نظام الملالي يعيش على الوقت المستقطع.. التماسك الهش وأوهام الاستقرار
غالباً ما يُساء فهم استمرار نظام الملالي في البقاء على أنه دليل قوة، لكن ديمومته تعكس مزيجاً من القمع المفرط، والظروف الدولية، وغياب الحسم السياسي، بدلاً من أي استقرار حقيقي.
يعد السؤال الأكثر تداولاً اليوم بشأن الشأن الإيراني بسيطاً في ظاهره لكنه يحمل أبعاداً عميقة: إذا كان النظام قد تجرع مرارة الانهيار الاقتصادي، والنزاعات الإقليمية، والانتفاضات العارمة، والعزلة الدولية، فكيف لا يزال ممسكاً بزمام السلطة؟
بالنسبة لبعض المراقبين، تبدو الإجابة دليلاً على مرونة النظام وقدرته على الصمود؛ إذ يجادلون بأن سلطة استطاعت عبور كل هذه الأزمات لا بد أنها تمتلك متانة استثنائية. ومع ذلك، فإن هذا التفسير يتغافل عن تمييز جوهري وحاسم: البقاء لا يعني الاستقرار بأي حال من الأحوال.
إن طول عمر هذا النظام لم يصنعه فقط أدواته القمعية الخاصة، بل شكلته أيضاً سلسلة من التطورات السياسية والدولية التي مددت شريان حياته مراراً وتكراراً. لقد ساهمت سياسات الاسترضاء الغربية، والنزاعات الإقليمية، وتبدل الأولويات الجيوسياسية، وغياب رؤية دولية منسقة تجاه طهران، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تمكين النظام من تجوية أزمات كانت لتكون قاضية في ظروف أخرى.
وعلى مدى العقود الأربعة الماضية، ساهمت الحروب والاضطرابات الإقليمية ــ من الحرب الإيرانية العراقية إلى حربي أفغانستان والعراق ــ في تغيير البيئة الاستراتيجية بطرق سمحت للنظام بتركيز سلطته داخلياً. ووفرت التهديدات الخارجية فرصة ذهبية للسلطات لتعزيز الأجهزة الأمنية، وسحق الأصوات الحرة، وتأطير المعارضة الداخلية كتهديد للأمن القومي. وفي الوقت نفسه، واجهت حركات المقاومة المنظمة عقبات سياسية وقانونية جمة، حيث ساهمت مساعي أطراف دولية لتهميش هذه المجموعات، بالتوازي مع استراتيجيات دبلوماسية ركزت على الحوار مع طهران، في الحد من بروز بديل معترف به دولياً، وهي سياسات صبت في المحصلة لمصلحة المؤسسة الحاكمة.
انهيار اقتصادي يحول المرض إلى كابوس في ظل سلطة الاستبداد الإيرانية
يتحول الانهيار الاقتصادي في إيران تدريجياً إلى تهديد مباشر لبقاء الإنسان على قيد الحياة. فبينما يدفع التضخم الجامح ونقص الأدوية الحاد الرعاية الصحية إلى ما هو أبعد من متناول المواطنين العاديين، باتت الأدوية الحيوية إما مفقودة تماماً أو تُباع بأسعار باهظة في السوق الحرة، مما يضع العائلات بين مطرقة المرض وسندان الفقر العاجز عن تأمين العلاج.
البقاء لا يعني الشرعية
غالباً ما يستشهد أنصار النظام باستمراره كدليل على وجود قاعدة شعبية أو قوة مؤسسية، لكن طول البقاء لا يصنع شرعية. إن نظام طهران اليوم لا يشبه في شيء ذلك الكيان الذي تشكل بعد عام 1979؛ فقد تلاشت جاذبيته الأيديولوجية دراماتيكياً، وتراجعت المشاركة الانتخابية، وانهارت الثقة العامة في مؤسسات الدولة، وباتت السلطة تعتمد بالكامل على الآليات القسرية بدلاً من التوافق السياسي للحفاظ على سيطرتها.
إن أي سلطة تواجه الاحتجاجات العمالية، والنشاط المدني، والمعارضة السياسية بالاعتقالات والقمع والترهيب، قد تنجح في فرض النظام على المدى القصير، لكن هذه الأساليب تعجز تماماً عن معالجة الجذور العميقة للاستياء الاجتماعي. والتحدي الأكبر الذي يواجه سلطة الاستبداد اليوم ليس الضغط الخارجي، بل الفجوة الآخذة في الاتساع بين المجتمع والنظام السياسي، حيث أنتج الحرمان الاقتصادي، والفساد، وخنق الحريات المدنية، وتراجع مستويات المعيشة إحباطاً عارماً يتجاوز الطبقات الاجتماعية والفئات الديمغرافية.
تصاعد الضغوط الداخلية في عهد خامنئي
بعيداً عن السخط الاجتماعي، يواجه النظام ضغوطاً داخلية متزايدة؛ حيث تظل قضية الخلافة واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل المؤسسة السياسية. ولعقود طويلة، عمل علي خامنئي كشخصية مركزية لضبط توازن الأجنحة المتنافسة، ورغم تسلم ابنه لمنصبه في هرم السلطة، فإن الصراعات الكامنة باتت أكثر وضوحاً للعيان. والتحدي هنا لا يقتصر على تحديد الخليفة، بل في الحفاظ على تماسك بنية سياسية تعج بالمصالح والمؤسسات ومراكز القوى المتصارعة؛ فالأنظمة الاستبدادية غالباً ما تبدو موحدة حتى تفضح لحظات الانتقال انقساماتها الدفينة.
تأتي هذه المخاوف على وقع موجات متتالية من الاحتجاجات شهدتها البلاد على مدار العقد الماضي. وقد كشفت انتفاضات الأعوام 2017 و2019 و2022 عن نمط من الاضطراب الاجتماعي المستمر الذي لم يختفِ رغم آلة القمع الوحشية. وإذا كانت هذه الحركات قد تفاوتت في حجمها وكثافتها، فإنها أثبتت مجتمعة أن الرفض القاطع للوضع القائم بات ممتداً وعميقاً. والأهم من ذلك، أن قطاعات واسعة من الإيرانيين الذين أملوا يوماً في إصلاح تدريجي فقدوا أي أوهام بإمكانية التغيير من داخل النظام، وهو تحول فكري يمثل تحدياً بعيد المدى لا يمكن حله بالقبضة الأمنية وحدها.
المأزق الاستراتيجي المحيط بطهران
على الصعيد الدولي، يواجه النظام معضلة يزداد التحكم بها صعوبة؛ إذ يُنظر إلى البرنامج النووي، وقدرات الصواريخ البالستية، وشبكة الفصائل الحليفة في المنطقة كأدوات للسياسة الخارجية، لكنها بالنسبة للمؤسسة الحاكمة تؤدي وظيفة داخلية عبر استعراض القوة وتعزيز الردع.
المشكلة تكمن في أن الاستمرار في هذه السياسات يحمل تكاليف باهظة؛ فقد ساهمت العقوبات، والعزلة الدبلوماسية، والتوترات الإقليمية في التدهور الاقتصادي وتعميق الغضب الشعبي. وفي المقابل، فإن تقديم تنازلات جوهرية في هذه الملفات قد يفجر خلافات حادة داخل النخبة الحاكمة ويضعف الركائز الأساسية للعقيدة الاستراتيجية للنظام. ونتيجة لذلك، تجد طهران نفسها محاصرة بين خيارين أحلاهما مر: إما المضي في نهجها الحالي بتكلفة اقتصادية وسياسية هائلة، أو تقديم تنازلات قد تفتح ثغرات أمنية جديدة في الداخل؛ وهذا الشلل الاستراتيجي يفسر عجز النظام عن تغيير مساره رغم تزايد الضغوط.
الاقتصاد الرقمي في إيران يواجه انهياراً شاملاً تحت وطأة قيود الإنترنت والضغوط المالية
دخل الاقتصاد الرقمي في إيران واحدة من أشد أزماته التاريخية إثر الانقطاعات الواسعة لشبكة الإنترنت منذ يناير الماضي، عقب الاحتجاجات الوطنية وظروف الحرب. وأدت القيود الصارمة المفروضة على الشبكة العالمية إلى شل كامل لعمليات مئات الآلاف من المتاجر الإلكترونية، صناع المحتوى، المدونين، والشركات المعتمدة كلياً على المنصات الرقمية.
مجتمع ينبض بالثورة
بينما تواصل السلطات الاعتماد على القمع وإدارة الأزمات، تظل المحركات الأساسية للاضطرابات بلا حل؛ فالتضخم، والبطالة، وانهيار القدرة الشرائية، والفساد، وتعمق الفوارق الطبقية، أزمات تطحن ملايين الإيرانيين ولم تختفِ بعد موجات الاحتجاج المتلاحقة، بل تفاقمت بشكل ملحوظ.
بناءً على ذلك، لا يعد الإحباط الشعبي رد فعل مؤقت على أحداث عينية، بل هو انعكاس لأزمات بنيوية عميقة؛ إذ يثبت استمرار الإضرابات العمالية، والاحتجاجات الفئوية، والمقاومة المدنية أن رفض النظام بات متجذراً في وجدان المجتمع. ولا يعني هذا أن التغيير السياسي وشيك أو حتمي غداً، فالتاريخ يزخر بأمثلة لأنظمة استبدادية عاشت أطول مما توقع لها المراقبون، والتنبؤ بتوقيت التحولات الكبرى أمر بالغ الصعوبة.
لكن ما يمكن تأكيده بثقة واقتناع هو أن بقاء النظام يجب ألا يُفسر كاستقرار حقيقي؛ فالسلطة قد تستمر في الحكم وهي تعاني في آن واحد من تآكل الشرعية، وتردي الأداء الاقتصادي، وتصاعد حرب الأجنحة، واغتراب اجتماعي متزايد.
توازن هش على حافة الهاوية
إن السؤال المركزي الذي يواجه إيران اليوم ليس ما إذا كان النظام قد نجا من أزمات الماضي ــ فقد فعل ذلك بوضوح ــ بل السؤال الأهم هو ما إذا كانت العوامل التي أمنت بقاءه طوال العقود الأربعة الماضية لا تزال كافية لضمان مستقبله.
تواجه سلطة الاستبداد اليوم مجتمعاً كسر حاجز الخوف، واقتصاداً يئن تحت وطأة الشلل، وفشلاً ذريعاً في الحوكمة، ونظاماً سياسياً مأزوماً في شرعيته. في الوقت الحالي، يظل النظام في السلطة، لكن استمراره بات يرتكز على توازن هش للغاية، تحميه حراب القمع والمناورات الأمنية، لا التوافق الشعبي؛ وهذا التمايز هو ما سيحدد في نهاية المطاف وجهة الصراع بين مجتمع يتطلع للحرية ونظام يقتات على الوقت المستقطع تحت حكم الولي الفقيه.
- نظام الملالي يعيش على الوقت المستقطع.. التماسك الهش وأوهام الاستقرار

- السفير روبرت جوزيف: تصفية البرنامج النووي مستحيلة دون إسقاط الديكتاتورية الدينية بدعم البديل المنظم والشعب الإيراني

- لا للشاه ولا لنظام الملالي: تظاهرة باريس ترسم ملامح إيران المستقبل

- احتجاجات عمال والكوادر الطبية في شوش ويزد

- فوكس نيوز: ترامب يرجئ قراره النهائي بعد اجتماع غرفة العمليات، وجعفر زاده يؤكد تآكل أركان طهران وضعف حرس النظام

- 20 عملية متزامنة لوحدات المقاومة تستهدف مقرات الحرس والباسيج في إيران


