الرئيسيةمقالاتحديث اليومالجامعات تنتفض… وكسر نهائي لثنائية الشاه والملالي

الجامعات تنتفض… وكسر نهائي لثنائية الشاه والملالي

0Shares

الجامعات تنتفض… وكسر نهائي لثنائية الشاه والملالي

في اليوم الثاني من المظاهرات الطلابية الواسعة في إيران، لم تعد الهتافات مجرد تعبير احتجاجي عابر، بل تحولت إلى خطاب سياسي مكتمل المعالم يكسر ثنائية الاستبداد التاريخي في البلاد. من طهران إلى مشهد، أعلن الطلاب بوضوح أنهم يرفضون إعادة إنتاج الديكتاتورية بأي صيغة، وأن معركتهم لم تعد ضد نظام بعينه، بل ضد منظومة الاستبداد في جوهرها.

لليوم الثاني على التوالي (الأحد 22 فبراير)، شهدت جامعات إيران حراكاً متصاعداً. غير أن ما ميّز هذه الموجة لم يكن حجمها فحسب، بل مضمونها السياسي الواضح.

الهتافات التي انطلقت في جامعة طهران – أقدم وأكبر جامعات البلاد – لم تترك مساحة للتأويل:
«الموت للديكتاتور»
«هذا العام عام الدم، سيسقط سيد علي»
«لا لنظام الشاه ولا لنظام الولاية؛ بل الديمقراطية والمساواة».

هذا الشعار الأخير يعكس تحولاً بالغ الأهمية. فالطلاب لم يكتفوا برفض النظام القائم، بل أعلنوا بوضوح رفضهم لأي عودة لنظام الشاه أو أي صيغة حكم استبدادي أخرى. إنها قطيعة مزدوجة مع الماضي والحاضر في آنٍ معاً.

تزامنت المظاهرات مع أربعينية شهداء انتفاضة يناير، وهو توقيت يحمل دلالة رمزية عميقة في الثقافة السياسية والاجتماعية الإيرانية. فالأربعين ليس مجرد طقس ديني، بل محطة تجديد عهد مع الضحايا، وإعادة شحن للغضب الشعبي.

من هنا يمكن فهم شعار:
«قسماً بدماء الرفاق، سنبقى صامدين حتى النهاية».

إنه إعلان بأن الدم المسفوك لم يتحول إلى خوف، بل إلى حافز سياسي. ولهذا تكرر شعار «الدم الذي يُراق لا يُمحى بأي شيء» في جامعة شريف التكنولوجية وغيرها.

في عدد من الجامعات، خصوصاً العلوم والتكنولوجيا وأمير كبير، حاول عناصر الباسيج الاعتداء على الطلاب ورفع شعارات مضادة مثل «جاويد شاه» (عاش الشاه) في محاولة واضحة لخلق صورة إعلامية توحي بأن الحراك ذي نزعة تطالب بعودة نظام الشاه.

لكن الرد الطلابي كان حاسماً.

بيان طلاب جامعة طهران رسم خطاً فاصلاً:
«لا توجد أي صلة بين الجامعة والاستبداد السابق أو اللاحق… الجامعة خندق الحرية الذي لا يقهر».

بهذا البيان، أغلق الطلاب الباب أمام محاولات التشويه المزدوجة:

  • النظام الذي يسعى لوصف الاحتجاجات بأنها فوضى أو امتداد “للنظام السابق”،
  • وبعض التيارات التي تحاول ركوب موجة الغضب الشعبي لإعادة تدوير تاريخ استبدادي.

اللافت أن الشعارات تجاوزت الإطار الطلابي لتلامس جوهر النظام السياسي:
«يجب إطلاق سراح السجين السياسي»
«ما لم يُكفّن الملالي، لن يصبح هذا الوطن وطناً»
«سنحارب، سنموت، وسنستعيد إيران».

هذا الانتقال من المطالب الأكاديمية أو الجزئية إلى المطالب السياسية الشاملة يعكس تطوراً نوعياً في وعي الحركة. الجامعة هنا لم تعد فقط ساحة تضامن، بل منصة لإعادة تعريف المشروع الوطني.

من جامعة خواجه نصير، حيث داس الطلاب صورة المرشد هاتفين «خامنئي القاتل، حكمك باطل»، إلى جامعة فردوسي وسجاد في مشهد، حيث دوّى شعار «حرية، حرية»، تبدو الخريطة الطلابية وكأنها تتكلم بلسان واحد.

هذا التزامن الجغرافي ليس تفصيلاً عابراً. بل هو مؤشر على وجود مزاج سياسي موحد يتجاوز الفوارق المناطقية، ويعيد إنتاج فكرة “الشبكة الاجتماعية المنتفضة” التي برزت في انتفاضات سابقة.

في هذا السياق، جاءت تصريحات السيدة مريم رجوي التي حيّت الطلاب المنتفضين وأكدت على استمرار الانتفاضة، لتمنح الحراك بعداً سياسياً معارضاً منظماً.

أهمية هذا الموقف تكمن في الربط بين الشارع والبديل السياسي المطروح، وفي تأكيد أن الانتفاضة ليست مجرد موجة غضب عابرة، بل مساراً يتطلب أفقاً سياسياً واضحاً يقوم على الديمقراطية وفصل الدين عن الدولة والمساواة.

الرسالة الأعمق في هذه الجولة من المظاهرات هي كسر الثنائية التي حكمت المشهد الإيراني لعقود:
إما النظام الشاه الاسبتدادي
أو ولاية فقيه قمعية.

جيل اليوم يطرح معادلة ثالثة: دولة مدنية ديمقراطية، لا تستند إلى شرعية وراثية ولا إلى سلطة دينية مطلقة.

هذا التحول يضعف خطاب النظام الذي يلوّح بفزاعة “العودة إلى الشاه”، كما يضعف أي مشروع يحاول استثمار الغضب الشعبي دون تبني مشروع ديمقراطي صريح.

ما يجري في الجامعات الإيرانية اليوم يتجاوز مشهد التظاهر. إنه إعادة تعريف للشرعية، وللهوية الوطنية، ولمفهوم الدولة ذاتها.

الطلاب أعلنوا بوضوح:
لا رجعة إلى الوراء.
لا مهادنة مع الاستبداد.
ولا قبول بديكتاتور قديم أو جديد.

المعادلة التي تُرسم في ساحات الجامعات تقول شيئاً واحداً:
إن زمن الخضوع يتآكل…
وزمن الخيار الديمقراطي يطرق الأبواب بقوة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة