إيران اليوم: قمع أمني يخفي أزمة شاملة تهدد بانفجار قريب
إن الهدوء الذي يخيم على إيران اليوم ليس عضوياً ولا دائماً، بل هو هدوء قسري ومؤقت فرضته ظروف الحرب والتوترات العسكرية.
ففي ظل القصف الجوي وحالة التأهب القصوى، تنهار آليات الاحتجاج الأساسية، حيث يتجنب المدنيون التجمعات ليس رضىً بالواقع، بل لأن الاقتراب من المنشآت التابعة للسلطة يحمل خطراً مميتاً.
وفي الوقت ذاته، تستغل الأجهزة الأمنية للنظام الإيراني هذا الوضع الأمني لتوسيع صلاحياتها القمعية، وتخوين أي صوت معارض باعتباره تعاوناً مع الأعداء الأجانب.
وقد أدى هذا القمع الممنهج إلى حالة من الجمود القسري وتزايد تكلفة التعبير عن المظالم؛ فالنظام لا يعمل على استقرار المجتمع، بل يعمد إلى كبته وضغطه بقوة السلاح.
وتحت قشرة هذا الهدوء المفروض، يعاني الاقتصاد الإيراني من انهيار هيكلي شامل لا يمكن إخفاؤه؛ فقد ظلت معدلات التضخم الرسمية مرتفعة بين 40 إلى 45% خلال عام 2025.
وفي غضون ذلك، قفز تضخم أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى نحو 70%، مما أثقل كاهل الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط ودمر قدرتها الشرائية تماماً.
كما تدهورت العملة الوطنية بشكل كارثي لتسجل نحو 1.4 مليون ريال للدولار الواحد، مما أفقدها أكثر من نصف قيمتها، وأدى لارتفاع تكاليف الإنتاج وتكريس فوضى الأسعار.
ولم تواكب الأجور هذا التضخم الجامح، حيث باتت تغطي نحو 25 إلى 30% فقط من تكاليف المعيشة الأساسية، لتصبح ظاهرة الفقراء العاملين هي السمة الأبرز للاقتصاد.
وتفاقمت أزمة الأجور غير المدفوعة والمعاشات التقاعدية، لتتحول إلى أزمة منهجية في قطاعات حيوية عدة، كالمستشفيات والمصانع والمنشآت الصناعية.
وقد دفع هذا الوضع المأساوي المتقاعدين إلى الاحتجاج مراراً في مدن مختلفة، من الأهواز جنوباً إلى رشت شمالاً، مطالبين بحقهم البسيط في العيش بكرامة.
وبالتوازي مع الأزمة الاقتصادية الخانقة، يشهد المواطن انهياراً واضحاً ويومياً في البنية التحتية والموارد الأساسية للبلاد.
فرغم الاحتياطيات الهائلة، أدى النقص المتكرر في الغاز إلى إغلاق صناعات رئيسية، فضلاً عن انقطاع الكهرباء وأزمة مياه حادة تهدد بـ إفلاس مائي نتيجة عقود من سوء الإدارة.
وما يجعل الوضع قابلاً للانفجار في أي لحظة هو اتساع دائرة المتضررين؛ فلم يعد الاستياء والرفض مقتصراً على فئات معينة أو مناطق جغرافية محددة.
لقد شملت انتفاضة يناير 2026 تجار البازار التقليديين، والعمال، والمتقاعدين، والطلاب، لتمتد من طهران وأصفهان إلى شيراز ومشهد، في دلالة واضحة على غضب وطني شامل.
وفي مواجهة ذلك، اعتمد النظام بشكل حصري على آلة القمع، مصدراً تعليمات بسحق الاحتجاجات بأي وسيلة ممكنة، مما أسفر عن اعتقالات جماعية تملأ السجون.
وتزداد هذه الآليات قسوة في ظل الحرب، إلا أن حقيقة الأمر تؤكد أن القمع وإسكات الأصوات لا يحل أزمات التضخم، أو نقص المياه، أو الأجور المتأخرة.
ومما لا شك فيه أنه بعد انقشاع غبار الحرب، لن تعود المجتمعات إلى حالة الخضوع، بل ستتصاعد التوقعات والمطالب بتقديم إغاثة اقتصادية فورية ومساءلة حقيقية عن الخسائر.
وستصطدم هذه المطالب الشعبية المشروعة بدولة مقيدة مالياً، ومنقسمة داخلياً، وعاجزة تماماً عن تقديم أي حلول حقيقية أو تلبية أبسط الاحتياجات.
إن الخلاصة الحتمية هي أن الانتفاضة لم تُلغَ، بل أُجلت فقط؛ فعندما تنتهي الحرب ويرتفع القيد الأمني الكثيف، سيعود الشعب الذي أرهقه الفقر وسوء الخدمات إلى الشوارع.
وسيواجه هذا الشعب الغاضب نظاماً أضعف مالياً وسياسياً ومثقلاً بأضرار الصراعات، مما يمهد الطريق لعودة أقوى وأكثر حسماً للاحتجاجات، لتكتب النهاية الحتمية للاستبداد.
- تصريحات قادة النظام الإيراني تكشف رعبهم الحقيقي من الانتفاضة والمقاومة المنظمة

- ماي ساتو تطالب بوقف الهجمات العسكرية والتحقيق في قمع انتفاضة يناير

- المقاعد الفارغة: من إعدامات الطفولة إلى مجزرة يناير

- كيف أفشل الوعي الطلابي مؤامرات نظام الملالي ومحاولات إجهاض الانتفاضة؟

- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية

- ذعر النظام الإيراني من استمرار الحراك الجامعي في إيران


