الأكبر” و”قاتل خامنئي”، وأن هذا المسار هو الذي أوجد الظروف التي دفعت الولايات المتحدة إلى تقديم بعض التنازلات للنظام والتخلي عن الرهان على تغييره. ولذلك يؤكد هذا الجناح أن طريق إنقاذ النظام وضمان بقائه يكمن في التفاهم والتنسيق مع الغرب والولايات المتحدة.
- وفي خضم هذا الصراع، يحمل كل جناح تصوره الخاص عن مجتبى خامنئي، الذي ما يزال غائبا عن المشهد. وكل رسالة أو موقف يصدر عنه يزيد من حدة الانقسامات، لأنه ليس حاضرا في الساحة، ولأنه يفتقر إلى القوة التي تمكنه من إسكات أحد الأجنحة أو إقصائه أو إجراء عملية تطهير داخله. ولذلك يحاول، مرة بإرضاء هذا الجناح، ومرة بمجاملة الجناح الآخر، أن يحافظ بصورة مؤقتة وعلاجية على بقاء أجنحة النظام مجتمعة حول مائدة الوحدة.
النظام والولايات المتحدة والمنطقة
- إن هذا النظام لا يمكن أن يكون مصدرا للسلام والاستقرار في المنطقة أو في العالم. ولذلك، فمهما حاول الغرب، عبر سياسة الاسترضاء، الاستثمار في نظام ما بعد خامنئي والسير معه في طريق الاستمالة، فإنه لن يحصد سوى الفشل، وسيكتشف، بصورة أشد مما مضى، أنه كان مخطئا وأن رهانه سينتهي بالارتطام بالواقع.
- ورغم كل ما يجري من مناورات، أو مفاوضات، أو ترتيبات سياسية، فإن المجتمع الدولي والمنطقة يطالبان النظام، في نهاية المطاف، بالتخلي عن مشروعه النووي، وبرنامجه الصاروخي، وشبكة وكلائه في المنطقة. وهذا هو الأمر الذي يرفض النظام تقديمه. ومن هنا، فإن حالة الانسداد القائمة لن تنكسر من داخل النظام نفسه، إذ لا يملك أي من الطرفين حلا لهذه العقدة، ولا طريقا للخروج من هذا المأزق.
الشعب والمقاومة
- يعيش المجتمع الإيراني حالة ثورية وانفجارية، ولا تزال ذاكرة مجزرة انتفاضة يناير 2026 حاضرة بقوة في أذهان الناس. ولذلك، فإن العوامل التي أدت إلى انتفاضة عام 2026 لم تختف، بل ازدادت وتعمقت. وهذا يعني أن مجتبى خامنئي والنظام لن يتمكنا أبدا من محو قضية الانتفاضة أو تجاوزها.
- مهما كانت الظروف التي يمر بها النظام، فإنه لن يوجه الأموال والعائدات الناتجة عن المفاوضات لخدمة الشعب. ولذلك، فإن أيا من الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية أو المعيشية، ولا مشاكل الغلاء والبطالة والفقر، لن تجد طريقها إلى الحل. بل على العكس، فكلما اتسعت الانفراجات الاقتصادية التي يستفيد منها النظام، ارتفعت معها سقوف توقعات المواطنين، لتتحول مطالبهم التي تبقى بلا استجابة إلى وقود يغذي الانتفاضة والاحتجاجات.
- تؤكد التطورات التي أعقبت انتفاضة عام 2026 أن المجتمع الإيراني تجاوز مرحلة الخوف والخضوع للترهيب، وأصبح مستعدا للتضحية، الأمر الذي يجعل القمع عاجزا عن منع اندلاع انتفاضة جديدة.
- لقد فشلت جميع المشاريع والاستراتيجيات التي طرحت لإسقاط النظام أو تغييره، وأصبح الإيرانيون يدركون اليوم أن السبيل الوحيد يكمن في الاعتماد على أنفسهم وعلى المقاومة المنظمة لإسقاط النظام. ولهذا، فإن جميع الطرق تؤدي في المرحلة الراهنة إلى جيش التحریر، كما أن الظروف باتت مهيأة لتوسيع وحدات المقاومة وتشكيلات جيش التحریر.
- كما أن حقيقة التيار المنحرف الذي يقوده ابن الشاه السابق قد انكشفت بصورة كبيرة خلال الحرب الأخيرة، وفقد كثيرا من رصيده ومصداقيته، بحيث يمكن القول إن أحد أبرز العوائق التي كانت تعترض طريق الانتفاضة قد أزيل، وأصبح المجال أكثر انفتاحا أمام انطلاقها.
الخلاصة
- الشعب، والمقاومة، والمجتمع الدولي، وحتى النظام نفسه، لا يساورهم شك في حتمية الانتفاضة وسقوط النظام؛ وإنما يتمحور الخلاف حول توقيت حدوثهما. فالنظام يسعى إلى تأجيل موعد الانتفاضة، بينما يعمل جيش التحریر على تقصير هذه المدة وتسريع لحظة الحسم.
- إن مجتبى خامنئي، بعيدا عن المناورات والتكتيكات المرحلية، لن يغير ولن يستطيع أن يغير السياسات الاستراتيجية للنظام، لأن أي تغيير من هذا النوع سيؤدي إلى انهيار نظام ولاية الفقيه. ومن خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة، يسعى النظام إلى شراء الوقت، وتأمين الموارد المالية، وتهيئة الفرصة لإعادة بناء موقعه السابق. ولذلك، لا يوجد أي أفق حقيقي لتحقيق السلام أو الأمن أو إقامة علاقات طبيعية مع العالم والمنطقة. وقد أظهر الهجوم الذي شنه النظام على إحدى السفن، وما أعقبه من قصف أمريكي لمواقع تابعة له، أن استمرار هذه المرحلة، حتى لمدة ستين يوما، ليس أمرا مضمونا. وفي ظل التوترات والعقبات المتزايدة، فإن هذه المرحلة المؤقتة ستنتهي، وستنفجر هذه الفقاعة، لأن أصل المشكلة يكمن في النظام نفسه، الذي لا يستطيع التخلي عن الأسس التي يقوم عليها بقاؤه. وفي مثل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى قدر من الصبر الثوري، القائم على المقاومة والصمود، مقرونين بالمبادرة والهجوم.
- ومع الإدراك بأن جناحي النظام متفقان تماما على قمع الشعب والمقاومة والحفاظ على بقاء النظام، فإن استمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة سيزيد من تعميق الأزمة داخل بنية النظام. وكلما تصاعدت التناقضات الاجتماعية، اتسعت الهوة بين أجنحة السلطة، في وقت لا يمتلك فيه مجتبى خامنئي القدرة على احتواء هذه الانقسامات. وهذا يعني أن النظام يواجه اتساعا متزايدا في شقوقه الداخلية، وهي من أبرز المؤشرات التي تسبق نهاية أي نظام سياسي.
- لا يملك النظام أي رؤية حقيقية لمعالجة مشكلات الشعب. فقد بلغ الغضب الشعبي ذروته، ووصلت الأوضاع إلى مرحلة لم يعد بالإمكان احتمالها. ومن دون أدنى شك، سيخرج الشعب إلى الساحة في اللحظة المناسبة، وبالتوازي مع ذلك ستتوسع تشكيلات جيش الحرية، ومن تلاقي هذين العاملين ستتهيأ الظروف لقيام انتفاضة منظمة تهدف إلى إسقاط النظام. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال مراسم عاشوراء الحسيني في مختلف المدن، حيث أكد المواطنون، من خلال إحياء ذكرى شهداء انتفاضة يناير 2026، أن مسيرة الانتفاضة لن تتوقف قبل إسقاط النظام.






