الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
لم تعد أزمة النظام الإيراني مقتصرة على هتافات الشوارع المشتعلة؛ بل باتت تُقرأ بوضوح في أسعار رغيف الخبز، وفي موائد شهر رمضان الخاوية، وفي النبرة القلقة التي تسيطر على وسائل الإعلام الحكومية ذاتها. عندما تبدأ الصحف المحسوبة على أجنحة النظام في إطلاق تحذيرات علنية من عواقب خطيرة، فإن الرسالة لا تقبل اللبس: نظام الملالي يمر بفترة من الهشاشة غير المسبوقة، حيث يتقاطع الانهيار الاقتصادي مع الصدمة السياسية العميقة لانتفاضة يناير 2026.
خط الخبز الأحمر.. التضخم كمُعجّل للانفجار
يُظهر الجدل الدائر حول أسعار الخبز مدى القابلية العالية للانفجار داخل المجتمع الإيراني. لقد حذرت صحيفة شرق الحكومية بصراحة من أنه في ظل التضخم المنفلت، فإن أي إجراء يمثل صدمة للأسعار يمكن أن يكون خطيراً للغاية.
هذا التحذير ليس تنظيراً مجرداً؛ فالصحيفة تصف مجتمعاً لم يعد بإمكان الكثيرين فيه شراء اللحوم؛ وباتت الدواجن والبيض صعبة المنال، ليبقى الخبز هو العنصر الوحيد المتبقي على المائدة. وتضيف الصحيفة محذرة من أن المساس بهذا الملاذ الأخير يعني تدمير آخر دعائم البقاء للطبقات الفقيرة، وهو عمل لا يُنصح به إطلاقاً.
في إيران، الخبز ليس مجرد سلعة غذائية، بل هو مقياس سياسي. وعندما تنصح المنابر الإعلامية للنظام بتجنب المساس بدعم الخبز خوفاً من اندلاع اضطرابات، فهي تقر صراحة بهشاشة الاستقرار الاجتماعي، وتؤكد أن القيادة تدرك أن التضخم لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل هو مُعجّل للانفجار.
تقشف رمضان.. موائد خاوية واعترافات رسمية
يتجلى التآكل الاقتصادي بشكل صارخ خلال شهر رمضان. وتشير تقارير صحيفة دنياي اقتصاد إلى أن ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية جعلا التجمعات العائلية الرمضانية التقليدية أمراً نادر الحدوث.
يتحدث أصحاب محلات الحلويات عن انهيار في مبيعات حلويات رمضان التقليدية، واختفاء أطباق مثل “الآش” من موائد الإفطار. ويشير أحد باعة التمور إلى مفارقة مبكية: في العام الماضي كان الزبائن يشترون كرتونتين في المرة الواحدة وتنفد المخزونات في أيام؛ أما هذا العام، فالمنتج ذاته بالكاد يُباع، وهو مؤشر مرعب في بلد يُستهلك فيه 40% من إنتاجه السنوي للتمور خلال شهر رمضان.
أما سوق الألبان فيقدم إشارة أوضح على حالة الضيق؛ حيث يتساءل أحد التجار باستنكار عن عبوة الزبادي (سعة كيلوغرامين) التي وصل سعرها إلى حوالي 500 ألف تومان: من يستطيع الشراء بهذه الأسعار؟.
هذه المعطيات ليست من بيانات المعارضة، بل هي اعترافات منشورة في الصحافة المرخصة داخل البلاد.
شبح انتفاضة يناير.. المطالبة بالحقيقة والمحاسبة
لقد بات الانهيار الاقتصادي والصدمة السياسية صنوان لا يفترقان. تُذكّر صحيفة توسعه إيراني الحكومية قراءها بأن انتفاضة يناير 2026 لم تكن مجرد حدث في التقويم؛ بل كانت جرحاً غائراً في الذاكرة الجماعية للمجتمع. لقد وصلت احتجاجات 8 و 9 يناير إلى نقطة حرجة، تاركة خلفها إحصاءات متناقضة وأسئلة بلا إجابات، مما يثبت أن الانتفاضة كانت نتاج ضغط متراكم، وليست مجرد اضطراب عابر.
اليوم، لم تعد مطالب الشارع تقتصر على الانفراج الاقتصادي، بل امتدت لتشمل الحقيقة والمحاسبة. في تحدٍ علني، خاطب الرئيس السابق للجنة الأمن القومي بالبرلمان، حشمت الله فلاحت بيشه، رئيس النظام مسعود بزشكيان قائلاً: بصفتك رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، انشر قرار المجلس ليومي 8 و 9 يناير. بما أنك تطلب من الناس المساعدة في جمع وثائق جريمة يناير، فعليك أن تتخذ الخطوة الأولى بنفسك.
إن استخدام مصطلح جريمة يناير في الخطاب الداخلي يحمل دلالات سياسية ثقيلة، ويعكس تحولاً كبيراً في ميزان القوى.
مأزق الشفافية وتآكل العقد الاجتماعي
يضع الملالي أنفسهم أمام اختبار تكلفة الشفافية. فالإفصاح عن حقيقة ما جرى في يناير يهدد بتوريط أطراف نافذة في مراكز القوى، بينما التكتم والتعتيم يعمقان انعدام الثقة الشعبي.
ويقدم الملالي والمحاضر في الحوزة، محسن غرويان، ملاحظة كاشفة حين يقول: المجتمع منهك من الوعود التي لم تتحقق، ويشعر بالاستنزاف. ما يلاحظه الناس في واقعهم المعاش هو التدهور التدريجي للظروف الاقتصادية، مما يدفع شريحة كبيرة من المجتمع للشعور بفقر أشد. عندما يتحدث شخصية دينية من داخل المنظومة بهذه الصراحة، فهذا يؤكد أن المعاناة باتت أوسع من أن تُنكر.
خناق يضيق وهامش خطأ معدوم
لم تتلاشَ انتفاضة يناير من الذاكرة؛ إنها لا تزال حاضرة في الأسئلة المعلقة، وفي قلوب العائلات الثكلى، وفي زنازين الشباب المعتقلين، وفي سلال التسوق الفارغة.
يواجه النظام الإيراني اليوم ممراً يضيق يوماً بعد يوم: فالانفراج الاقتصادي دون إصلاح هيكلي مقيد بعجز مالي خانق؛ والقمع دون شفافية يعمق انعدام الثقة؛ والشفافية دون تغيير سياسي تهدد مراكز القوى الراسخة. كل مسار يحمل في طياته خطر السقوط.
إن تقاطع قلق الخبز، وتقشف رمضان، والمطالبة بحقيقة مجازر يناير 2026، يكشف عن بلد يعيش حالة من التوتر غير المحسوم. وتحت السطح الهادئ ظاهرياً، يتمزق العقد الاجتماعي ببطء. وعندما تدق المنابر الإعلامية التابعة للنظام أجراس الخطر معلنة أن المجتمع مجروح ومنهك، فهذا يعني أن القيادة تدرك جيداً أن هامش الخطأ قد أصبح معدوماً.
- بُناة بلا مأوى.. سياسات النظام الإيراني تسحق عمال البناء في إيران

- جيلٌ يُدفع نحو الهاوية: كيف دمر النظام الإيراني مستقبل التعليم في إيران تحت غطاء الحرب؟

- كابوس الإيجارات يطارد سكان طهران: انهيار سبل العيش تحت وطأة النظام الكهنوتي

- حصاد الحرب: أضرار تلحق بـ 6 آلاف وحدة في لورستان والبطالة تهدد 600 ألف شخص

- تكريس الفصل العنصري الرقمي: النظام الإيراني يوسع سياسة الإنترنت الطبقي لخنق حرية التواصل

- طوابير الجوع و اسعار فلكية: النظام الإيراني يحرم الإيرانيين من رغيف الخبز


